شناسه حدیث :  ۴۳۷۸۹۱

  |  

نشانی :  مدینة معاجز الأئمة الإثنی عشر و دلائل الحجج علی البشر  ,  جلد۵  ,  صفحه۶۶  

عنوان باب :   الجزء الخامس الباب الخامس في معاجز الإمام أبي جعفر محمد بن علي ابن الحسين بن علي بن أبي طالب - عليهم الصلاة و السّلام - الرابع و الأربعون الريح التي حملت صوته - عليه السلام - و طرحته في أسماع الرجال و النساء و موقفه موقف شعيب النبيّ - عليهما السلام -

معصوم :   امام باقر (علیه السلام) ، امام صادق (علیه السلام) ، پيامبر اکرم (صلی الله علیه و آله) ، امیرالمؤمنین (علیه السلام)

أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ: قال: روى الحسن ابن معاذ الرضوي قال: حدّثنا لوط بن يحيى الأزدي، عن عمارة بن زيد الواقدي قال: حج هشام بن عبد الملك بن مروان سنة من السنين، و كان قد حج في تلك السنة محمد بن علي الباقر و ابنه جعفر بن محمد - عليهما السلام - قال جعفر بن محمد: [في بعض كلامه] الحمد للّه الذي بعث محمّدا بالحقّ نبيا و أكرمنا به، فنحن صفوة اللّه على خلقه و خيرته من عباده [و خلفاؤه] فالسعيد من اتبعنا و الشقيّ من عادانا و خالفنا، و من الناس من يقول: إنه يتولاّنا و يوالي اعدائنا، و من يليهم من جلسائهم و أصحابهم أعداء ديننا فهو لم يسمع كلام ربّنا و لم يعمل به. قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمد - عليه السلام - فأخبر مسلمة أخاه بما سمع، فلم يعرض لنا حتى انصرف الى دمشق و انصرفنا الى المدينة، فأنفذ بريدا الى عامل المدينة بإشخاص أبي و إشخاصي معه، فاشخصنا إليه، فلمّا وردنا دمشق حجبنا ثلاثة أيّام، ثمّ أذن لنا في اليوم الرابع، فدخلنا و إذا هو قد قعد على سرير الملك، و جنده و خاصته وقوف على أرجلهم سماطين مستحلّين، و قد نصب البرجاس حذاءه و أشياخ قومه يرمون. فلمّا دخل أبي و أنا خلفه، ما زال يستدنينا منه حتى حاذيناه و جلسنا قليلا، فقال لابي: يا أبا جعفر إرم مع أشياخ قومك الغرض، فانّما أراد أن يهتك بأبي، و ظن أنه يقصر و يخطئ و لا يصيب إذا رمى، فيشفي منه بذلك، فقال له أبي: قد كبرت عن الرمي، فان رأيت أن تعفيني، فقال: و حقّ من أعزّنا بدينه و نبيّه محمد - صلّى اللّه عليه و آله - لا أعفيك. ثمّ أومأ الى شيخ من بني اميّة أن أعطه قوسك، فتناول أبي عند ذلك قوس الشيخ، ثم تناول منه سهما فوضعه في كبد القوس، ثم انتزع و رمى وسط الغرض فنصبه فيه، ثمّ رمى فيه الثانية، فشق فواق سهمه الى نصله، ثم تابع الرمي حتى شقّ تسعة أسهم بعضها في جوف بعض، و هشام يضطرب في مجلسه، فلم يتمالك أن قال: أجدت يا أبا جعفر! و أنت أرمى العرب و العجم، هلاّ زعمت أنّك كبرت عن الرمي؟ ثم أدركته الندامة على ما قال، و كان هشام لم يكنّ أحدا قبل أبي و لا بعده في خلافته، فهمّ به، و أطرق إلى الارض إطراقة يرتوي فيه رأيا، و أبي واقف بحذائه مواجها له، و أنا وراء أبي. فلمّا طال وقوفنا بين يديه غضب أبي و همّ به، و كان أبي إذا غضب نظر الى السماء نظر غضبان، يتبيّن الناظر الغضب في وجهه؛ فلمّا نظر هشام الى ذلك من أبي قال له: يا محمّد اصعد فصعد أبي الى السرير و أنا أتبعه، فلمّا دنا من هشام قام إليه فاعتنقه و أقعده عن يمينه، ثمّ اعتنقني و أقعدني عن يمين أبي، ثمّ أقبل على أبي بوجهه فقال له: يا محمد لا تزال العرب و العجم يسودها قريش ما دام فيهم مثلك، و للّه درّك! من علّمك هذا الرمي؟ و في كم تعلّمته؟ فقال أبي: قد علمت أنّ أهل المدينة يتعاطونه، فتعاطيته أيّام حداثتي، ثم تركته، فلمّا أراد أمير المؤمنين منّي ذلك عدت فيه، فقال له: ما رأيت مثل هذا الرمي قطّ مذ عقلت، و ما ظننت أنّ في الأرض أحدا يرمي مثل هذا الرمي، أين رمي جعفر من رميك. فقال: إنّا نحن نتوارث الكمال و التمام الذين أنزلهما اللّه على نبيّه - صلّى اللّه عليه و آله - في قوله: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاٰمَ دِيناً و الأرض لا تخلو ممّن يكمّل هذه الامور التي يقصر عنها غيرنا. قال: فلمّا سمع ذلك من أبي انقلبت عينه اليمنى، فاحولّت و احمرّ وجهه، و كان ذلك علامة غضبه إذا غضب، ثمّ أطرق هنيئة ثم رفع رأسه، فقال لأبي: أ لسنا بنو عبد مناف نسبنا و نسبكم واحد؟ فقال أبي: و نحن كذلك، و لكنّ اللّه عزّ و جلّ اختصّنا من مكنون سرّه و خالص علمه بما لم يخصّ أحدا به غيرنا. فقال: أ ليس اللّه تعالى بعث محمدا - صلّى اللّه عليه و آله - من شجرة بني عبد مناف الى الناس كافّة أبيضها و أسودها و أحمرها؟ من أين ورثتم ما ليس لغيركم؟ و رسول اللّه مبعوث الى الناس كافّة، و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ إِنِّي رَسُولُ اَللّٰهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً اَلَّذِي لَهُ مُلْكُ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ الى آخر الآية، فمن أين ورّثتم هذا العلم و ليس بعد محمد نبي و لا أنتم أنبياء؟ فقال أبي - عليه السلام -: من قوله تبارك و تعالى لنبيّه لاٰ تُحَرِّكْ بِهِ لِسٰانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ فالذي أبداه فهو للناس كافّة، و الذي لم يحرّك به لسانه لغيرنا أمره اللّه أن يخصّنا به دون غيرنا، فلذلك كان يناجي به أخاه عليّا من دون أصحابه، و أنزل اللّه بذلك قرآنا في قوله: وَ تَعِيَهٰا أُذُنٌ وٰاعِيَةٌ فقال له رسول اللّه - صلّى اللّه عليه و آله - بين أصحابه: «سألت اللّه أن يجعلها اذنك يا عليّ. فلذلك قال عليّ - عليه السلام - بالكوفة: «علّمني رسول اللّه - صلّى اللّه عليه و آله - ألف باب من العلم، يفتح من كلّ باب ألف باب» خصّه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه و آله - من مكنون سرّه بما يخصّ أمير المؤمنين - عليه السلام - أكرم الخلق عليه، فكما خصّ اللّه نبيّه خصّ نبيّه أخاه عليّا من مكنون سرّه و علمه بما لم يخصّ به أحدا من قومه، حتى صار إلينا، فتوارثناه من دون أهلنا. فقال له هشام بن عبد الملك: إنّ عليّا - عليه السلام - كان يدّعي علم الغيب، و اللّه لم يطّلع على غيبه أحدا فكيف ادّعى ذلك؟ و من أين؟ فقال أبي: إنّ اللّه جلّ ذكره أنزل على نبيّه كتابا بيّن فيه ما كان و ما يكون الى يوم القيامة في قوله: وَ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ اَلْكِتٰابَ تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرىٰ لِلْمُسْلِمِينَ و في قوله تعالى: وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنٰاهُ فِي إِمٰامٍ مُبِينٍ و في قوله: مٰا فَرَّطْنٰا فِي اَلْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ و في قوله وَ مٰا مِنْ غٰائِبَةٍ فِي اَلسَّمٰاءِ وَ اَلْأَرْضِ إِلاّٰ فِي كِتٰابٍ مُبِينٍ . و أوحى اللّه إلى نبيّه - صلّى اللّه عليه و آله - ان لا يبقى في غيبه و سرّه و مكنون علمه شيئا إلاّ يناجي به عليّا، فأمره أن يؤلّف القرآن من بعده، و يتولّى غسله و تكفينه و تحنيطه من دون قومه، قال: لأصحابه: «حرام على أصحابي و أهلي أن ينظروا الى عورتي غير أخي عليّ، فإنه منّي و أنا منه، له ما لي و عليه ما عليّ، و هو قاضي ديني و منجز و عدي» ثمّ قال لأصحابه: «عليّ بن أبي طالب يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله» و لم يكن عند أحد تأويل القرآن بكماله و تمامه إلاّ عند عليّ - عليه السلام -، و لذلك قال رسول اللّه - صلّى اللّه عليه و آله - لأصحابه: «أقضاكم عليّ» أي هو قاضيكم؛ و قال عمر بن الخطاب: لو لا عليّ لهلك عمر. يشهد له عمر، و يجحده غيره؟! فأطرق هشام طويلا ثمّ رفع رأسه فقال: سل حاجتك. فقال: خلّفت أهلي و عيالي مستوحشين لخروجي، فقال: قد آنس اللّه وحشتهم برجوعك إليهم، و لا تقم أكثر من يومك، فاعتنقه أبي و دعا له و ودّعه و فعلت أنا كفعل أبي؛ ثم نهض و نهضت معه، و خرجنا الى بابه و اذا ميدان ببابه، و في آخر الميدان اناس قعود، عدد كثير، قال أبي من هؤلاء؟ فقال الحجّاب: هؤلاء القسيسون و الاحبار و الرهبان، و هذا عالم لهم يقعد إليهم في كلّ سنة يوما واحدا ليستفتونه فيفتيهم، فلفّ أبي عند ذلك رأسه بفاضل ردائه، و فعلت انا فعل أبي، فاقبل نحوهم حتى قعد نحوهم و قعدت وراء أبي، و رفع ذلك الخبر الى هشام، فأمر بعض غلمانه أن يحضر الموضع فينظر ما يصنع أبي، فاقبل و أقبل عدد من المسلمين، فأحاطوا بنا، و أقبل عالم النصارى، و قد شدّ حاجبيه بحريرة صفراء حتى توسطنا، فقام إليه جميع القسّيسين و الرهبان مسلّمين عليه، فجاء الى صدر المجلس فقعد فيه، و أحاط به أصحابه، و أبي و أنا بينهم، فأدار نظره ثمّ قال لأبي: أ منّا أم من هذه الامّة المرحومة، فقال أبي: بل من هذه الامّة المرحومة، فقال من أين أنت؟ من علمائها أم من جهّالها؟ فقال له أبي: لست من جهّالها فاضطرب اضطرابا شديدا ثم قال له: أسألك؟ فقال له أبي: سل. فقال: من أين ادّعيتم أنّ أهل الجنّة يطعمون و يشربون و لا يحدثون و لا يبولون، و ما الدليل فيما تدّعونه من شاهد لا يجهل؟ فقال له أبي: دليل ما تدّعي من شاهد لا يجهل، الجنين في بطن امّه يطعم و لا يحدث. قال: فاضطرب النصرانيّ اضطرابا شديدا ثمّ قال: هلا زعمت أنّك لست من علمائها؟ فقال له أبي: قلت لست من جهّالها. و أصحاب هشام يسمعون ذلك، فقال لأبي: أسألك عن مسألة أخرى. فقال له أبي: سل فقال: من أين ادّعيتم أنّ فاكهة الجنة أبدا غضّة طريّة؟ موجودة غير معدومة عند جميع أهل الجنة لا تنقطع؟ و ما الدليل فيما ما تدّعونه من شاهد لا يجهل؟ فقال له أبي: دليل ما ندّعي أنّ قرآننا أبدا غضّ طريّ موجود غير معدوم عند جميع أهل الدنيا، لا ينقطع. فاضطرب اضطرابا شديدا. ثمّ قال: هلا زعمت أنّك لست من علمائها؟ فقال له أبي: و لا من جهّالها، فقال: أسألك عن مسألة اخرى؟ فقال له: سل، قال: أخبرني عن ساعة من ساعات الدنيا ليست من ساعات الليل و لا من ساعات النهار؟ فقال له أبي: هي الساعة التي بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس، يهدأ فيها المبتلي، و يرقد فيها الساهر، و يفيق فيها المغمى عليه، جعلها اللّه في الدنيا رغبة للراغبين، و في الآخرة للعاملين لها، و جعلها دليلا واضحا و حجّة بالغة على الجاحدين المتكبرين التاركين لها. قال: فصاح النصرانيّ صيحة ثمّ قال: بقيت مسألة واحدة، و اللّه لأسألنّك عن مسألة لا تهتدي الى الجواب عنها، فقال له أبي سل، فانّك حانث في يمينك، فقال: أخبرني عن مولودين ولدا في يوم واحد و ماتا في يوم واحد، عمر أحدهما خمسون و مائة سنة و الآخر خمسون سنة في دار الدنيا؟ فقال له أبي: ذلك عزيز و عزرة ولدا في يوم واحد، فلمّا بلغا مبلغ الرجال خمسة و عشرين عاما مرّ عزير على حماره راكبا على قرية بانطاكية ، و هي خاوية على عروشها، فقال: «أَنّٰى يُحْيِي هٰذِهِ اَللّٰهُ بَعْدَ مَوْتِهٰا» و قد كان اصطفاه و هداه، فلمّا قال ذلك القول غضب اللّه عليه و أماته مائة عام سخطا عليه بما قال. ثمّ بعثه على حماره بعينه و طعامه و شرابه، فعاد الى داره، و عزرة أخوه لا يعرفه فاستضافه، فاضافه، و بعث الى ولد عزرة و ولد ولده و قد شاخوا، و عزير شابّ في سنّ ابن خمس و عشرين سنة فلم يزل عزير يذكّر أخاه و ولده و قد شاخوا، و هم يذكرون ما يذكّرهم و يقولون: ما أعلمك بأمر قد مضت عليه السنون و الشهور! و يقول له عزرة - و هو شيخ كبير ابن مائة و خمسة و عشرين سنة -: ما رأيت شابّا في سنّ خمس و عشرين سنة أعلم بما كان بيني و بين أخي عزير أيّام شبابي منك! فمن أهل السماء أنت أم من أهل الأرض؟! فقال عزير لاخيه: أنا عزير، سخط اللّه عليّ بقول قلته - بعد أن اصطفاني و هداني - فأماتني مائة سنة، ثمّ بعثني ليزدادوا بذلك يقينا إنّ اللّه على كلّ شيء قدير، و ها هو حماري و طعامي و شرابي الذي خرجت به من عندكم أعاده اللّه تعالى لي كما كان فعند ذلك أيقنوا بقدرته. فأعاشه اللّه بينهم خمس و عشرين سنة، ثمّ قبضه اللّه و أخاه في يوم واحد، فنهض عالم النصارى عند ذلك قائما، و قام النصارى على أرجلهم، فقال لهم عالمهم: جئتموني بأعلم منّي و أقعدتموه معكم حتى يهتكني و يفضحني، و اعلم المسلمين بأنّ لهم من أحاط بعلومنا و عنده ما ليس عندنا، لا و اللّه و لا كلّمتكم من رأسي كلمة واحدة و لا قعدت لكم إن عشت سنة. فتفرّقوا، و أبي قاعد مكانه و أنا معه، و رفع ذلك الخبر الى هشام بن عبد الملك، فلمّا تفرّق الناس نهض أبي و انصرف الى المنزل الذي كنّا فيه، فوافانا رسول هشام بالجائزة، و أمرنا أن ننصرف الى المدينة من ساعتنا و لا نبقى، لانّ الناس ماجوا و خاضوا فيما جرى بين أبي و عالم النصارى. فركبنا دوابّنا منصرفين، و قد سبقنا بريد من عند هشام الى عامله بمدين على طريقنا الى المدينة: يذكر له إنّ ابني أبي تراب الساحرين محمد بن عليّ و ابنه جعفر بن محمد الكذابين - بل هو الكذاب لعنه اللّه - فيما يظهران من الاسلام! قد وردا عليّ، فلمّا صرفتهما إلى المدينة ما لا الى القسّيسين و الرهبان من كفّار النصارى، و أظهر لهما دينهما، و مرقا من الإسلام إلى الكفر دين النصارى، و تقرّبا إليهم بالنصرانيّة، فكرهت أن أنكل بهما لقرابتهما، فاذا قرأت كتابي هذا فليناد في الناس برئت الذمّة ممّن يشاريهما أو يبايعهما أو يصافحهما أو يسلّم عليهما، فانّهما قد ارتدّا عن الاسلام، و رأى أمير المؤمنين أن يقتلهما و دوابّهما و غلمانهما و من معهما أشرّ قتلة. قال: فورد البريد الى مدينة «مدين» فلمّا شارفنا مدينة «مدين» قدّم أبي غلمانه ليرتادوا منزلا و يشترون لدوابّنا علفا و لنا طعاما، فلما قرب غلماننا من باب المدينة أغلقوا الباب في وجوهنا و شتمونا، و ذكروا بالشتم عليّا أمير المؤمنين - عليه السلام - و قالوا لهم: لا نزول لكم عندنا و لا شرى و لا بيع يا كفّار يا مشركين يا مرتدّين يا كذّابين يا شرّ الخلائق أجمعين. فوقف غلماننا على الباب حتى انتهينا إليهم، فكلّمهم أبي و ليّن لهم القول و قال لهم: اتّقوا اللّه و لا تغلطوا، فلسنا كما بلغكم و لا نحن كما تقولون، فاسمعونا، فقال لهم أبي فهبنا كما تقولون، افتحوا لنا الباب و شارونا و بايعونا كما تشارون و تبايعون اليهود و النصارى و المجوس، فقالوا: أنتم أشرّ من اليهود و النصارى و المجوس! لأنّ هؤلاء يؤدّون الجزية و أنت لا تؤدّون. فقال لهم أبي: افتحوا لنا الباب و أنزلونا و خذوا منّا الجزية كما تأخذون منهم، فقالوا: لا نفتح و لا كرامة لكم حتى تموتوا على ظهور دوابكم جياعا نياعا أو تموت دوابّكم تحتكم. فوعظهم أبي: فازدادوا عتوا و نشوزا . قال: فثنى أبي رجله عن سرجه، ثمّ قال لي: مكانك يا جعفر لا تبرح، ثم صعد الجبل المطلّ على مدينة «مدين» و أهل مدين ينظرون إليه ما يصنع، فلمّا صار في أعلاه استقبل بوجهه المدينة وحده، ثمّ وضع إصبعيه في أذنيه، ثم نادى بأعلى صوته وَ إِلىٰ مَدْيَنَ أَخٰاهُمْ شُعَيْباً - الى قوله - بَقِيَّتُ اَللّٰهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ نحن و اللّه بقية اللّه في أرضه. فأمر اللّه تعالى ريحا سوداء مظلمة، فهبّت و احتملت صوت أبي، فطرحته في أسماع الرجال و النساء و الصبيان، فما بقي أحد من الرجال و النساء و الصبيان إلاّ صعد السطوح، و أبي مشرف عليهم؛ و صعد فيمن صعد شيخ من أهل «مدين» كبير السنّ، فنظر الى أبي على الجبل، فنادى بأعلى صوته: اتّقوا اللّه يا أهل «مدين» فانّه قد وقف الموقف الذي وقف فيه شعيب - عليه السلام - حين دعا على قومه، فان أنتم لم تفتحوا له الباب و لم تنزلوهم جاءكم من اللّه العذاب، و إني أخاف عليكم، و قد أعذر من أنذر. ففزعوا و فتحوا لنا الباب و أنزلونا، و كتب العامل بجميع ذلك إلى هشام، فارتحلنا من مدين إلى المدينة في اليوم الثاني. فكتب هشام الى عامل «مدين» يأمره بأن يأخذ الشيخ فيطمره ، فتطمره - رحمة اللّه عليه - و كتب الى عامل مدينة الرسول أن يحتال في سمّ أبي في طعام أو شراب، فمضى هشام و لم يتهيّأ له في شيء من ذلك .

هیچ ترجمه ای وجود ندارد