شناسه حدیث :  ۳۱۰۴۴۸

  |  

نشانی :  التوحيد  ,  جلد۱  ,  صفحه۲۷۷  

عنوان باب :   38 باب ذكر عظمة الله جل جلاله

معصوم :   امیرالمؤمنین (علیه السلام)

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ اَلْحَسَنِ اَلْقَطَّانُ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا قَالَ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ تَمِيمِ بْنِ بُهْلُولٍ عَنْ نَصْرِ بْنِ مُزَاحِمٍ اَلْمِنْقَرِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ لُوطِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِي مَنْصُورٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: سُئِلَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَنْ قُدْرَةِ اَللَّهِ تَعَالَى جَلَّتْ عَظَمَتُهُ فَقَامَ خَطِيباً فَحَمِدَ اَللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مَلاَئِكَةً لَوْ أَنَّ مَلَكاً مِنْهُمْ هَبَطَ إِلَى اَلْأَرْضِ مَا وَسِعَتْهُ لِعِظَمِ خَلْقِهِ وَ كَثْرَةِ أَجْنِحَتِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ لَوْ كُلِّفَتِ اَلْجِنُّ وَ اَلْإِنْسُ أَنْ يَصِفُوهُ مَا وَصَفُوهُ لِبُعْدِ مَا بَيْنَ مَفَاصِلِهِ وَ حُسْنِ تَرْكِيبِ صُورَتِهِ وَ كَيْفَ يُوصَفُ مِنْ مَلاَئِكَتِهِ مَنْ سَبْعُمِائَةِ عَامٍ مَا بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ وَ شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسُدُّ اَلْأُفُقَ بِجَنَاحٍ مِنْ أَجْنِحَتِهِ دُونَ عِظَمِ بَدَنِهِ وَ مِنْهُمْ مَنِ اَلسَّمَاوَاتُ إِلَى حُجْزَتِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ قَدَمُهُ عَلَى غَيْرِ قَرَارٍ فِي جَوِّ اَلْهَوَاءِ اَلْأَسْفَلِ وَ اَلْأَرَضُونَ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ لَوْ أُلْقِيَ فِي نُقْرَةِ إِبْهَامِهِ جَمِيعُ اَلْمِيَاهِ لَوَسِعَتْهَا وَ مِنْهُمْ مَنْ لَوْ أُلْقِيَتِ اَلسُّفُنُ فِي دُمُوعِ عَيْنَيْهِ لَجَرَتْ دَهْرَ اَلدَّاهِرِينَ - فَتَبٰارَكَ اَللّٰهُ أَحْسَنُ اَلْخٰالِقِينَ وَ سُئِلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَنِ اَلْحُجُبِ فَقَالَ أَوَّلُ اَلْحُجُبِ سَبْعَةٌ غِلَظُ كُلِّ حِجَابٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ بَيْنَ كُلِّ حِجَابَيْنِ مِنْهَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَ اَلْحِجَابُ اَلثَّالِثُ سَبْعُونَ حِجَاباً بَيْنَ كُلِّ حِجَابَيْنِ مِنْهَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَ طُولُهُ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ حَجَبَةُ كُلِّ حِجَابٍ مِنْهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ قُوَّةُ كُلِّ مَلَكٍ مِنْهُمْ قُوَّةُ اَلثَّقَلَيْنِ مِنْهَا ظُلْمَةٌ وَ مِنْهَا نُورٌ وَ مِنْهَا نَارٌ وَ مِنْهَا دُخَانٌ وَ مِنْهَا سَحَابٌ وَ مِنْهَا بَرْقٌ وَ مِنْهَا مَطَرٌ وَ مِنْهَا رَعْدٌ وَ مِنْهَا ضَوْءٌ وَ مِنْهَا رَمْلٌ وَ مِنْهَا جَبَلٌ وَ مِنْهَا عَجَاجٌ وَ مِنْهَا مَاءٌ وَ مِنْهَا أَنْهَارٌ وَ هِيَ حُجُبٌ مُخْتَلِفَةٌ غِلَظُ كُلِّ حِجَابٍ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ سُرَادِقَاتُ اَلْجَلاَلِ وَ هِيَ سَبْعُونَ سُرَادِقاً فِي كُلِّ سُرَادِقٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ بَيْنَ كُلِّ سُرَادِقٍ وَ سُرَادِقٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ ثُمَّ سُرَادِقُ اَلْعِزِّ ثُمَّ سُرَادِقُ اَلْكِبْرِيَاءِ ثُمَّ سُرَادِقُ اَلْعَظَمَةِ ثُمَّ سُرَادِقُ اَلْقُدْسِ ثُمَّ سُرَادِقُ اَلْجَبَرُوتِ ثُمَّ سُرَادِقُ اَلْفَخْرِ - ثُمَّ اَلنُّورُ اَلْأَبْيَضُ ثُمَّ سُرَادِقُ اَلْوَحْدَانِيَّةِ وَ هُوَ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ أَلْفَ عَامٍ فِي سَبْعِينَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ اَلْحِجَابُ اَلْأَعْلَى وَ اِنْقَضَى كَلاَمُهُ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ وَ سَكَتَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ لاَ بَقِيتُ لِيَوْمٍ لاَ أَرَاكَ فِيهِ يَا أَبَا اَلْحَسَنِ .
زبان شرح:

شرح توحید الصدوق / قاضی سعید قمی ; ج ۳  ص ۵۹۹

الشرح: لمّا كان إدراك عظمة اللّه ممّا يمتنع للعقول و الأوهام لأنّها أجلّ من أن يصل إليها الأفهام،و لا ريب أنّ الوصول الى المؤثّر انّما يمكن عن طريق الآثار،ذكر عليه السّلام في بيان العظمة بتعداد آثارها من المصنوعات العظيمة فذكر من ذلك أيضا ما يمكن أن يصل إليه أكثر الأفهام،و هو ذكر الملائكة المتعلقة بالجسمانيات المدبّرة للمكونات و لم يذكر من المحسوسات الصرفة و لا من العقليات المحضة،بل ذكر ما هو ذو الجهتين من التقدّس و التجسّم لتنبيه الطالب الى أنّ حقيقة العظمة مما لا سبيل الى إدراكها و لا مطمح للوصول الى شأوها،و الأجسام العظيمة ظاهرة الوجود،و العقليات الصرفة ما لا يصل الى إدراكها الاّ واحد بعد واحد،فينبغي أن يذكر ما هو بين القبيلتين و صاحب الجهتين.
و لمّا كان أصول الحجب التي هي مراتب الجسمانيات سبعة و تتنوّع الى سبعين و سبعمائة و سبعين ألف الى غير ذلك من درجات السبعة ذكر عليه السّلام سبعة أملاك: أحدها، ما نصّ عليه لقوله:«لو أنّ ملكا منهم هبط‍ الى الأرض ما وسعته» و لعلّه عبارة عن الملك الموكّل بجسم الكل من حيث الجسمية فقط‍.و كثرة الأجنحة إشارة الى كثرة أنواع هذا الجسم.
و الثاني، ما نصّ عليه بقوله:«و منهم من لو كلفت الجنّ و الإنس»الى آخره، و لعلّه عبارة عن الملك الموكّل بالجسم المتكمّم بقرينة ذكر البعد«في مفاصله» و كأنّه إشارة الى الأبعاد التي لكل نوع من هذا الجسم.ثمّ فصّل هذا القسم بذكر
الملائكة الموكّلين بكلية الأنواع،فكأنّه ليس بقسم على حدة،و لهذا قلنا ذكر عليه السّلام سبعة أملاك و الاّ فالمذكور ثمانية و ذكر من أقسام هذا المجمل ستّة أملاك فيكون مع الأول سبعة فلا تغفل!
فالأول منها ما أشار إليه بقوله عليه السّلام:«من سبع مائة عام»الى آخره، لمّا كان في ذكر المدبرات للجسم المتكمّم و هو منحصر في السماويات العلويات و الأرضيات السفليات،فلعلّه إشارة الى الملك المدبّر لقاطبة السماويات.و السبعمائة باعتبار عدد السماوات،و قد يعبّر عن طول السخن ب‍«الأعوام»و كذا عن تنوّع أقسام الشيء بها.
و الثاني من الستة ما أشار إليه بقوله:«و منهم من يسدّ الأفق بجناح من أجنحته »و لعلّه إشارة الى الملك الموكّل بالسماء الدنيا لمناسبة ذكر الأفق.
و الثالث منها ما ذكر بقوله:«و منهم من السماوات الى حجزته»و هو بفتح الحاء المهملة فسكون الجيم ثمّ الزاي المنقوطة معقد الإزار.و كأنّه إشارة الى الملك الذي دبّر السماويات لإصلاح الأرضيات فيأخذ من فوق و يفيض الى أسفل فنصفه الأعلى يحاذي السماوات.
الرابع، ما أفاد بقوله عليه السّلام:«و منهم من قدمه على غير قرار في جوّ الهواء و الأرضون الى ركبتيه»و لعلّه إشارة الى الملك الموكّل على عنصر الهواء و لمّا كان الهواء مما قد نفذ في أقطار الأرض كانت الأرضون الى ركبتيه لا محالة.
الخامس، ما ذكر بقوله:«و منهم من لو ألقي في نقرة إبهامه جميع المياه لوسعتها»
لعلّه إشارة الى الملك الموكّل بعنصر الماء و هو ظاهر.
السادس، ما أشار إليه بقوله:«و منهم من لو ألقيت السفن في دموع عينيه لجرت دهر الداهرين»و لعلّه إشارة الى الملك الموكّل بكلية الأرض لسعتها البحار و الأنهار و العيون؛فتبارك اللّه أحسن الخالقين.
المتن: و سئل عليه السّلام عن الحجب،فقال: أوّل الحجب سبعة،غلظ‍ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام،
و الحجاب الثاني سبعون حجابا بين كل حجابين مسيرة خمسمائة عام و طوله خمسمائة عام.
الشرح: قد ذكرنا نبذا من الكلمات في تحقيق الحجب و السرادقات في كتابنا الأربعين و الآن فلنفصّل القول في ذلك بنقل أقوال العلماء و أهل المعرفة ثمّ لنشرح الخبر على ما هدانا إليه وليّ الخير فنقول:
قد ورد في الطريقين عن سيّد الكونين صلّى اللّه عليه و آله انّه قال:«انّ للّه سبعة و سبعين حجابا»و في رواية«سبعمائة حجابا»و في أخرى:«سبعين ألف حجاب من و نور و ظلمة لو كشفها عن وجهه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه»و في رواية:«ما انتهى إليه بصره من خلقه» -الخبر.و للعلماء العارفين في بيان حقيقة الحجاب و أعداده المتخالفة مع عدم الخروج عن مراتب تضاعيف السبعة مشارب،و لكل فيه مذهب من المذاهب:
أمّا الغزالي فقال في رسالة المشكاة بهذه العبارة:«انّ اللّه متجلّ في ذاته لذاته
فيكون الحجاب بالنسبة الى المحجوب لا محالة،و المحجوبون ثلاثة:منهم من حجب بمجرد الظلمة،و منهم من حجب بمجرد النور و منهم من حجب بنور مقرون بالظلمة،و أقسام هذه الأقسام كثيرة لا تحصى كثرتها،و يمكن أن يتكلّف حصرها في سبعين لكن لا أثق بما يلوح لي من تحديد و حصر،إذ لا أدري أنّه المراد بالحديث أم لا.و أمّا الحصر الى سبعين ألف فذلك لا يستقلّ به غير القوة النبوية مع أنّ ظاهر ظنّي أنّ هذه الأعداد مذكورة للتكثير لا للتحديد و قد تجري العادة بذكر عدد و لا يراد به الحصر بل للتكثير،و اللّه أعلم بتحقيق ذلك فذلك خارج عن الوسع»-انتهى كلامه.
و قال صاحب مرصاد العباد :«انّ الأرواح لمّا أمرت بالنزول الى أسفل السافلين الذي هو تعلقها بالقوالب و قد عبرت عالمي الملك و الملكوت حتى وصلت إلى القوالب فتعلّق بها من كل عالم مرت به ما زيد به فصارت تلك المعلقات حجبا لها في المعاد إليه تعالى و هي الحجب النورانية و الظلمانية السبعون ألف كما هو في الخبر»-انتهى.
أقول:و هذا الذي ذهب إليه هذان الفاضلان طريق الى تصحيح التكثير و عجز عن الحصر و التحديد و هو طريقة أهل السلامة الذين لا يخوضون في ما لا سبيل لهم الى العلم،لكن قول الفاضل الأول انّ الأعداد للتكثير ليس بجيّد لأنّ كلام الشارع أصول معقولة و قواعد مضبوطة ليس بحسب التخمين و الجزاف و لا على المسامحة و الاعتساف و أيّة خصوصية في المراتب السبعة ليست في الألف و المائة و ليس لمن لا يعلم حجة على من يعلم،و لا يلزم من عدم علم أحد عدم علم غيره.
القول الثالث:نقل عن بعض الفضلاء في بيان هذا الخبر أنّه قال:«الناس
ينقسمون سبعة أصناف بعدد الكواكب السبعة السيارة:
الأوّل، أصحاب الأمر و النهي من السلاطين و الملوك و لهم تعلّق بالشمس؛
الثاني، أصحاب السيف و السلاح من الأمراء و الأجناد و لهم تعلّق بالمريخ؛
الثالث، أصحاب القلم و الحساب و لهم تعلّق بعطارد؛
و الرابع، أصحاب العلم و أهل الرأي و التدبير و إصلاح أمور الناس كالوزراء و القضاة و العلماء و لهم تعلّق بالمشتري؛
الخامس، أصحاب الزراعة و أهل الكهوف و الجبال و لهم تعلّق بزحل؛
السادس، أصحاب اللّهو و الطّرب و اللّذّة و الزّينة و لهم تعلّق بالزهرة؛
السابع، أصحاب السفر و التجارة و الرسالة و من يشبههم و لهم تعلّق بالقمر؛ و لا يخرج من هذه الأصناف واحد من الناس فإن خرج ألحق بالأنسب من المذكورين.
إذا تقرّر ذلك،فاعلم أنّ لكلّ واحد من هذه الأصناف تعلّقات عشرة:
الأول، ما يستعين به في إقامة بدنه و هو الدنانير و الدراهم،و له تعلّق بالبرج الثاني من الطالع؛
الثاني، الإخوة و الأخوات و الأنساب و الأصهار و لهم تعلّق بالثالث منه؛
الثالث، الأملاك من الدور و العقار و البساتين و المزارع و الآباء و الأمّهات و لها تعلّق بالرابع منه؛
الرابع، الأولاد و حاصل الأملاك و الهدايا و الرسل و لها تعلّق بالخامس منه؛
الخامس، العبيد و الحيوانات الصغار و لهم تعلّق بالسادس منه؛
السادس، الأزواج و الشركاء و الأضداد و لهم تعلّق بالسابع منه؛
السابع، ما يعرض للإنسان في هذا الوجود من المصائب و النكبات و أحوال الزّوجات و الملبوسات و لها تعلّق بالثامن منه؛
الثامن، الذين لهم عليه ولاية من ذوي الأمر و النهي و طلب الارتفاع على الأقران و الشّهرة و الأمّهات و لها تعلّق بالعاشر منه؛
التاسع، الأصدقاء و الأصحاب و المعارف و لهم تعلّق بالحادي عشر؛
العاشر، الأعداء و الحيوانات الكبار و لها تعلّق بالثاني عشر منه.
و سقط‍ البرج الطالع عن درجة الاعتبار لأنّه بيت النفس لا بيت التعلّق.
و الغرض انّما هو ذكر أسباب التعلق.و سقط‍ البرج التاسع أيضا لأنّه برج العلوم و الفضائل و النبوّة و هى كمال النفس لا بيت التعلّق؛
إذا تقرّر ذلك فاضرب خصوصيات الأصناف السبعة-فانّها تعلّقات أيضا- في التعلّقات العشرة،يحصل منها سبعون تعلّقا مانعة للنفس من وصولها الى البارئ تعالى.و كما انّ الشخص الذي غلب عليه كوكب في مولده يكون طبيعته ذلك الكوكب ،كذلك إذا غلب و قوي برج في مولده و هو من أهل ما يتعلّق بذلك البرج من التعلّقات،و كذلك القول في البلدان و الأقاليم و الأمم.و التعلّقات المذكورة هي السلسلة التي ذرعها سبعون ذراعا كما حكاه تعالى ،و هي الحجب السبعون المشار إليها في الحديث النبوي:«انّ للّه سبعين حجابا من نور و ظلمة»فالحجب
النورية هي النفوس و الأولاد و الأمهات و الأزواج و غيرهم و العلوم إن كانت لغير الله،و الظلمانية هي الدنانير و الدراهم و الأملاك و الحيوانات و غيرها.و لا منافاة بين هذا الخبر و بين ما ورد:«انّ لله سبعين ألف حجاب من نور و ظلمة» لأنّ المراد من كل واحد من السبعين له ألف حجاب،و هو الألف من الأشغال التي احتاج إليها آدم عليه السّلام لمّا خرج الى الأرض ليأكل لقمة كما ورد في الخبر، و كلها يندرج في السبعين اندراج الجزئي تحت الكلى»-انتهى كلامه بعبارته.
القول الرابع،لبعض العرفاء قال:لا شكّ انّ الناس اختلفوا في معنى الآية و الحديث،و الى الآن ما ظفر أحد منهم بعلة الحصر،بل أكثرهم ذهب الى انّ هذا العدد للتكثير لا للحصر و هو بعيد،و ما ذكره القائل الثالث فيه ما فيه،لكن الحق تعالى شأنه أنعم و تفضّل علينا بمعرفة ذلك فلنشر الى ذلك إظهارا لنعمته: اعلم انّ الحجب و السلاسل في الحقيقة هي مظاهر الأسماء الإلهية المسمّاة ب‍«العالم»و تلك الذات من حيث لا اسم لها و لا رسم،فالاسم إمّا من حيث الظهور أو البطون و كمالاتها غير متناهية لأنّها من اقتضائها و هي غير متناهية ، و كمالاتها كذلك فأسماؤها غير متناهية و كذلك العالم المترتبة عليها،و ينتهي من حيث كلياتها،و كذلك ينتهي و ينقطع من حيث انقطاع حكم الأسماء،لأنّ لها أحكاما تدوم بدوامها و تنقطع بانقطاعها ك‍«الأوّل»و«الظاهر»بالنسبة الى «الآخر»و«الباطن»،و«المبدئ»بالنسبة الى«المعيد»،و الكل يظهر للحق من حيث له الكل.
اذا عرفت هذا فاعلم انّ هاهنا قولين: الأوّل، انها عبارة عن الموجودات و المخلوقات الآفاقية روحانية كانت أو
جسمانية؛
الثاني، إنّها عبارة عن التعلّقات الإنسانية صورية كانت أو معنوية.و العبارتان صحيحتان أمّا الأولى فهي أن تعرف انّ العوالم كلها منحصرة في ثمانية عشر ألف عالم،و هنا عالمان:عالم الملك و عالم الملكوت أو الغيب و الشهادة،فالمجموع يكون ستّا و ثلثين ألف عالم سقط‍ منها العالم الإنساني المضاف إليه الحجب،فيبقى خمسة و ثلاثون ألفا،و يضاف إليها من الأنفس بحكم التطابق مثل ذلك بعد إسقاط‍ نفسه عنه،فيبقى سبعون ألف عالم و هي سبعون ألف حجاب آفاقيّا و أنفسيّا،و يظهر سرّ إنّ«للّه سبعين ألف حجاب من نور و ظلمة»-الحديث.ثم يفرض السبعين المذكورة كليات العالم ليظهر سرّ الآية و سرّ الخبر الوارد بعبارة أخرى:«انّ لله سبعين حجابا من نور و ظلمة».هذا على سبيل الإجمال.
و أمّا على سبيل التفصيل فاعلم أنّ«الملك»عند البعض عبارة عن العرش و الكرسي و السماوات السبع و الهيولى و الطبيعة و العناصر الأربعة و المواليد الثلاثة، و عند البعض عبارة عن الجبروت و الملكوت و العرش و الكرسي و السماوات السبع و الهيولى و الطبيعة و العناصر الأربعة و المواليد الثلاثة إذا عدّت بواحدة،و عند البعض عن العقل و النفس الكلية و الطبيعة و الأفلاك التسعة و هيولى العالم السفلي و العناصر الأربعة و المواليد الثلاثة المحسوبة بواحدة.
و على جميع التقادير هي ثمانية عشر عالما،فيقدر هذه المقادير من الملكوت الذي هو روح هذه العوالم و حقيقتها أيضا،فيكون المجموع ستّا و ثلاثين عالما سقط‍ منها العالم الإنساني المضاف إليه هذه الحجب فيبقى خمسة و ثلاثون،فيضاف إليها
من الأنفس بحكم التطابق صورة و معنى بعد إسقاط‍ نفسه عنه،فيبقى سبعون عالما مطابقا لقوله تعالى و قول النبي صلّى اللّه عليه و آله.
و حيث أنّ هذه العوالم كلّيّات مشتملة على جزئيات كثيرة بحسب كل كلي ألف جزئي بحكم وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ يصير سبعين ألف عالم من نور و ظلمة و لطيف و كثيف المعبّر عنها ب‍«سبعين ألف حجاب».و حسن هذا التطبيق لا يخفى على أحد من العقلاء خصوصا على أهل اللّه و خاصّته.
ثمّ قال بعد كلام طويل:«و يجب العبور عن الكل حتى يصل السالك إلى اللّه.
و حيث أنّ هذه العوالم و الحجب و الأستار من حيث الجزئيات غير متناهية أشار الى كلياتها بقوله: فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهٰا سَبْعُونَ ذِرٰاعاً فَاسْلُكُوهُ و الخبر أشار إلى بعض جزئياتها في قوله:«انّ للّه سبعين ألف حجاب من نور و ظلمة»-الحديث، ليقوم السالك برفع الحجب و السلاسل و إزالة الموانع و العوارض حتى يصل الى قرب الحضرة و مقام الأحدية الجمعية».
ثمّ قال:«و أمّا العبارة الثانية المخصوصة بالأنفس فهي أن تعرف أنّ للإنسان حجبا و موانع موسومة ب‍«السلاسل»و«الأغلال»مانعة عن الوصول الى حضرة العزّة الموصوفة بالعظمة و الجلال.و تلك الحجب و الموانع ليست الاّ تعلّقاتها الصورية و المعنوية،أمّا الصورية فقد عرفتها عند تطبيق المراتب السبعة القرآنية بالطبقات السبع الآفاقية و ضرب الكواكب السبعة في البروج العشرة و إخراج الحجب السبعين من بينهما بحسب الكلي و تقسيمها الى سبعين ألف بحسب الجزئي، و أمّا المعنوية فقيل:انّها أخلاقه و صفاته لأنّ كلّ واحد منها بمثابة حجاب من الحجب المعلومة:أمّا إجمالا فمن حيث أنّه نسخة جامعة لكلّ ما في الآفاق صورة و معنى،فيكون هذه الحجب و الأستار المشتملة على العوالم كلّها مندرجة فيه
مسدولة على وجهه،و يكون مغلولا بها مسلسلا بآثارها،و أمّا تفصيلا فالأخلاق الذميمة و الحميدة المركوزة في جبلّته و الأوصاف الحسنة و القبيحة اللازمة لطبيعته من العلم و الجهل و الغضب و الشهوة و العفة و الشجاعة و الجبن و العدل و الظلم و البخل و الكرم فانّها يزيد على السبعين و السبعين ألف،و على هذا يكون العلم من الحجب النورية،و الجهل من الحجب الظلمانية،و كذلك الحلم و الغضب و كل من المتقابلين من الصفات،و من حيث الأوصاف و الأخلاق التي في الإنسان بحسب القوى المركوزة في طبعه -و الإنسان نسخة جامعة للإنسان الكبير صورة و معنى- جعل الشيخ في فصوصه أصناف الملائكة التي في العالم بمثابة الملائكة في القوى التي في الإنسان.و الغرض من ذلك أنّه إذا كانت القوى في الإنسان بمثابة الإنسان الكبير فكيف يمكن معرفة قلّة قوى الإنسان و كثرتها،فانّ الملائكة غير قابلة للحصر و العدّ،لقوله تعالى: وَ مٰا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّٰ هُوَ و غاية ما في الباب أن يعرف أنّ هناك ملائكة سماوية و ملائكة أرضية،و أنّ هناك قوة روحانية و قوة جسمانية،و أنّها حجب و موانع من المطلوب الحقيقي في الصورتين،و يسمّى اللطيف منها ب‍«النورانية»و الكثيف منها ب‍«الظلمانية»،و الاّ حصرها و عدّها بحسب الجزئي غير ممكن لأنّه خارج عن وسع الإنسان سيّما و قد شهد الحق تعالى بأنّه لا يعلمها غيره،و ليس أيضا شرطا في كماله و معرفته كما هو مقرر عند أهله. و حجب الإنسان لو لم يكن معه و لو لم يكن بمانع من الوصول الى الحق لم يكن يقول اللّه في حقّه: فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهٰا سَبْعُونَ ذِرٰاعاً فَاسْلُكُوهُ فانّه إشارة الى حجبه المذكورة و تعلقاته المعلومة،و كماله و معرفته و وصوله الى المطلوب لو لم يكن
موقوفا على عبوره من هذه الحجب و وصوله الى معرفة النفس لم يكن يقول اللّه تعالى: وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلاٰ تُبْصِرُونَ و لم يكن يقول: اِقْرَأْ كِتٰابَكَ كَفىٰ بِنَفْسِكَ اَلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً و لم يكن يقول: سَنُرِيهِمْ آيٰاتِنٰا فِي اَلْآفٰاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ اَلْحَقُّ .
و بالجملة،الحجب على قسمين:آفاقي و أنفسي،و كل واحد منهما منحصر في السبعين و السبعين ألف مطابقا للقرآن و الخبر،لكن من حيث الكلي المضاف الى بعض الجزئي لا مطلقا و قد تقرّر البحث في ذلك و تحقق على ما ينبغي و اللّه أعلم و أحكم»-انتهى كلام بعض الفضلاء.
أقول:هذه الأقوال التي وصل إلينا في تحقيق الحجب.و ما سنح لي بعون اللّه و فضله و اقتبست من مشكاة أنوار أئمّتنا عليهم السلام و أخبارهم هو ما أذكر على محاذاة الخبر الذي نحن بصدد شرحه و من اللّه العون:
قوله عليه السّلام:«أول الحجب سبعة»صريح في أنّ الحجب أنواع،فالمعنى انّ النوع الأول من الحجب سبعة حجاب،فاعلم أنّ الحجاب انّما هو بالنسبة الى سير السالك الى اللّه و الاّ فاللّه سبحانه لا يحجبه شيء.و الوجه في كون ذلك حجابا للخلق أنّ النفوس البشرية لمّا كان من عالم الأمر الذي فوق السماوات و المحيط‍ بها و كانت مأمورة بإذن اللّه بالهبوط‍ الى أرض البدن فبالاضطرار يلزمها المرور على طبقات السماوات و الأرضين كما قال سبحانه: خَلَقَ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ وَ مِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ اَلْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ الى أن وصل الى أسفل سافلين كما قال تعالى: لَقَدْ
خَلَقْنَا اَلْإِنْسٰانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ إشارة الى وجوده في العالم العلوي ثُمَّ رَدَدْنٰاهُ أَسْفَلَ سٰافِلِينَ فوجب على السالك الى اللّه في الرجوع إليه سبحانه من الرجوع القهقرى فلا بدّ من خرق تلك الحجب و خلع هذه الغواشي ليصل الى العالم العلوي الذي كان مقامه الأصلي الذي فوق السماء فعلى ما ذكرنا يكون أول الحجب بمعنى المبدأ لها الذي يتشعّب منه و من أحكامه و آثاره سائر الحجب التي بعده،و ذلك كلّه في العالم الآفاقي و بإزاء كل مرتبة من حجب أنفسية يناسب كل واحدة ما بإزائها بحيث يستلزم رفع ما في الأنفس رفع ما بحذائه من الآفاق؛و لهذا سرّ عظيم لا ينبغي كشفه.
فأوّل الحجب الآفاقية بالمعنى الذي قلنا هي السماوات السبع لقوله تعالى: وَ لَقَدْ خَلَقْنٰا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرٰائِقَ وَ مٰا كُنّٰا عَنِ اَلْخَلْقِ غٰافِلِينَ و لقولهم الشائع بينهم:«و الذي احتجب بالسبع»و انّما نهى مولانا علي عليه السّلام عن ذلك القول كما ورد في الخبر ،لأنّ اللّه لا يحجبه شيء و لا يحتجب بشيء و انّما الحجاب على الخلق فمعنى ما ورد:«انّ للّه سبعين حجابا»ليس أنّ ذلك مما احتجب هو به بل بمعنى أنّ في طريق السلوك الى اللّه هذه الحجب،و انّما نسب الى اللّه لأنّ الكل منه و له،فاعرف!
ثمّ انّ بإزاء هذه الحجب السبع الآفاقية سبعة حجاب أنفسية لقوله سبحانه: خَلَقَ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ وَ مِنَ اَلْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ كلّما رفع السالك الى اللّه واحدا منها فكأنّه خرق سماء و ولج فيها و عرج إليها،كما قال المسيح:«لن يلج ملكوت السماوات من لم يولد مرتين»فالتولد الأول ظاهر،و الثاني هو الخروج عن هذه
الحجب:فأوّله الحسّ،و الثاني الطبع و العادة،و الثالث الخيال و الرؤية،و الرابع العقل،و الخامس رؤية العمل و العلم و الأخلاق و الكمالات شيئا،و السادس رؤية العالم و ما سوى اللّه شيئا،و السابع رؤية نفسه شيئا،فقد ورد في الخبر انّ محمّدا الحجاب إشارة الى الحجاب الأخير لكونه صلّى اللّه عليه و آله رفع سائر الحجب و أحكامه عن نفسه،و لذا عرج الى فوق سبع سماوات.
ثمّ اعلم أنّ بحذاء هذه الحجب الآفاقي و الأنفسي أربعة عشر حجب إلهية كما ورد في الخبر و قد نقلناه سابقا من أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كان سيره في تلك الحجب قبل أن يخلق اللّه العالم في كل واحد بعدد مرتبته،ففي الحجاب الذي هو مرتبة مولانا علي عليه السّلام اثنى عشر ألف سنة و هكذا سائر الأئمة الى آخر الأئمة ألف سنة و أشرنا الى لمعة من هذا السرّ فتبصّر!
ثمّ انّه عليه السّلام صرّح بأنّ غلظ‍ كل حجاب من هذه السبعة خمسمائة عام، أمّا الخمسة فلاشتمال كل سماء على عقل و نفس و صورة و هيولى و جسمية،و أمّا المائة فبيان لمرتبة الملكوت كما أنّ الألف لعالم اللاهوت.و لمّا كان وقوع هؤلاء الخمسة في سلسلة الطول و هذه الحجب دوائر كان«الغلظ‍»بمنزلة الطول فلذا ذكر عليه السّلام هاهنا الغلظ‍ فحسب بخلاف المرتبة اللاّحقة كما سيجيء.بالجملة،فمن ضرب السبعة الأصول في الخمسة صار الحاصل خمسا و ثلاثين و لمّا كان لكل ظاهر باطنا و لكل شهادة غيبا كما في الخبر النبوي:«و لكلّ مثل مثال» صار المجموع سبعون و هو عدد الحجاب الثاني.
ثمّ انّه لمّا كان الحجاب الثاني نتيجة السبعة و الخمسة ،و ظاهر أنّ الحاصل من تأثير هذه العلل الخمسة في القوابل حقائق كليات كثيرة و لا ريب أنّ بعض هذه
في السلسلة الطولية و بعضها من السلسلة العرضية ذكر عليه السّلام للحجاب الثاني أنّ ما بين كل حجاب خمسمائة و طوله خمسمائة إشارة الى السلسلتين بخلاف الأوّل،و من المستبين أنّ عددهما عشرة لما عرفت من أنّ المائة بيان للمرتبة،فمن ضرب العشرة في السبعين الذي حصل أوّلا،حصل سبعمائة و هي الحجاب الثالث و هي عبارة عن الآثار الكلية الحاصلة منها في عالم الكون.
ثمّ انّ لهذه المبادئ و الحقائق تأثيرات في العالم،و لكل طبيعة من تلك الآثار ملائكة موكّلة على تربية ذلك النوع على ما فصّل في محلّه،فمن ضرب هذه العشرة في السبعمائة المذكورة يحصل سبعون ألفا و هو الحجاب الرابع المروي في الخبر المشهور لكنّه عليه السّلام أجمل في هذا الخبر لما أفاد من الضابط‍ الذي استخرجنا من كلامه عليه السّلام.
و اعلم أنّه وقع في نسخ التوحيد التي رأينا هكذا:«الحجاب الثالث سبعون حجابا»-الى آخره،و لعلّه تصحيف من الكتّاب.
المتن: حجبة كل حجاب منها سبعون ألف ملك قوّة كل منهم قوّة ملك الثقلين،منها ظلمة و منها نور و منها نار و منها دخان و منها سحاب و منها برق و منها مطر و منها رعد و منها رمل و منها عجاج و منها ماء و منها أنهار و هي حجب مختلفة غلظ‍ كل حجاب مسيرة سبعين ألف عام.
الشرح: «الحجبة»بالتحريك جمع«حاجب»و هو الموكل على الحجاب،و ضمير «منها»في قوله:«كل حجاب منها»يرجع الى«سبعين»و«قوة الثقلين»منصوب بنزع الخافض أي كقوة الثقلين،و الضمير المجرور في جميع قوله:«منها»يرجع إمّا الى«الحجبة»فيكون«من»ابتدائية أي يحصل من تلك الحجبة هذه الآثار و إمّا الى«الحجب»المذكورة في أوّل الكلام فيكون للتبعيض،و يؤيّد ذلك قوله بعد ذكر تلك الآثار:«و هي حجب مختلفة»فتدبّر و ستسمع تحقيق ذلك كلّه.
ثم انّك عرفت أنّ لتلك المبادي و هذه الحقائق آثارا في العالم و ذلك بواسطة مدبّر متوجّه الى تدبير ذلك الأثر،و أنّ من ضرب هذه العشرة المبادئ في تلك الحقائق السبعمائة يحصل سبعون ألفا و هذا هو المراد بقوله عليه السّلام:«حجبة كل حجاب»و قوله:«منها نور»فالأول إشارة الى المدبّرين و الثاني الى الآثار.و أمّا أنّ قوة كل من هؤلاء المدبّرات قوة الثقلين فلأنّ كل واحد منهم مبدأ الأثر من تلك الآثار التي لها دخل في تكوّنهما و تعيّشهما و صلاح أمرهما.و أمّا أنّ غلظ‍ كل حجاب مسيرة سبعين ألف عام فلمحاذاة الحجبة المدبّرات لأمرها لكون كل من الملائكة المدبّرة له دخل و تأثير في تلك الآثار المعبّر عنها ب‍«الحجب»و كأنّا قد أطنبنا الكلام في هذا المقام و إن كان ما ذكرنا عزيز المرام و لا يصل إليه أيدي أكثر خواصّ الأنام فضلا عن العوام و اللّه المفضل المنعام.
المتن: ثمّ سرادقات الجلال و هي سبعون سرادقا في كل سرادق سبعون ألف ملك بين كل سرادق و سرادق مسيرة خمسمائة عام ثمّ سرادق العزّة ثم سرادق الكبرياء ثم سرادق العظمة ثم سرادق القدس ثم سرادق الجبروت ثم سرادق الفخر ثم سرادق النور الأبيض ثم سرادق الوحدانية و هو مسيرة سبعين ألف عام في سبعين ألف عام،ثم الحجاب الأعلى.و انقضى كلامه عليه السّلام و سكت فقال له عمر:لا بقيت ليوم لا أراك فيه يا أبا الحسن!
الشرح: «السرادق»معرّب«سراپرده»و يعبّر عن الصفات الدالّة على الكبرياء ب‍«السرادقات»لأنّها انّما يكون للكبرياء و أرباب العزّة و السلطنة،و هي باعتبار آخر حجب للذات كما قيل:«حجب الذات بالصفات و حجب الصفات بالأسماء و حجب الأسماء بالأفعال و حجب الأفعال بالكون»و كما ورد في الأخبار الكثيرة
منها ما ذكر مسندا عن الشيخ البكري استاد الشهيد الثاني في سير النبي صلّى اللّه عليه و آله من اللّه الى الخلق حيث كان متنزّلا في اثنى عشر حجابا و قد سبق مع ما يليق بشرحه:
قال رحمه اللّه:«روي عن أمير المؤمنين عليه السّلام انّه قال :كان اللّه و لا شيء معه،فأول ما خلق نور حبيبه محمد صلّى اللّه عليه و آله قبل خلق الماء و العرش و الكرسي و السماوات و الأرض و اللوح و القلم و الجنة و النار و الملائكة و آدم و حوّاء بأربعة و عشرين و أربعمائة ألف عام،فلمّا خلق اللّه نور نبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه و آله بقي ألف عام بين يدي اللّه تعالى واقفا يسبّحه و يمجّده،و الحق تبارك و تعالى ينظر إليه و يقول:عبدي أنت المراد و المريد،و أنت خيرتي من خلقي،و عزّتي و جلالي لولاك لما خلقت الأفلاك،من أحبك أحببته،و من أبغضك أبغضته،فتلألأ نوره و ارتفع شفاعته ،فخلق اللّه منه اثنى عشر حجابا أوّلها حجاب القدرة،ثمّ حجاب العظمة،ثمّ حجاب العزّة،ثمّ حجاب الهيبة،ثمّ حجاب الجبروت،ثمّ حجاب الرحمة،ثمّ حجاب النبوة،ثمّ حجاب الكرامة،ثمّ حجاب المنزلة،ثمّ حجاب الرفعة،ثم حجاب السعادة،ثمّ حجاب الشفاعة،ثمّ انّ اللّه أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن يدخل في حجاب القدرة،و بقي على ذلك اثنى عشر ألف عام»-الخبر بتمامه،و قد نقلناه سابقا من كتاب الخصال بأدنى تفاوت.
و بالجملة،فسرادقات الجلال في مرتبة الأسماء و الصفات على محاذاة الحجب
السبعين في مرتبة الحقائق التي سبق ذكرها أو السبعون ألف ملك بحذاء الآثار التي ذكرنا في الحجبة و في الحجب،و ذلك لأنّ«لكلّ مثل مثالا»و لكلّ شهادة غيبا و لكل ملكوت جبروتا.و لعلّ«النور الأبيض»عبارة عن حضرة الألوهية.
و«سرادق الوحدانية»هي مرتبة الألوهية الجامعة لجميع الأسماء و الصفات.
و الفرق بين الحضرة و المرتبة كالفرق بين الاسم و الصفة؛فتعرّف!و التعبير ب‍«النور» لكون الحضرة مع اعتبار الوجود بخلاف المرتبة.و قد عرفت سرّ سبعين ألف عام و ذلك لأنّ المراتب كلما تصاعدت فلا يعزب عن المرتبة العالية مثقال ذرة في تكوّن المرتبة السافلة،و ليس في المرتبة النازلة ذرّة الاّ و روحها و حقيقتها في المرتبة الصاعدة.
و أمّا«الحجاب الأعلى»فهو عبارة عن المقام المحمدي الخاص لسيّد المرسلين صلّى اللّه عليه و آله و على جميع النبيين و هو المقام المتوسط‍ بين الواحدية الإلهية و الأحدية الذاتية التي استأثر اللّه تعالى به،و ليس لأحد من هذا المقام الأحمدي مطمح،و لا لنظر فيه مسرح،و ذلك فضل اللّه،و اللّه ذو الفضل العظيم.و الى ذلك أشير في الخبر من أنّ محمدا الحجاب ،أي الحجاب الأعلى الذي ليس فوقه حجاب و لذلك لمّا وصل مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام الى ذكر المقام الذي هو مرتبة نفسه أيضا سكت و انقضى كلامه لعدم الرخصة في إفشائه هناك أو لعدم مصلحة سماع الحاضرين ذاك.
و اعلم أنّ السرادقات كثيرة و انّما ذكر تسعة للتمثيل،و في دعاء يوشع بن نون لردّ الشمس عليه ذكر خمسة:سرادق الحمد،و سرادق المجد،و سرادق السلطان،
و سرادق السرائر.و في دعاء مولانا السجاد عليه السّلام عند الحجر الأسود في محاكمة عمّه محمد بن الحنفية سبعة:سرادق المجد،و سرادق البهاء،و سرادق العظمة،و سرادق الجلال،و سرادق العزّ،و سرادق القدرة،و سرادق السرائر السابق الفائق الحسن النضير .و لعلّ سرادق السرائر في الخبرين الأخيرين هو الذي عبّر عنه في خبر مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام ب‍«النور الأبيض»و ذلك لأنّ حضرة الألوهية هي غيب جميع الحقائق و سريرتها،فهو النور الأبيض، لاستنارة جميع الأسماء و الحقائق و المكنونات و الكائنات بنوره،و هو السابق على كافة الأسماء و الصفات و آثارها و هو الفائق الغالب المحيط‍ بجميعها فهو الحسن في أكمل الحسن و البهاء،لأنّ كل حسن و بهاء و جمال و كمال فانّما هو من تلك الحضرة و هو في كمال البهجة و النظارة و الصفاء و النورية.و للّه الفضل مبدأ و معيدا.

divider