شناسه حدیث :  ۳۱۰۲۶۸

  |  

نشانی :  التوحيد  ,  جلد۱  ,  صفحه۱۱۷  

عنوان باب :   8 باب ما جاء في الرؤية

معصوم :   امام رضا (علیه السلام) ، پيامبر اکرم (صلی الله علیه و آله)

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زِيَادِ بْنِ جَعْفَرٍ اَلْهَمَدَانِيُّ رَحِمَهُ اَللَّهُ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ عَبْدِ اَلسَّلاَمِ بْنِ صَالِحٍ اَلْهَرَوِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ مُوسَى اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَا اِبْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي اَلْحَدِيثِ اَلَّذِي يَرْوِيهِ أَهْلُ اَلْحَدِيثِ أَنَّ اَلْمُؤْمِنِينَ يَزُورُونَ رَبَّهُمْ مِنْ مَنَازِلِهِمْ فِي اَلْجَنَّةِ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَا أَبَا اَلصَّلْتِ إِنَّ اَللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَضَّلَ نَبِيَّهُ مُحَمَّداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ مِنَ اَلنَّبِيِّينَ وَ اَلْمَلاَئِكَةِ وَ جَعَلَ طَاعَتَهُ طَاعَتَهُ وَ مُتَابَعَتَهُ مُتَابَعَتَهُ وَ زِيَارَتَهُ فِي اَلدُّنْيَا وَ اَلْآخِرَةِ زِيَارَتَهُ فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَّ مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطٰاعَ اَللّٰهَ وَ قَالَ إِنَّ اَلَّذِينَ يُبٰايِعُونَكَ إِنَّمٰا يُبٰايِعُونَ اَللّٰهَ يَدُ اَللّٰهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ وَ قَالَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ مَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدَ مَوْتِي فَقَدْ زَارَ اَللَّهَ دَرَجَةُ اَلنَّبِيِّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فِي اَلْجَنَّةِ أَرْفَعُ اَلدَّرَجَاتِ فَمَنْ زَارَهُ إِلَى دَرَجَتِهِ فِي اَلْجَنَّةِ مِنْ مَنْزِلِهِ فَقَدْ زَارَ اَللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى قَالَ فَقُلْتُ لَهُ يَا اِبْنَ رَسُولِ اَللَّهِ فَمَا مَعْنَى اَلْخَبَرِ اَلَّذِي رَوَوْهُ أَنَّ ثَوَابَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ اَلنَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اَللَّهِ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَا أَبَا اَلصَّلْتِ مَنْ وَصَفَ اَللَّهَ بِوَجْهٍ كَالْوُجُوهِ فَقَدْ كَفَرَ وَ لَكِنْ وَجْهُ اَللَّهِ أَنْبِيَاؤُهُ وَ رُسُلُهُ وَ حُجَجُهُ صَلَوَاتُ اَللَّهِ عَلَيْهِم هُمُ اَلَّذِينَ بِهِمْ يُتَوَجَّهُ إِلَى اَللَّهِ وَ إِلَى دِينِهِ وَ مَعْرِفَتِهِ وَ قَالَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ كُلُّ مَنْ عَلَيْهٰا فٰانٍ. `وَ يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ كُلُّ شَيْءٍ هٰالِكٌ إِلاّٰ وَجْهَهُ فَالنَّظَرُ إِلَى أَنْبِيَاءِ اَللَّهِ وَ رُسُلِهِ وَ حُجَجِهِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ فِي دَرَجَاتِهِمْ ثَوَابٌ عَظِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ قَدْ قَالَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ مَنْ أَبْغَضَ أَهْلَ بَيْتِي وَ عِتْرَتِي لَمْ يَرَنِي وَ لَمْ أَرَهُ وَ قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِنَّ فِيكُمْ مَنْ لاَ يَرَانِي بَعْدَ أَنْ يُفَارِقَنِي يَا أَبَا اَلصَّلْتِ إِنَّ اَللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لاَ يُوصَفُ بِمَكَانٍ وَ لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ وَ اَلْأَوْهَامُ فَقَالَ قُلْتُ لَهُ يَا اِبْنَ رَسُولِ اَللَّهِ فَأَخْبِرْنِي عَنِ اَلْجَنَّةِ وَ اَلنَّارِ أَ هُمَا اَلْيَوْمَ مَخْلُوقَتَانِ فَقَالَ نَعَمْ وَ إِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَدْ دَخَلَ اَلْجَنَّةَ وَ رَأَى اَلنَّارَ لَمَّا عُرِجَ بِهِ إِلَى اَلسَّمَاءِ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ قَوْماً يَقُولُونَ إِنَّهُمَا اَلْيَوْمَ مُقَدَّرَتَانِ غَيْرُ مَخْلُوقَتَيْنِ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَا أُولَئِكَ مِنَّا وَ لاَ نَحْنُ مِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ خَلْقَ اَلْجَنَّةِ وَ اَلنَّارِ فَقَدْ كَذَّبَ اَلنَّبِيَّ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ كَذَّبَنَا وَ لاَ مِنْ وَلاَيَتِنَا عَلَى شَيْءٍ وَ يُخَلَّدُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ قَالَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ - هٰذِهِ جَهَنَّمُ اَلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا اَلْمُجْرِمُونَ. `يَطُوفُونَ بَيْنَهٰا وَ بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ وَ قَالَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ لَمَّا عُرِجَ بِي إِلَى اَلسَّمَاءِ أَخَذَ بِيَدِي جَبْرَئِيلُ فَأَدْخَلَنِي اَلْجَنَّةَ فَنَاوَلَنِي مِنْ رُطَبِهَا فَأَكَلْتُهُ فَتَحَوَّلَ ذَلِكَ نُطْفَةً فِي صُلْبِي فَلَمَّا أُهْبِطْتُ إِلَى اَلْأَرْضِ وَاقَعْتُ خَدِيجَةَ فَحَمَلَتْ بِفَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ فَفَاطِمَةُ حَوْرَاءُ إِنْسِيَّةٌ وَ كُلَّمَا اِشْتَقْتُ إِلَى رَائِحَةِ اَلْجَنَّةِ شَمِمْتُ رَائِحَةَ اِبْنَتِي فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ .
زبان شرح:

شرح توحید الصدوق / قاضی سعید قمی ; ج ۲  ص ۳۴۱

شرح: وجه التفضيل انّ الأنبياء-عليهم السّلام-مظاهر أسماء اللّه تعالى.و من البيّن انّ جميع الخلق و إن كان مظاهر أسمائه الحسنى و مجالي كمالاته العليا،لكنّ البسائط‍ من ذلك مظهر لواحد أو اثنين منها،و المركّبات على حسب تركيبها الى أن انتهى الأمر الى أشرف المركّبات و أجمعها حيطة و أشملها جمعيّة،كما تقرّر في محلّه، فانّه مظهر جميع الأسماء،و ذلك هو النشأة الإنسانية.و لمّا كانت تلك الأسماء و الصفات مع كثرتها من عالم الوحدة و الجمعية اقتضت من حيث وحدتها مظهرا جمعيّا و مجمعا جمليّا ؛و أيضا لمّا كان الأمر هناك دوريّا يجب أن ينتهي الى نقطة ابتدأ منها،فيجب أن يوجد هناك هذا المظهر الجامع و هو«صاحب لواء الحمد» و«المقام المحمود»و الى ذلك أشار الإمام-عليه السّلام-بقوله:«و درجة النبيّ -صلّى اللّه عليه و آله-في الجنّة أرفع الدرجات»و ليعلم انّ جميع الأفراد بمقتضى العناية الأزليّة و إن كان مظهرا لكافّة الأسماء لكنّ أكثرها بحسب خصوصيات الموادّ و الامور العارضة من خارج و المكتسبة من النشأ في البلاد و مساقط‍ الرءوس للعباد،و مواطن الاستيلاد،و مرتبة الآباء و الأجداد،و تعليم المعلّم و الاستاد،يغلب آثار بعض الأسماء على البعض،فيكون الحكم له،و ينسب هذا
الموجود إليه،بخلاف هذا المظهر الجامع فانّها فيه على حدّ الاستواء و نقطة الاعتدال،فلذلك اختصّ بهذا الفضل،و انفرد بشرف الاصطفاء على جميع الخلق، فتكون إطاعته إطاعة اللّه،و مبايعته مبايعة اللّه،و زيارته زيارة اللّه.و هذا الحكم قد يسري في سائر الأنبياء و الأولياء،و ذلك لغلبة التوحيد على نفوسهم حتّى كأنّهم يفنون عن أنفسهم و يبقون باللّه،و هذا باعتبار سيرهم الى اللّه و تخلّقهم بأخلاقه، و تحقّقهم بكمالاته،و قربهم من هذا النور الجامع،حيث صحّحوا النسبة إليه، فصاروا من شرائف أعضاء هذا الهيكل النوري،و من كرائم أجزائه،ففازوا بهذا الحكم و أمثاله،لكن هذا الشأن للنبيّ-صلّى اللّه عليه و آله-بالاعتبارين: أحدهما،باعتبار الخلقة و الجبلة و ذلك هو الفضل العظيم و ثانيهما،باعتبار التخلق كما يومي إليه قوله: وَ إِنَّكَ لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ و قال اللّه عزّ من قائل: تِلْكَ اَلرُّسُلُ فَضَّلْنٰا بَعْضَهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ الآية.
قال بعض أهل المعرفة :اعلم انّ اللّه لمّا خلق الخلق خلقهم أصنافا،و جعل في كلّ صنف خيارا،و اختار من الخيار خواصّ و هم المؤمنون،و اختار من المؤمنين خواصّ و هم الأولياء،و اختار من هؤلاء الخواصّ خلاصة و هم الأنبياء،و اختار من الخلاص نقاوة و هم أنبياء الشرائع المقصورة عليهم،و اختار من النقاوة شرذمة قليلة هم صفاء النقاوة المروقة و هم الرسل،و اصطفى واحدا من خلقه هو منهم و ليس منهم و هو المهيمن على جميع الخلائق،جعله عهدا أقام عليه قبة الوجود، و جعله أعلى المظاهر و أسناها،و صحّ له المقام تعيينا و تعريفا،فعلّمه قبل وجود طينة البشر،و هو محمّد رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله-لا يكاثر و لا يقاوم،و هو السيد و من سواه سوقه،قال عن نفسه:«أنا سيّد الناس و لا فخر»بالراء و الزاي
روايتان؛أي أقولها غير متبجّج بباطل،أو أقولها و لا أقصد الافتخار على من بقي من العالم،فانّي و إن كنت أعلى المظاهر الإنسانية،فانّي أشدّ الخلق تحقّقا بعيني، فليس الرجل من تحقّق بربّه و انّما الرّجل من تحقّق بعينه لما علم انّ اللّه أوجده له، لا لنفسه،و ما فاز بهذه الدرجة ذوقا الاّ محمّد-صلّى اللّه عليه و آله-،و كشفا الاّ الرسل و راسخو علماء هذه الامّة المحمّديّة،و من سواهم فلا قدم لهم في هذا الأمر» -انتهى.
ثمّ انّ الفاء في قوله-عليه السّلام-:«فقال»للتفسير و البيان حيث ذكر انّ إطاعة الرسول إطاعة اللّه و مبايعته و زيارته زيارته،فبيّن الأوّلين من القرآن و ذكر الآيتين و بيّن الثالث بالخبر المستفيض.و قوله-عليه السّلام-:«فمن زاره»لبيان معنى الخبر المسئول عنه،و هو كالنتيجة للمقدّمات التي ذكرها-عليه السّلام- و قوله -عليه السّلام-:«الى درجته من منزله في الجنّة»معناه:من زاره و هو أي الزائر في منزله الذي له في الجنة متوجها الى درجة النبيّ-صلّى اللّه عليه و آله-إذ درجته-عليه و آله السّلام-أعلى الدرجات،و لا يمكن لكلّ واحد من المؤمنين أن يصل الى درجته و يصعد إليها،فلا بدّ أن يزوره بالتوجّه من منزله الى درجته و يستقبل بوجهه إليه،و على هذا فالظرف«مستقرّ»على تقدير التوجّه و أمثاله. و الذي خطر ببالي انّ الظرف«لغو»متعلّق بالزيارة و كلمة«من»للابتداء و«إلى» للانتهاء.و قد اقترّ في مقرّه انّ الفعل المتعلّق به«من»و«إلى»يجب أن يتكرّر وقوعه بالقياس الى معموله،كما قالوا في إبطال تعلّقهما بالغسل في آية الوضوء ؛
فعلى هذا يجب أن يتكرّر الزيارة من منزل الزائر الى درجة المزور.و لا يتحقّق هذا إلاّ بأن يكون جميع درجات الجنّة من أدنى أدانيها الى أقصى أقاصيها مراتب كمالات النبيّ -صلّى اللّه عليه و آله-و أجزاء نوره المنبسط‍ على من يصحّح النسبة إليه،حتى يكون النظر الى كل مرتبة من مراتب الجنّة عبارة عن زيارته-صلّى اللّه عليه و آله-و تفصيل هذا الإجمال انّ زيارة رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله-من منزل الزائر هي أن يعرف ما منزلته من النبيّ،و أين موقعه تحت لوائه-لواء الحمد-و أين منزله من مقامه المحمود؛و بعبارة أخرى:أن يتخلّق ببعض خلقه العظيم حسب مرتبته و يتأدّب بشر ذمة من أدبه الكريم وسع درجته؛و بعبارة أوضح:أن يتحقّق بحقائق بعض الأنبياء الّذين هم درجات ظهوره و طبقات نوره بأن يكون باعتبار التخلّق ببعض الأخلاق المختصّ بذلك النبيّ وارثا مرتبته،شاربا مشربه،و الى هذا المعنى أشار أهل الحق بقولهم:«فلان كان على قلب موسى» و«فلان عيسوي المشرب»الى غير ذلك من العبارات؛و إليه الإيماء في الخبر المستفيض:«علماء أمّتي كأنبياء بني اسرائيل» و الخبر المشهور:«العلماء ورثة الأنبياء»و فذلكة هذه الأقوال،انّ زيارة واحد من الورثة من منزله رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله-هي أن يعلم حدّه منه،و يعرف جزئيّته من هذا الروح الكلّي، و يعيّن عضويّته من ذلك الهيكل النوري،و انّه من أيّ جزء منه،و أيّ عضو منه؟ أ من أجزائه الشريفة و أعضائه الرئيسة أو خلاف ذلك؟و لا ريب انّ هذه المعرفة يستدعي معرفة سائر أجزائه و أعضائه ليتعيّن هذا العضو من بين سائر الأعضاء و إن كان على سبيل الإجمال،و هذه هي معرفة الكلّ و ذلك معنى زيارته مبتدأة من
منزل الزائر منتهية الى درجته صلّى اللّه عليه و آله.
و ممّا يعجبني ذكره لتحقيق هذا المقام كلام بعض أهل المعرفة ،قال:«اعلم،انّ مرتبة الإنسان الكامل من العالم مرتبة النفس الناطقة من الإنسان،و هو الكامل الذي لا أكمل منه و هو محمّد-صلّى اللّه عليه و آله-و مرتبة الكمّل من الأناسي النازلين عن درجة هذا الكمال الذي هو الغاية من العالم منزلة القوى الروحانية من الإنسان،و هم الأنبياء-صلوات اللّه عليهم-،و منزلة من نزّل من الكمّل عن درجة هؤلاء من العالم منزلة القوى الحسية من الإنسان،و هم الورثة-رضي اللّه عنهم-و ما بقي ممّن هو على صورة الإنسان في الشّكل هو من جملة الحيوان،فهم بمنزلة الروح الحيواني في الإنسان الذي يعطى النمو و الإحساس».
و«اعلم،انّ العالم اليوم بفقد محمّد-صلّى اللّه عليه و آله-في ظهوره روحا و جسما و صورة و معنى نائم،لا ميّت،فانّ روحه الذي هو محمّد-صلّى اللّه عليه و آله-و هو من العالم في صورة المحلّ الذي هو فيه روح الإنسان عند اليوم الى اليوم البعث الذي هو مثل يقظة النائم منّا و انّما قلنا ذلك في محمّد-صلّى اللّه عليه و آله-على التعيين انّه الرّوح الذي هو النفس الناطقة من العالم،لما أعطاه الكشف و قوله-صلّى اللّه عليه و آله-:«سيّد الناس»و العالم من الناس،فانّه الإنسان الكبير في الجرم،و المقدّم في التسوية و التعديل،ليظهر صورة نشأة محمّد-صلّى اللّه عليه و آله-كما سوّى اللّه جسم الإنسان و عدّله قبل وجود روحه،ثم نفخ فيه من روحه روحا كان به إنسانا تامّا،أعطاه بذلك خلقه و نفسه الناطقة،فقبل ظهور نشأته-صلّى اللّه عليه و آله-كان العالم في حال التسوية و التعديل،كالجنين في بطن أمّه،و حركته بالرّوح الحيواني منه،الذي صحّت له به الحياة،فأجلّ ذكرك فيما ذكرته لك.فإذا كانت القيامة حيي العالم كلّه بظهور نشأته مكمّلة موفّر القوى،
و كان أهل النار الذين هم أهلها في مرتبتهم في إنسانية العالم مرتبة ما ينمو من الإنسان فلا يتّصف بالموت و لا بالحياة.و لذا ورد فيهم النّص من رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله-:انّهم لا يموتون فيها و لا يحيون.و الملائكة من العالم كالصور الظاهرة في خيال الإنسان؛و كذلك الجنّ فليس العالم إنسانا كبيرا إلاّ بوجود الإنسان الكامل الذي هو نفسه الناطقة،كما انّ نشأة الانسان لا يكون إنسانا الاّ بنفسها الناطقة و لا يكون كاملة هذه النفس الناطقة إلاّ بالصورة الإلهية المنصوص عليها من الرسول،فكذلك نفس العالم الذي هو محمّد-صلّى اللّه عليه و آله-حاز درجة الكمال بتمام الصورة الإلهية في البقاء و التنوع في الصور و بقاء العالم.فقد بان لك حال العالم قبل ظهوره-صلّى اللّه عليه و آله-انّه كان بمنزلة الجسد المسوّى و حال العالم بعد موته بمنزلة النائم،و حال العالم ببعثه يوم القيامة بمنزلة الانتباه و اليقظة بعد النوم».
[ثواب لا إله إلاّ اللّه النظر الى وجه اللّه] متن:قال:فقلت يا ابن رسول اللّه،فما معنى الخبر الذي رووه:انّ ثواب«لا إله إلاّ اللّه»النظر الى وجه اللّه؛فقال-عليه السّلام-يا أبا الصّلت،من وصف اللّه بوجه كالوجوه،فقد كفر،و لكن وجه اللّه أنبياؤه و رسله و حججه-صلوات اللّه عليهم-هم الذين بهم يتوجّه إلى اللّه و إلى دينه و معرفته و قال اللّه عزّ و جلّ: كُلُّ مَنْ عَلَيْهٰا فٰانٍ `وَ يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ و قال عزّ و جلّ: كُلُّ شَيْءٍ هٰالِكٌ إِلاّٰ وَجْهَهُ فالنظر إلى أنبياء اللّه و رسله و حججه-عليهم السّلام-في درجاتهم ثواب عظيم للمؤمنين يوم القيامة؛و قد قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله«من ابغض أهل بيتي و عترتي لم يرني،و لم أره يوم القيامة»، و قال عليه و آله السّلام:«انّ فيكم من لا يراني بعد أن يفارقني»،يا أبا الصّلت!انّ اللّه تبارك و تعالى لا يوصف بمكان و لا يدرك بالأبصار و الأوهام.
شرح: و بالحري أن نذكر سرّ الخبر النبوي،ثمّ نبيّن حقيقة تأويل الإمام-عليه السّلام-و انطباقه على السرّ بعون المفضل المنعام،فنقول في المقام الأوّل:
انّ القائل بالتهليل بحقيقته ينفي الأغيار و يثبت الواحد القهّار-و قد سبق بيان هذه الدلالة فيما زبر من الفوائد-فإذا لم يبق سواه فلا يقع نظره إلاّ الى اللّه و هذا هو معنى الثواب المترتّب على ذكر التهليل.
و أمّا المقام الثاني: فالكلام فيه انّك قد عرفت مرارا انّ للخلق جهتين:جهة الى ربّه منها وجوده و سائر كمالاته،وجهة الى ذاته منها هلاكه و فناؤه و فقره و سائر نقائضه.و لا ريب انّ الأنبياء-عليهم السّلام-قد رفضوا الجهة التي لهم الى أنفسهم و فنوا عن مراداتهم بل عن أنفسهم،فليست لهم إلاّ الجهة الّتي لهم الى اللّه، فهم بكلّهم يتوجّهون الى اللّه،فلم يبق لهم وجه إلاّ الى اللّه،فهم كأنّهم وجه اللّه. و أيضا لمّا كان للخلق هاتان الجهتان،و من البيّن انّ الجهة التي الى الرب ليس لكل أحد بالذات و بانفراد من نفسه،بل للبعض بواسطة بعض آخرهم معادن فضله، و مجالي نوره،و منابع فيضه،و هم الّذين بهم ينظر اللّه الى خلقه،و يقبل إليهم بوجهه، و يتوجّه بهم العباد الى ربّهم و الى المعارف التي يفيض بتوسّطهم،و الأحكام التي يأتون بها من عند ربّهم؛فاستحقّوا بذلك أن يعبّر عنهم بوجه الربّ.و أيضا من المستبين انّ الخلق مظاهر الأنوار الربوبيّة،و مجالي الحقائق الإلهيّة،و من الواضح انّ التعبير بمبادئ تلك الأنوار ب‍«الوجه»و بما بعد المبادئ من الثواني و الثوالث ب‍«سائر الأعضاء»من أحسن التعبيرات.و لما قيل:من انّ الأنبياء-عليهم السّلام-مظاهر للأسماء الجمالية بالذات بخلاف غيرهم،فإنّ بعضهم مظاهر للجلال الصرف و بعضهم من المختلف و بعضهم بالتبعية،و الجمال ممّا يناسب الوجه، و لمناسبات أخر،مثل ما ذكرنا في الوجه الأوّل،و غير ذلك يرفع الاستبعاد و يقلع
بنيان اللّداد و العناد.
إذا عرفت هذا،فقوله-عليه السّلام-:«لكن وجه اللّه أنبياؤه»الى قوله:«يوم القيامة»وجه واحد لتأويل الخبر بالأنبياء،و يكون الآيتان لبيان انّ غير الأنبياء هالكون إلاّ من اعتصم بحبلهم،و تمسّك بدينهم و يحتمل أن يكون قوله:«وجه اللّه أنبياؤه»الى قوله:«و معرفته»وجها واحدا،و الآيتان إشارة الى وجه آخر هو الذي ذكره في سرّ الخبر النبويّ،أو يكون كلّ واحد من هذه الثلاثة إشارة الى كلّ واحد من الثلاثة.
و لنرجع الى حلّ ألفاظ‍ الخبر:لمّا حمل الجمهور ذلك الخبر المشهور على «الوجه»المنظور،ردّ ذلك الإمام-عليه السّلام -بأنّه كفر،فانّ اللّه لا يوصف بوجه كالوجوه؛ثمّ بيّن المراد من ذلك بقوله:«و لكنّ وجه اللّه أنبياؤه»و استدلّ على ذلك بقوله:«هم الّذين بهم يتوجّه الى اللّه»فذكر الآيتين إمّا للتأييد،أو بالاستقلال كما قلنا.و قوله:«فالنظر»الى قوله:«يوم القيامة»نتيجة للاستدلال .و أمّا قوله: «و قد قال النبي صلّى اللّه عليه و آله»فهو دليل على كون النظر الى الأنبياء ثواب عظيم.بيانه:انّ رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله-أوعد المخالفين لأمره،الغاصبين لخلافة خليفته بأنّهم لا يرونه يوم القيامة،و ذلك وعيد عظيم لمن يعرفه.و قوله:«انّ اللّه لا يوصف بمكان»الى آخر الخبر تأكيد للردّ على من حمل«الوجه»على المعروف مع الإشارة الى امتناع ذلك و استلزامه أن يكون محدودا و في مكان،و أن يكون مدركا بالأبصار و الأوهام و ذلك واضح.
[كلام في انّ الجنّة و النّار اليوم مخلوقتان] متن:قال:فقلت يا ابن رسول اللّه فأخبرني عن الجنّة و النّار أ هما اليوم مخلوقتان؟فقال:«نعم،و انّ رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله-قد دخل الجنّة و رأى النّار لمّا عرج به الى السماء».قال:فقلت له:انّ قوما يقولون:انّهما اليوم مقدّرتان غير مخلوقتين.فقال-عليه السّلام-:«ما اولئك منّا،و لا نحن منهم.من أنكر خلق الجنّة و النّار فقد كذّب النبيّ-صلّى اللّه عليه و آله-و كذّبنا،و ليس من ولايتنا على شيء،و يخلد في نار جهنّم.قال اللّه عزّ و جلّ: هٰذِهِ جَهَنَّمُ اَلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا اَلْمُجْرِمُونَ `يَطُوفُونَ بَيْنَهٰا وَ بَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ».
شرح: قد سبق في المجلّد الأوّل تحقيق الجنّة و النّار،و هاهنا نقول:اختلفت الامّة في وجودهما الآن،فذهبت الأشاعرة و بعض المعتزلة الى انّهما مخلوقتان الآن،و هو الحقّ المؤيّد بالبرهان.و أكثر المعتزلة على انّهما مقدّرتان مخلوقتان يوم الجزاء.
أدلّة المثبتين وجوه: أحدها، ما أشار الإمام-عليه السّلام-بقوله:«و انّ رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله-قد دخل الجنة و رأى النار لمّا عرج به الى السماء»و بيانه ظاهر؛
و ثانيها، ما أشار إليه بقوله:«قال اللّه عزّ و جلّ: هٰذِهِ جَهَنَّمُ اَلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا اَلْمُجْرِمُونَ .و توجيهه انّ التكذيب بجهنّم يعمّ التكذيب بوجودها رأسا،أو بوجودها في وقت دون وقت،و لأنّ الآيتان باسم الإشارة في المبتدأ و بالفعل المضارع في وصف الخبر يشعر بوجودها حين الخطاب حالة النزول،لا انّه في
القيامة بخلاف الآية الأخرى،و هي: هٰذِهِ جَهَنَّمُ اَلَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ فانّها تدلّ على الثاني؛
و ثالثها، ما اشتهر بين القوم من نحو قوله تعالى في صفتهما: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ، أُعِدَّتْ لِلْكٰافِرِينَ ممّا أتى فيه بلفظ‍ الماضي و ذلك صريح في وجودهم؛
و رابعها، الأخبار الكثيرة المتظافرة الدّالّة على وجودهما ممّا لا يكاد يحصى.
و قد يستدلّ على وجودهما بقصّة آدم و حوّاء و إسكانهما الجنّة و إخراجهما عنها على ما نطق به الكتاب،و إذا كانت الجنة مخلوقة فكذا النار،إذ لا قائل بالفصل.
و ردّ بأنّ تلك انّما هي من جنّات الدّنيا،إذ الجنة الموعودة لا يمكن الخروج و لا الإخراج منها،لقوله تعالى: وَ مٰا هُمْ مِنْهٰا بِمُخْرَجِينَ .
و أمّا شبه المنكرين،فمن وجوه:
الأوّل، انّه لو وجدتا،فإمّا في عالم الأفلاك،أو العناصر،أو في عالم آخر، و الأقسام باطلة:أمّا الأوّل،فلأنّ الأفلاك لا يقبل الخرق و الالتيام فلا يخالطها
شيء من الكائنات الفاسدات؛و أمّا الثاني،فلأنّه قول بالتناسخ لأنّ النفوس تعلّقت حينئذ بأبدان موجودة في العناصر بعد أن فارقت أبدانا فيها،و أنتم لا تقولون به،و قد صار باطلا؛و أمّا الثالث،فلأنّ الفلك بسيط‍ و شكله كروي،و لو وجد عالم آخر لكان كريّا و يلزم الخلأ بينهما،و انّه محال.
الثاني، قول اللّه تعالى: أُكُلُهٰا دٰائِمٌ أي مأكولها،و قد قال تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هٰالِكٌ إِلاّٰ وَجْهَهُ أي كلّ موجود،إذ لا شيئية لما لا وجود له،فلو كانت الجنّة موجودة وجب هلاك اكلها،لاندراجها فيما حكم عليه بالهلاك فلم يكن دائما.
الثالث، قوله تعالى: عَرْضُهَا اَلسَّمٰاوٰاتُ وَ اَلْأَرْضُ و لا يتصوّر ذلك إلاّ بعد فناء السماوات و الأرض لامتناع تداخل الأجسام.
و اجيب عن الأوّل: بأنّا لا نسلّم امتناع الخرق على الأفلاك؛ثمّ لا نسلّم انّه في عالم العناصر قول بالتناسخ،و انّما يكون كذلك لو قلنا بإعادتها في أبدان اخر؛ثمّ لا نسلّم انّ وجود عالم آخر محال.و ما قيل :انّه لو وجد خارج هذا العالم عالم آخر لكان في جانب من المحدّد و كان المحدّد في جهة منه فتكون الجهة قد تحدّدت قبله، فمدفوع بأنّ الذي ثبت بالبرهان تحدّد جهتي العلو و السّفل بالمحدّد،و أمّا تحدّد جميع الجهات به فلا،فلم لا يجوز أن يكون هاهنا جهات غير هاتين تتحدد هي بغيره. و كذا ما قيل:لو وجد عالم آخر لكان بينهما خلأ سواء كانا كرتين أم لا،لأنّ ملاقات الكرتين لا تكون إلاّ بنقطة و كذا ملاقاة غيرها معها لا تكون إلاّ مع الفرجة،مدفوع لجواز أن يكونا-أي هذان العالمان-تدويرين في ثخن كرة،و لا
استبعاد في ذلك،لأنّهم يصرّحون بأنّ تدوير المريخ أعظم من مثل الشمس،بما فيها من الأفلاك و العناصر؛كذا ما قيل:من انّه لو وجد عالم آخر لكان فيه عناصر لها أحياز طبيعية فيكون لعنصر واحد حيّزان طبيعيّان،مدفوع بمنع تساوي عناصرهما و كائناتهما صورة،هب،لكن لا نسلّم تماثلهما حقيقة،لجواز الاختلاف في الهيولى الداخلة في حقيقتهما.
و عن الثانيّ: انّ اكلها دائم بدلا،أي كلّما فنى منه شيء جيء ببدله،فانّ دوام اكل شيء بعينه غير متصوّر،لأنّه إذا اكل فقد فنى،و ذلك لا ينافي هلاكها.و نقول: المراد بهلاك كلّ شيء انّه هالك في حدّ ذاته،أو نقول:انّهما يعدمان في آن بتفريق الصّور أو الأجزاء،ثمّ يعادان بجميعها فتكونان دائمتين ذاتا هالكين صورة في آن.
و عن الثالث، انّ المراد عرضها كعرض السماء و الأرض للتصريح بالكاف في آية أخرى،و لامتناع أن يكون عرضها بعينه عرضها لاستحالة قيام عرض بمحلّين أو انتقاله.هذه هي الكلمات الدائرة في ألسنة القوم،و أنت ممّن قد اطّلعت على جليّة الحال فيما مضى من الأقوال و ستزداد معرفة فيما يأتيك في الاستقبال.
متن:قال رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله-:لمّا عرج بي الى السماء أخذ بيدي جبرئيل-عليه السّلام-فأدخلني الجنّة،فناولني من رطبها،فأكلته،فتحوّل ذلك نطفة في صلبي فلمّا هبطت الى الأرض واقعت خديجة،فحملت بفاطمة،و فاطمة حوراء إنسيّة،فكلّما اشتقت رائحة الجنّة شممت رائحة ابنتي فاطمة.
شرح: و لنتكلّم هاهنا في مناهج:
المنهج الأوّل[في انّ الجنّة اليوم موجودة] هذا الخبر النبوي صريح في وجود الجنة،و المنازع مكابر لمقتضى ضرورة الشريعة،و المؤوّل يسلك في ظلمات الجهالة.
المنهج الثاني[في تحقيق محلّ الجنّة و النار] ذهب أكثر المحقّقين من العرفاء و أهل اللّه الى انّ الجنّة هو ما بين العرش و الكرسيّ،و انّ سقف الجنّة هو العرش ،كما ورد في لخبر النبوي حيث قال-صلّى اللّه عليه و آله-:«سقف الجنة عرش الرحمن» ،و انّ أرضها محدّب الكرسيّ و فيه مقام«رضوان»خازن الجنان،و انّ مقعر الكرسيّ سقف جهنّم و فيه مقام«مالك» خازن النخار و ينتهي حدّها الى أسفل سافلين إلاّ مواضع مخصوصة استثناها الشارع،كما بين القبر و المنبر ،و كوادي السّلام ،و غير ذلك من الأماكن و الأنهار.و لنفصل القول في تحقيق هذا المذهب،و كيفية خلق الجنة و النار،قالوا: ظهر العرش الذي هو مظهر الوجود الحق و نظير«القلم الأعلى»و صورة الاسم «المحيط‍»و مستقرّ الاسم«الرحمن»و كامل مظهر اسم«المدبّر»،ثمّ الكرسي الذي هو مظهر الوجودات المتعيّنة من حيث ما هي متعيّنة و نظير«اللّوح المحفوظ‍»و مستقرّ الاسم «الرحيم»و كامل مظهر للاسم«المفصّل»،و ذلك لأنّه لمّا تعيّنت مراتب
الأسماء في الحضرة الجامعة توجّهت لإظهار مظاهرها و ما به يتمّ كما لها أعقب ذلك صورة الوجود العالم ب‍«الرحمن»فظهر مثاله و مستواه الذي هو العرش المحيط‍ و أوّل الصورة الظاهرة مناسبا للمستوى عليه في الإحاطة و عدم التحيّز،ثمّ ميزت القبضتان بحكم النسبتين المعبّر عنهما بالرحمة و الغضب من أجل ما انسحب عليه حكم الرحمة بحسب سرعة إجابة بعض الحقائق لهذا الأمر و قبوله على وجه لا يشين جماله و بحسب إبطاء بعضها عن هذه الإجابة و سوء قبولها أحكاما لا يرتضيها جلاله،فظهر سرّ التفصيل الغيبي في مقام الكرسيّ و بالجملة،أوّل صورة قبلها الهباء الّذي هو الهيولى الأولى عند بعض صورة الجسم المطلق و هي الطول و العرض و العمق،فطوله من العقل و عرضه من النفس و عمقه من المحيط‍ الى المركز، و هو الجسم الكل.و أوّل شكل قبله الشكل الكريّ،فسمّاه اللّه«العرش»و استوى عليه بالاسم الرحمن الاستواء الذي يليق به من غير تشبيه.و هو أوّل عالم التركيب و عمّر هذا الفلك بالملائكة الحافّين و هم الراهبات .و هناك مقام إسرافيل و هم فم القرن،و من هنا سمع الرسول-صلّى اللّه عليه و آله-صرير الأقلام،و فيه ترك الرفرف،و غلب عليه حال الفناء،و تجرّد عن عالم التركيب و نودي بصوت عليّ بن أبي طالب-عليه السّلام-:«قف!انّ ربّك يصلّي»ثمّ تلى عليه:هو الذي يصلّي عليك و ملائكته؛و هو أحد الحجب الثلاثة يبقى بين أهل الجنة و بين الحق إذا جمعوا للرؤية،و الفلكان بعده؛ثمّ أدار الفلك الآخر و سمّاها الكرسي و هو في جوّ العرش كحلقة ملقاة في فلاة قيّ،و عمّره بالملائكة المدبّرات،و أسكنه ميكائيل، و تدلّت القدمان،فالكلمة في العرش واحدة ظهر بها في الكرسيّ نسبتان عبّر
عنهما بالقدمين؛ثمّ أدار في جوف الكرسيّ الفلك الأطلس و بينهما«عالم الرفرف» و هي المعارج العلى،و فيه مقام جبرئيل،و إليه ينتهي علم علماء الرصد؛ثمّ أحدث اللّه الفلك الرابع،و خلق«عالم الرضوان»بينه و بين الفلك الأطلس،و سطحه أرض الجنة،و مقعّره سقف النار.و فيه أسكن«رضوان»خازن الجنان و ملائكته تسمّى «التاليات»و هذا الترتيب لا يمكن إدراكه إلاّ بخبر الصادق أو الكشف الصحيح. و في هذا الفلك كان في الجنة أنهار و رياح و شجر و حور و قصور و ولدان و أكل و شرب و نكاح و انتقالات من حال الى حال على أعلى أهل الطبيعة،إلاّ انّ الأمر ثابت في عين القوابل،فلا يستحيلون أبدا،و لكن تختلف الصور و المطاعم و الملابس و المناكح و الأعراض.و ذكر بعضهم في تفصيل«النكاحات الخمسة المعنوية»انّه ينتهي النكاح الثاني التي مقعّر الفلك المكوكب الذي هو أحد وجهي«الأعراف» أعني الذي يلي جهنّم،و هذا الفلك هو الكرسي على القول المشهور و فلك المكوكب الذي هو الرابع من الأفلاك الدائمة الباقية و محدّبه أرض الجنة و مقعّره سقف النار، و عالم الرضوان بينه و بين فلك البروج الذي فوقه و هو الأطلس و فيه أسكن «رضوان».
فإن قيل:هل يمكن التوفيق بين القول بأنّ الأفلاك الدائمة الباقية اثنان و بين القول بأنّها أربعة.
قيل:لعلّ القائل بالأربعة اعتبر صورتهما المثالية تارة بحكم المرتبة التي ظهرت الهيئة فيها فسمّاهما ب‍«العرش»و«الكرسي»و اعتبر صورتهما الجسمانية المركبة من الطول و العرض و العمق اخرى فسمّاهما ب‍«الفلك الأطلس»و«الفلك المكوكب»،و اللّه أعلم.و شرح هذه الكلمات بحيث يقرب من القواعد العقلية:انّ الطبيعة بحكم محلّها الذي هو جوهر«الهباء»لمّا انبسطت انبساطا تامّا وحدانيّا حسب مقتضاها،و تصوّرت بأقرب صورة الى الوحدة عيّن الباري تعالى صورة مستديرة هي العرش المحيط‍ بجميع عالم الصور،و لأنّ هذا الكون الهبائي مظهر للوجه الرابع من اللّوح .و كان لهذا الوجه ثلاثة أحكام:
أحدها،النزول الى أنهى مرتبة الحسّ.
و الثاني،حكم التفصيل و التركيب الصوري.
و الثالث،حكم التدبير لبقاء الصورة المفصّلة و دوامها.
ثبت له بالأوّل الطول،و بالثاني العرض،و بالثالث العمق،و لمّا كانت حقيقة هذه النسبة العرشية بحكم المرتبة التي ظهرت فيها مثالية عيّن لها الاسم«البارئ»لها هيئة أخرى دوريّة بحسب الحكم النزولي،فسمّي العرش باعتبارها«الفلك الأطلس».ثمّ اقتضت حقيقة الحبّية بالتوجّهات و الاجتماعات الأسمائية مع مظاهرها الروحانية أن يتعيّن من هذا الكون الهبائي صورة طبيعية قابلة للتفصيل تكون مظهرا للّوح المحفوظ‍ و تفصيله،و تكون نسبته إليه أتمّ،فعيّن الاسم«البارئ» لها صورة مستديرة يكون قابلا لظهور تفاصيل الصور المعنوية و الروحانية و الجسميّة اللطيفة و الكثيفة،و هي الكرسي الكريم،و لأنّ في ضمن صورة الكرسي المثالية الوجه الذي ذكرناه في العرش،كانت للكرسي أيضا،فلذا قال بعضهم بالاثنين و الآخرون بالأربع.
ثمّ انّ هذا الكرسيّ أصل الجنان.و وجوهه أصول مراتبها الّتي هي«جنّة
الأعمال»و«جنّة الميراث»و«جنة الامتنان» ،و درجاتها مظاهر أسماء الإحصاء التي تكمل باسم اللّه الجامع،كما ورد في الخبر:«انّ في الجنة مائة درجة ما بين درجة الى درجة كما بين السماء و الأرض،و الفردوس أعلاء،و منها تفجر الأنهار الأربعة و من فوقها يكون العرش،فإذا سألتموا اللّه فاسألوا الفردوس» فالأنهار الأربعة من وجه إشارة الى الأركان الطبيعية فمن الحرارة يفجر نهر الخمر،و من البرودة نهر الماء،و من الرطوبة نهر اللبن،و من اليبوسة نهر العسل بعد تركيب بعضها ببعض؛فمشرب المقرّبين منها صرفا،و مشرب الأبرار و المؤمنين مزجا. و لظهور كلّ ما قدّر ظهوره في عالم الحسّ بصورة مثالية كان الكافر و المسلم بل الإنسان و غيره في تصوّر روحانيّته من هذا الوجه،سواء في نزول مادة وجودهما و تصور روحانيتهما.و حيث كان تعيّن جهنم من تحت مقعّر الكرسي الجسمي و هو الفلك الثامن و لا بدّ من تنزّل وجود الكافر و المؤمن منه الى أن يظهر بصورته الّتي لمادة وجودهما و تتصوّر روحانيّتهما في كل عالم بحسبه،فلكلّ منهما منزل في الجنّة و منزل في النار،كما ورد في الخبر،فإذا مات الكافر لم يعرج بروحه إليها من جهنم الى الجنة،لكثافة صورة تركيبه و غلبة جسمانيته على روحانيته.و كان منزله في الجنّة معطّلا،فيرثه كلّ من عرج إليها لغلبة روحانيته على حكم طبيعته،و كان بينه و بينه نسبة و قرب ما من حيث صفة محمودة أو امتزاج من الماء العذب و الملح في الحصّة الخاصّة بأحدهما أو دخوله تحت حيطة حكم من الأسماء الإلهية و كان ذلك الوجه المسمّى ب‍«جنّة الميراث».
و أمّا الوجه الرابع ،فهو جنّة الامتنان و فيها كثيب الرؤية و هو المسمّى ب‍«جنّة عدن».
و أمّا«جنّة الأعمال»،فهي طرفه الذي يلي عالم الشهادة.
ثمّ لمّا أكمل اللّه سبحانه أفلاك الثبات و البقاء،أراد إيجاد عالم الدنيا من الأركان و السّماوات و المولّدات التي يؤول تراكيبها الى فساد،فأمر النفس الكلية أن تنحدر بالتوجّه الى عمق الجسم الى المركز،فتوجّهت النفس الى ذلك الى أن وصل الى المركز فشرع من هناك التوجّه مرتبة مرتبة من المركز الى أن استوى الى السماء، فسوّاهن سبع سماوات على التفصيل الذي سنذكره في أبواب الكتاب في الموضع اللاّئق.
قيل:و قد تخيّل قدماء الفلاسفة و تبعهم الحكماء الإسلامية انّ السماوات السبع مخلوقة قبل الأرض.و أخطئوا غاية الخطاء،لأنّ العلم بصنعة الحكيم يحتاج الى إخبار الصادق عليه السّلام ،أو العلم الضروري،أو البرهان اليقيني،و ليس للقدماء مدخل في هذه كلّها،كما لا يخفى على المتتبع لمقالاتهم.و قد قال اللّه سبحانه: بِالَّذِي خَلَقَ اَلْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ الى أن قال: ثُمَّ اِسْتَوىٰ إِلَى اَلسَّمٰاءِ فَسَوّٰاهُنَّ سَبْعَ سَمٰاوٰاتٍ و في أخبار النبي و الأئمة ما لا يحصى كثرة و استفاضة؛نعم،الأفلاك الثابتة الأربعة على قول،و الاثنان على قول،انّما خلقت أوّلا خلقا إبداعيّا غير مركّب من العناصر،فلذا ثبت لها البقاء الدائم،و استحققت لمحلّية الجنان الباقية
الدائمة بخلاف البواقى ممّا سماها اللّه تعالى بالسّماوات السبع؛و من العناصر الأربع فانّها مستحيلة الصورة متبدّلتها،كما قال عزّ من قائل: يَوْمَ تُبَدَّلُ اَلْأَرْضُ غَيْرَ اَلْأَرْضِ وَ اَلسَّمٰاوٰاتُ .فظهر من ذلك انّ بأدوار الأفلاك الثابتة خاصّة كانت الجنان و عوالمها المخلوقة فيها التي هي أرواح محمولة في أنوار و أجسام شفّافة شريفة تناسب فكلها؛و عنها نشأت الخزنة،و الخازن الأكبر«رضوان»إذ حالة الرضا هي الحالة الكبرى في الجنة و انّ العارفين مع اللّه بالذات و في الجنّة بالعرض،و أهل الجنة مع الجنة بالذات،و مع اللّه بالعرض،و لهذا كانت رؤيتهم للّه في أوقات مخصوصة.و كما انتشأ منهم«رضوان»كذلك لمّا سرى النور ظهر «مالك»و خزنة النار.
و ممّا يعجبني ذكره في هذا المقام كلام بعض أهل المعرفة ،قال في بدء الجسوم الإنسانية بهذه العبارة:اعلم-أيّدك اللّه-انّه لمّا مضى من عمر العالم الطبيعي المقيّد بالزمان المحصور بالمكان إحدى و سبعون ألف سنة من السنين المعروفة في الدنيا،و هذه المدة أحد عشر يوما من أيّام غير هذا الاسم،و من أيّام ذي المعارج يوم و خمسا يوم، و في هذه الأيام[يقع] التفاضل بخمسين ألف سنة و بألف سنة،فأصغر الأيّام هي التي نعدّها الحركة للفلك المحيط‍،و ذلك لحكمه على ما في جوفه من الأفلاك،إذ كانت
حركتها قسريّة له و لكلّ فلك حركة طبيعية مع تلك القسرية في وقت واحد، و لكلّ حركة في كلّ يوم مخصوص يعدّ مقداره بأيّام الفلك المحيط‍،فأصغر أيّام الكواكب ثمانية و عشرون يوما ممّا تعدون و هو مقدار قطع حركة القمر و كذا لكلّ كوكب يوم مقدّر يتفاوت على[قدر] سرعة حركاتها أو صغر أفلاكها. و بالجملة،انتهى أمر الإيجاد الى خلق المولّدات من الجماد و النبات و الحيوان بانتهاء إحدى و سبعين ألف سنة ممّا تعدّون.و لم يجعل سبحانه لشيء ممّا خلقه من أوّل موجود الى آخر مولود و هو الحيوان بين يديه إلاّ للإنسان و هو هذه النشأة البدنية،بل خلق كلّ ما سواه إمّا عن أمر إلهي،و هو أمر«كن»و إمّا عن يد واحدة و هو ما روي من الخبر:«انّ اللّه خلق جنة عدن بيده،و كتب التوراة بيده،و غرس شجرة طوبى بيده و خلق آدم بيديه» ،و لمّا انتهى من حركات الأوّل و مدّته أربع و خمسون ألف سنة ممّا تعدّون،خلق اللّه الدار الدنيا،و جعل لها أمدا معلوما تنتهي إليه و تنقضي صورتها الى أنّ تبدّل الأرض غير الأرض و السماوات.و لمّا انقضى من مدة هذا الفلك ثلاث و ستّون ألف سنة ممّا تعدّون،خلق اللّه الدار الآخرة،الجنة و النار،اللّتين أعدّهما لعباده السعداء و الأشقياء.و كان بين خلق الدنيا و الآخرة تسعة آلاف سنة ممّا تعدّون،و لتأخّر خلقها سمّيت آخرة،و الاولى دنيا.و لم يجعل للآخرة منتهى ،فلها البقاء الدائم.و جعل سقف الجنة هذا الفلك و هو العرش. و القصد الثاني من الكلّ وجود الإنسان،و القصد الأوّل معرفة الحق و عبادته التي
خلق لها خلق العالم كلّه،فما من شيء إلاّ و يسبّح بحمده.و لمّا وصل الوقت المعين في علمه لإيجاد هذا الخليفة بعد أن مضى من عمر الدنيا سبع عشر ألف سنة و من عمر الآخرة التي لا نهاية له في الدّوام ثمان آلاف سنة،أمر اللّه بعض ملائكته أن يأتيه بقبضة من كلّ أجناس تربة الأرض،كما علم من الحديث»-انتهى.و انّما أطنبنا في ذكر هذا المذهب،لأنّ أكثر العلماء من المحقّقين و العرفاء ذهبوا إليه و توغّلوا فيه.و اللّه أعلم بحقائق الامور.
و اعلم،انّ صاحب إخوان الصفاء و من تبعهم اختاروا كون الجنّة و النار في هذا العالم،و زعموا انّ جهنم هي عالم الكون و الفساد،أي الطبيعة التي تحت السماء الدنيا،و انّ الجنّة هي عالم الأفلاك.قال في بعض رسائله من حال النفس :«إذا كان عشقها هو الكون مع هذا الجسد،و[معشوقها] هذه اللذات المحسوسة المحرقة الجرمانية،و شهواتها هذه[الزينة] الجسمانية،فهي لا تبرح من هاهنا و لا تشتاق الصعود الى عالم الأفلاك،و لا تفتح لها أبواب السماوات،و لا تدخل الجنة مع زمر الملائكة،بل تبقى تحت فلك القمر سائحة في قعر هذه الأجسام المستحيلة المتضادّة تارة من الكون الى الفساد و تارة من الفساد الى الكون: كُلَّمٰا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنٰاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهٰا لِيَذُوقُوا اَلْعَذٰابَ لاٰبِثِينَ فِيهٰا أَحْقٰاباً مٰا دٰامَتِ اَلسَّمٰاوٰاتُ وَ اَلْأَرْضُ و يروى عن رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله-انّه
قال:الجنّة في السماء و جهنّم في الأرض.و في الحكمة القديمة:انّه من قدر على خلع جسده،و رفض حواسّه،و تسكين[وساوسه] ،و صعد الى الفلك،جوزي هناك أحسن الجزاء.و قال فيثاغورس في الوصية الذهبية:إذا قبلت ما قلت لك يا ديوجانس،و فارقت هذا البدن حتّى تصير نحلا في الجوّ فتكون حينئذ سائحا غير عائد الى الإنسانية و لا قابلا للموت.و قال المسيح-عليه السّلام-للحواريّين في وصيته :إذا فارقت هذا الهيكل فأنا واقف في الهواء عن يمنة عرش ربّي و أنا معكم حيثما ذهبتم،فلا تخالفون حتّى تكونوا معي في ملكوت السماء غدا»-انتهى ملخّصا. و قد سبق منّا ما يزهق به هذا الرأي.و كأنّهم اختاروا من الترديد شقّين و هو انّ النار في عالم العناصر،و الجنة في عالم الأفلاك.
أقول:الآيات و الأخبار في ذلك مختلفة،و لنذكرها حسبما يحضرنا منها،لكي تتفطّن بالمقصود منها،و من اللّه التوفيق:قال اللّه عزّ و جلّ في شأن سدرة المنتهى: انّ عِنْدَهٰا جَنَّةُ اَلْمَأْوىٰ و في الخبر انّ السدرة فوق السماء السابعة و في الغرر و الدّرر عن مولانا أمير المؤمنين-عليه السّلام-حيث سئل عن العالم العلوي بعد كلام:«و خلق الإنسان ذا نفس ناطقة،إنّ زكّيها بالعلم فقد شابهت جواهر أوائل عللها،و إن اعتدل مزاجها و فارقت الأضداد فقد شارك بها السبع الشداد» و في
علل الشرائع ،عن الصادق جعفر بن محمّد-عليهما السّلام-بعد كلام:«الإنسان خلق من شأن الدنيا و شأن الآخرة،فإذا جمع اللّه بينهما صارت حياته في الأرض، لأنّه نزل من شأن السماء الى الدنيا،فإذا فرّق اللّه بينهما صارت تلك الفرقة الموت بردّ شأن الآخرة في السماء،فالحياة في الأرض،و الموت في السماء.و ذلك انّه يفرّق بين الروح و الجسد فردّ الروح و النور الى[القدرة الأولى] و ترك الجسد لأنّه من شأن الدنيا»-الخبر.و في الخبر في ذكر أجساد النبي و الأئمة-صلوات اللّه عليهم- بعد الموت انّها يصعد بها بعد ثلاثة ايّام الى السماء.مع انّ في الخبر الآخر حيث ذكر المنع من الإشراف على قبر النبيّ-صلّى اللّه عليه و آله-لعلّه كان يصلّي عند قبره، و لعلّه يكون مع أزواجه،فلذلك لا يصحّ الاطلاع على قبره-صلّى اللّه عليه و آله- و في الخبر:«بين قبري و منبري روضة من رياض الجنة» و في آخر:«انّ الجنة أقرب الى احدكم من شراك نعليه»و هذه الأخبار كما ترى تشير الى معنى غامض في أمر الجنة و النار و تومي الى سرّ مستور من عقول أولي البصائر و الأبصار، و لعلك تتفطّن إن أعملت فطنتك الى الغرض منها.
قال بعض هل المعرفة :«و اعلم يا أخي-تولاّك برحمته-انّ الجنة الّتي يصل إليها من هو من أهلها في الآخرة هي مشهودة لك اليوم من حيث محلّها،لا من حيث صورتها،فأنت فيها تتقلّب على الحال التي أنت عليها،و لا تعلم انّكم فيها، فانّ الصورة يحجبك عن التي تجلّت لك فيها،فأهل الكشف الذين أدركوا ما غاب عنهم يرون ذلك المحلّ،و يرون من كان في روضة خضراء،و إن كان جهنّميّا يرون بحيث ما يكون فيه من زمهريرها و حرورها،ما اعدّ اللّه فيها؛و أكثر أهل الكشف في بداية الطريق يرون هذا.و قد نبّه الشرع على ذلك حيث يقول:«بين قبري
و منبري روضة من رياض الجنة»-انتهى.
ثمّ ان هذا العارف الربّاني ،حكم بحكم الكشف المحقّق انّه يقتضي أن يكون الأرض محلّ الجنة الّتي يئول إليه مستقرّ أهل الجنّة،لا هذه الأرض التي نحن الآن عليها،بل الأرض المبدّلة،و انّ النار في الأرض السابعة السفلى.قال:«ثمّ الكشف يعطي انّها أي الأرض مخلوقة قبل سائر الأركان و السّماوات،و انّ فيها يكونون في الجنّة و عليها يحشر الناس،غير انّ نعوتها تتبدّل،فتكون في الحشر الساهرة أي لا تنام عليها بهذه الخاصية.و الجنة كلّها مبنيّة من نفائس معادنها من اللؤلؤ و الياقوت و المرجان و الفضّة و الذّهب و العنبر و المسك و الكافور و غيرها،فخلق ما في الجنة منها كخلق آدم من تراب،و من حمأ مسنون،و من ماء مهين؛فهو تنبيه على الأصل و كذا للنار كلّ معدن خسيس كالكبريت و القير و القطران و الآنك و غيرها»-انتهى.و ممّا يؤيّد ما ذكره هذا العارف الخبر الذي سنذكره بعد أربع وريقات أو أقلّ،من صيرورة قطعة من الجبل المظلّ على قوم موسى مادّة لقصور الجنّة و ما فيها.
أقول:و يؤيّده ما حقّقنا في السّوالف انّ هذا المركز الجسماني يضاهي المركز العقلي،و كما انّ معاد كلّ شيء و رجوعه في الحقيقة الى اللّه أَلاٰ إِلَى اَللّٰهِ تَصِيرُ اَلْأُمُورُ و ذلك بأن يتحرّك في جميع العوالم و يخرق كافة الدوائر الجسمية و العقلية الى أن ينتهي الى جوار اللّه و بالجملة،الى أن ينتهي الى ما ابتدأ منه،كذلك ينبغي بحسب الظاهر أن يعود الى المحلّ الذي نشأ منه و هو الأرض الّتي هي مركز العوالم الجسمانية.و يؤيّده من الأخبار ما روينا لك قبيل و أخبار أخر في بيان أحوال النفوس في البرزخ و هي مشيرة الى ذلك:منها،ما روي عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه-عليه السّلام-قال:«انّ أرواح المؤمنين لفي شجرة في الجنّة»،و في رواية
اخرى:«في حجرات في الجنّة يأكلون من طعامها و يشربون من شرابها و يقولون: أقم لنا الساعة و أنجز ما وعدتنا و ألحق آخرنا بأوّلنا»و عنه،روى عنه-عليه السّلام-قال:«انّ الأرواح في صفة الأجساد في شجرة في الجنة» و عنه،قال: قلت له-عليه السّلام-انّا نتحدث عن أرواح المؤمنين انّها في حواصل طير خضر ترعى في الجنة و تأوي الى قناديل تحت العرش،قال:لا إذن،ما هي في حواصل طير خضر.قلت:فأين هي؟قال:«في روضة كهيئة الأجساد في الجنّة» و في خبر حبّة العرني في محادثة مولانا أمير المؤمنين-عليه السّلام-في ظهر الكوفة أرواح الأموات،فقلت:أجسام أم أرواح؟فقال لي:«أرواح و ما من مؤمن يموت في بقعة من بقاع الأرض إلاّ و قيل لروحه:الحقي بوادي السّلام،و انّه لبقعة من جنّة عدن»و في خبر آخر:قلت له:و أين وادي السّلام؟قال:«ظهر الكوفة أمّا انّي كأنّي بهم:حلق،حلق،قعود،يتحدّثون» و عن عليّ-عليه السّلام-قال: سألته عن أرواح المشركين فقال:«في النار يعذّبون،يقولون:ربّنا لا تقم لنا الساعة و لا تنجز لنا ما وعدتنا،و لا تلحق آخرنا بأوّلنا»و عنه-عليه السّلام-قال:«شرّ بئر في النار«برهوت»الذي فيه أرواح الكفّار» .
قوله-عليه السّلام-في الخبر السابق:«لا،إذن،ما هي حواصل طير»ردّ لكلا القولين،ثمّ إبطال للأوّل بالثاني،أي لو كان في قناديل لكان إذن ليس في الحواصل.و قوله-عليه السّلام-في الخبر التالي له :«فقال لي:«أرواح»يدلّ على
مغايرة الأرواح لطبيعة الأجسام،كما لا يخفى.و قوله عليه السّلام في الخبر الذي بعده:«حلق»الى آخر الخبر،«الحلق»بفتحتين و بكسر الأول،جمع«حلقة» و«القعود»على وزن المصدر جمع«قاعد».
ثمّ أقول:و انّك بعد ما ما سمعت قول مولانا السجّاد -عليه السّلام-في النظم:
و تزعم انّك جرم صغير#و فيك انطوى العالم الأكبر. و أمعنت النظر وجدت نفسك-ان كنت من أهل العناية-عالما عظيم الفسحة مشتملا على أفلاك و عناصر و أملاك و مواليد،ثمّ رأيت ما محلّ الجنّة و النار فيك، و تعرّفت معنى قوله-عليه السّلام-فيما نقلنا:انّ الأرواح في روضة كهيئة الأجساد.و في مكالمة هذا العارف مع إدريس النبيّ-عليه السّلام-قال في خلسة :«انّي نبيّ اللّه و لا أرى للعالم مدّة يقف عليها بجملتها،إلاّ انّه بالجملة لم يزل خالقا و لا يزال دنيا و لا آخرة و الآجال في المخلوق بانتهاء المدد لا في الخلق فالخلق مع الأنفاس يتجدّد فما اعلمناه و لا يحيطون بشيء من علمه إلاّ بما شاء»فقلت له فما بقي بظهور الساعة؟فقال: اِقْتَرَبَتِ اَلسّٰاعَةُ و اِقْتَرَبَ لِلنّٰاسِ حِسٰابُهُمْ وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ فقلت:عرّفني بشرط‍ من أشراط‍
اقترابها.فقال:وجود آدم من أشراط‍ الساعة.قلت:فهل كان في الدنيا دار غيرها؟قال:دار الوجود واحدة،و الدار ما كانت دنيا و لا آخرة إلاّ بكم،و الآخرة ما تميّزت إلاّ بكم،و انّما الأمر في الأجسام أكوان و استحالات و إتيان و ذهاب لم يزل و لا يزال»-انتهى.
و قال في بعض كتبه:«اعلم انّ الانسان جعله اللّه العين المقصودة و الغاية المطلوبة من إيجاد العالم و إبقائه،كالنفس الناطقة الّتي هي المقصودة من تسوية جسد الشخص الإنساني،و تعديل مزاجه الطبيعي،و لهذا يخرب الدنيا بزواله،أي بانعدام الإنسان الكامل في الدنيا،و انتقاله الى الآخرة،كما يخرب البدن بانقطاع تعلّق النفس منه تعلّق التدبير اللاّئق بالنشأة الدنيوية،و تنتقل العمارة الى الآخرة من أجل الإنسان الكامل،كما يعمر البدن المكتسب للنفس الناطقة عند قطع تعلّقها عن هذا البدن العنصري،أو يجعل تدبير النفس للبدن العنصري تدبيرا اخرويّا مناسبا للنشأة الأخروية الى أن يجعله بتدبيره لائقا للحشر الموعود».و هذه مسألة دقيقة كلّت عن دركها الأفهام،و حارت فيه العقول و الأوهام،و ليس إلاّ للكشف الصّرف المحمّدي فيها قدم-صلّى اللّه عليه و آله-و ناهيك هذا القدر إن كنت من اهل السداد و اللّه الهادي الى سبيل الرشاد.
المنهج الثالث[في دفع الشبهات] اعلم،انّ الاحتمالات المذكورة في الشبهة الأولى قد ظهر لك انّ كل واحد منها ممّا اختاره واحد من العقلاء:أمّا حديث امتناع الخرق،فمن البيّن انّه غير واضح و لا مبرهن عليه في غير المحدّد،على انّه يمكن أن يكتسب البدن الأخروي الحاصل من تبديل هذا الجسد الأرضي مشابها للجرم السّماوي،و الخرق انّما يمتنع إذا كان
بالجسم العنصري.و يؤيّد ذلك قول أمير المؤمنين-عليه السّلام-:«و إن اعتدل مزاجها و فارقت الأضداد فقد شارك السبع الشداد»هب،لكن صعود النفس الى السماء و اكتسابها هناك بدنا مناسبا لنشأتها محتمل،كما يدلّ عليه خبر العلل حيث قال:«يردّ شأن الآخرة الى السماء»على انّك قد عرفت في سوالف الزّبر انّ الأفلاك خلقت من صفو العناصر،كما قال عزّ من قائل: ثُمَّ اِسْتَوىٰ إِلَى اَلسَّمٰاءِ وَ هِيَ دُخٰانٌ و انّها سبع لا غير،و من البيّن انّ الحافظ‍ للعالم على هذه الصورة هو سرعة الفلك المحيط‍ يعني جسم الكلّ،و المحرّك للفلك غير الفلك،و انّ تسكين الفلك انّما يكون بطرفة عين واقع لا محالة،كما قال سبحانه: وَ مٰا أَمْرُ اَلسّٰاعَةِ إِلاّٰ كَلَمْحِ اَلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ و اذا وقف الفلك عن الدوران وقفت الكواكب عن سيرها و البروج عن طلوعها و غروبها،و عند ذلك يعدم صورة العالم،و ذلك بفقدان الإمام و انتقاله-عليه السّلام-من هذه النشأة الى دار المقام،فتقوم القيامة الكبرى،و هذا لا محالة كائن لخبر الصادق المصدّق بالعقل الممتحن،و لأنّ كل شيء في الإمكان؛ و إن فرض له زمان بلا نهاية فلا بدّ أن يخرج الى الفعل.و وقوف الفلك عن الدّوران ممكن،لأنّ الحركة غير لازمة له،و المحرّك بعد استكماله الممكن له،لا يحتاج الى التحريك؛لأنّ كمالات عالم الإمكان متناهية و بالجملة،الذي يحرّكه يمكنه أن يسكّنه و هو أهون عليه و له المثل الأعلى.
و أمّا شبهة دوام الجنّة و النار،فالجواب عنه بانّ الأشياء التي من جملتها الجنة و النار تعدم في آن،ثمّ توجد،تناقض امتناع التخلف عن الموجب التام،كما يزعمون.و انّما يناسب ذلك مذهب الأشعري و الذين لم يقولوا بذلك الامتناع. و الحق انّ الفناء يكون للصورة و الأعراض دون المواد،فقد روي في الكافي عنهم
-عليهم السّلام-في خبر طويل الى أن قال:«و انّما أفنى اللّه الصّور و الهجاء»ثمّ انّه يكتسي بعد الانعدام صورة أخروية مناسبة لتلك النشأة.و في الخبر:«انّ في الجنة سوقا تباع فيه الصور» قيل:«السوق»عبارة عن اللطف الإلهي الذي هو منبع القدرة على اختراع الصور بحسب المشية،لا كالاختراع الذي بمعرض الزوال،كما في النوم في هذا العالم.و هذه القدرة أوسع و أكمل من القدرة على الإيجاد خارج الحس،لأنّ الموجود في خارج الحسّ لا يوجد في مكانين،و إذا صار مشغولا بواحد يصير محجوبا عن غيره،بخلاف هذه القدرة التي في الآخرة،فانّها يتّسع اتّساعا لا ضيق فيه،حتّى لو اشتهى جماعة مشاهدة النبي-صلّى اللّه عليه و آله و سلّم-في ألف مكان في حالة واحدة لشاهدوه كما خطر ببالهم في الأمكنة المختلفة.و أمّا آية«الهلاك»،فهو انّما يكون إشارة الى الهلاك الذاتي لجميع ما سوى اللّه و سيجيء تحقيقه في الأبواب اللاّحقة إن شاء اللّه.
و أمّا شبهة العرض،فالتحقيق في الجواب:انّه قد وردت آيتان في ذلك: إحداهما،قوله سبحانه: وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا اَلسَّمٰاوٰاتُ وَ اَلْأَرْضُ و الاخرى: كَعَرْضِ اَلسَّمٰاءِ وَ اَلْأَرْضِ و ذلك شأن واحد من الجنان،و انّ منها ما هي أوسع من ذلك،و التي عرضها ذلك هي السماوات و الأرض المبدّلة غيرهما،و ذلك بإفناء كلّ صورة و تقطيع و عرض و تخطيط‍ سوى المقدار،لأنّه من لوازم الجسمية.
و ليعلم انّ في هذا المقام إشكالا آخر و هو الذي أورده أسقف نجران في أيّام عمر،ففي طرق العامة عن أنس بن مالك،قال:قدم أسقف نجران على عمر لأداء الجزية،فدعاه عمر الى الإسلام،فقال:يا عمر:انتم تقولون للّه جنة عرضها كعرض السماء و الأرض،فأين يكون النار؟قال:فسكت عمر،و كان عليّ-عليه
السّلام-حاضرا فقال:«جاوبه يا ابن عمّ رسول اللّه»فقال-عليه السّلام-: للأسقف:«أ رأيت إذا جاء النهار أين يكون اللّيل؟!».
و عندي في تحقيق هذا الجواب حسب ما وفّقني اللّه لفهمه انّه ليس كما فهمه صاحب إخوان الصفاء،حيث ذكره في طيّ استدلاله على مدّعاه،كما ذكرنا مفصّلا في أواخر المجلّد الأوّل و مجملا قبل هذا المقام بوريقات ،بل المعنى و اللّه أعلم ثمّ قائله-عليه السّلام-:انّ الجنّة و النار يتواردان كاللّيل و النّهار على محل واحد، سواء كان ذلك عالم الأجسام العنصرية أو نفس الأشخاص الإنسانية؛و لا ينافي ذلك اختصاص بعض المواضع بأحدهما دون الآخر،كما الأمر في اختصاص بعض الأراضي بواحد من الليل و النّهار ذلك،قال اللّه سبحانه: هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهٰارَ خِلْفَةً و يحتمل أن يكون المراد انّه كما انّ محلّ الليل و النهار هو وجه الأرض،لأنّه إذا كان النهار في هذا الوجه الذي يلينا كان الليل في الوجه المقابل، و إذا كان بالعكس كان بالعكس،كذلك الجنة و النار بالنسبة الى محلّهما،فقد يكون الواحد في موضع من هذه السعة في جنة و قصور و الأخرى في موضع آخر منها في عذاب و ثبور،بل يمكن أن يكون ذلك في موضع واحد،كما اتّفق أن يدفن مؤمن و كافر في موضع واحد،فقبر أحدهما روضة من رياض الجنة و قبر الآخر درك من دركات النار ،فتبصّر؛و اللّه الهادي.
المنهج الرابع فيما يتعلّق بأكل«الرطبة» و فيه فوائد قد ذكر بعضا منها بعض العلماء في مطالب أخرى:
الاولى، اعلم انّ في هذا الخبر نصّا على انّ المأكول رطب من رطب الجنّة،و قد ورد في خبر آخر:سفر جلة،و في آخر شيء آخر،و سرّ ذلك:انّ فواكه الجنّة كلّها في كلّها،فيصحّ التعبير عن الواحد بالآخر.قال في أثولوجيا ،في ذكر العالم الأعلى امورا،الى أن قال:«الأشياء التي هناك مملوءة غنى و حياة،كأنّها حياة تغلي و تفور، و جري حياة تلك الأشياء انّما ينبع من عين واحدة،لا كأنّها حرارة واحدة و ريح واحدة،بل كلّها كيفيّة واحدة،فيها كلّ كيفية،يوجد فيها كل طعم و نقول:انّك تجد في تلك الكيفية طعم الحلاوة و الشراب و سائر الأشياء ذوات الطعوم و قواها و سائر الأشياء الطيبة الروائح،و جميع الألوان الواقعة تحت البصر،و جميع الأمور الواقعة تحت اللّمس،و جميع الأشياء الواقعة تحت السمع»-انتهى.
الثانية، لعلّ«الرطبة»إشارة الى الحقيقة العقلية و الكلمة النورية المدبّرة لأهل البيت و هي العلم المختص بهم-عليهم السّلام-دون غيرهم،و أكله -صلّى اللّه عليه و آله-و هو تعقّله إيّاه بحيث صار جزءا لنفسه المقدسة بناء على اتّحاد العاقل و المعقول.
الثالثة، سرّ التحويل بالنطفة انّ الاتّصال المعنوي و المضاهاة الواقعة بين عالم النفس و عالم البدن ممّا يوجب تأثّر كل منهما عمّا يرد على صاحبه،فإذا أحاطت النفس بمعقول إحاطة عقليّة و اغتذت به غذاء معنويّا أثّر ذلك في البدن كأثر الخجلة للحمرة بل أشدّ من ذلك فيصير ذلك التعقّل علّة لذلك الأثر؛و لمّا كانت العلّة قيّوم المعلول سرّها و باطنها،على معنى انّها تتطوّر بأطواره و تتشأّن بشئونه و تتلبّس بكسوته الى أن تتنزّل في درجات معلولها من دون أن تزول عن مرتبة نفسها عبّر عن ذلك ب‍«التحوّل».
[كلام في أنواع المضاهاة بين العوالم] الرابعة، تفصيل القول في تلك مع زيادات كثيرة الفوائد:اعلم،انّ القوى البدنية انّما هي أمثلة و أصنام للمبادي الروحانية في العوالم التي فوقها،لأنّ العوالم متطابقة متضاهية و هذا غير مختص بالقوى،بل لكلّ حقيقة من الحقائق صورة في عالم العقل و صورة في عالم النفس و صورة في عالم الحسّ و بالجملة هاهنا مضاهاتان: إحداهما، المضاهاة التي بين عالمي النفس و البدن ؛
و الثانية، المضاهاة التي بين مجموع هذين المسمّى ب‍«الإنسان الصغير»و بين عالمي الأرواح و الأجساد و ذلك هو«الإنسان الكبير».
فمن جملة تلك المضاهاة انّ النفس في أوّل نشأتها النفسانية ناقصة ضعيفة تحتاج الى حركة استكمالية بإضافة كمال الى كمال و فضيلة بعد فضيلة حتّى تصل الى كمالها اللائق بها كالبدن،حيث يتدرّج في النموّ من نقصانه بالأغذية حتى ينتهي الى حدّ البلوغ،و كاستكمال مجموعهما و حركتهما الى اللّه من هذه النشأة الدنيّة الى الدار الباقية.و لا بدّ لكلّ مستكمل عمّا يتقوّى به و يزيد في كماله.و الشيء الناقص لا يصير كاملا إلاّ بما يشابهه و يناسبه لا بما يضادّه و يعانده،و هذا هو الغذاء.و كلّ مغتذ له غذاء خاصّ حسب درجته و حظّه من الكمال؛فالمحسوس غذاء الحسّ: كالمبصر غذاء البصر و المذوق غذاء الذوق و المشموم غذاء الشمّ.و المسموع غذاء السمع و هكذا،فيغتذي الروحاني بالروحاني و الجسماني بالجسماني و من البيّن انّ الأغذية قبل أن تصير غذاء بالفعل بعيدة عن المشابهة فلا بدّ من استحالات و هي حركة و لكلّ حركة محرّك و ناقل،فهو في البدن يسمّى ب‍«الغاذية»و في النفس ب‍«المفكّرة»و في العالم ب‍«الملك»الناقل للأرواح من حالة الى حالة و إماتتها من
صورة الى صورة الى أن يستعدّ لجوار اللّه و رضوانه .
الخامسة، و من تلك المضاهاة مراتب الهضم و الاستحالات،فكما انّ مادة الغذاء إذا وردت داخل البدن تصرّفت فيها الغاذية و أحالتها بقواها و زبانيتها المسخّرة لهذا الأمر و صيّرتها صافية عن الفضلات و خلصتها عن الكدورات في أربع مراتب من الطبخ و النضج أوّلا في قدر المعدة فيتخلص من بعض ذنوبها بحرارة جهنّم المعدة و بيد زبانية القوى التي عليها من التسعة عشر و يتوب عن الخروج عن صراط‍ الطبيعة التي هي أثر من صراط‍ الحقيقة و عن شريعة الوحدة الطبيعية التي هي ظلّ الوحدة الإلهيّة،ثم بعد هذا التمحيص لذلك المسافر الى المرحلة الأخرى يرتفع من هذه الهاوية المظلمة الى طبقة اخرى،فيقع بيد قوى اخر من هذا القبيل،فيعملون فيه ما يؤمرون.فالهضم مرّة أخرى كذي النون في بطن الحوت-حوت الكبد-و يتخلّص مما بقي من الذنوب التي لم يغتفر منه، فتصير أخلاطا أربعة بعضها صالح للاغتذاء و بعضها غير صالح،قال تعالى: خَلَطُوا عَمَلاً صٰالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً و الصالح من هذه الأربعة هو الجوهر الدموي.فإذا شرع في الدّوران في سكك العروق طالبا لإنتاج المقصود و الوصول الى كعبة المعبود،يدخل في القلب في مدينة القالب عند مسجد الصدر،و يمكث قدرا من الزمان للعبادة البدنية حتى يصلح لأن يلبس كسوة الصورة الإنسانية الطبيعية التي هي خليفة اللّه في هذه الارض،كذلك حال استكمال النفس في أغذيتها النفسانية و العقلانية،فانّ النفس بقوّتها المحرّكة أحضرت صورة محسوسة، فتتصرّف فيها بقوّتها المتصرّفة و هي كالكبد للنفس،فأوّل ما تصرّفت فيها أن تنزعها عن كدورة الغواشي المادية التي كالفضلة الاولى للغذاء،و كالهاوية لأهل العذاب،فسمّي هذا الفعل من النفس ب‍«الإحساس»ثمّ يقع منها تصرّف آخر في
تلك الصورة و هو تقشيرها مرّة اخرى إلى أن تخلّصت من الأغشية الماديّة،و هذا هو التخيّل،و تلك الصورة غذاء و كمال للخيال،ثمّ يفعل فعلا آخر بحيث انتزعت منها المادة بالكلية إلاّ انّه بقيت لها علاقة الى المادّة و هو التوهم،ثمّ يعمل عملا رابعا بحيث ينسلخ عنها جميع آثار المادّة و علائقها،فصارت لبنا خالصا سائقا لشارب العقل الذي هو ملك من الملائكة،و هي قد تابت من جميع الذنوب، و التائب من الذنب كمن لا ذنب له؛فانظر حكمة الباري كيف أودع فيك قوّة تعمل في المحسوس عملا يجعله عقلا بالفعل،فهذه الغاذية في البدن أثر من آثار تلك القوة،و كذلك في العالم الكبير هذا الشخص الإنساني السالك الى اللّه،إذا انخلع من هذه النشأة العنصرية و دخل في أرض الآخرة بتقشير الملك الناقل بنزعه الأرواح عن كدورات قشور الأجساد،فهي بمنزلة المعدة للإنسان الطبيعي و مدارك الإحساس للإنسان النفسي؛ثمّ بعد هذا التلخيص القليل عن المشتهيات و المألوفات يقع في قرن الصور التي لإسرافيل الملتقم لعالم الأجسام من أعلى أعاليه الى أسفل سافليه،و هو بمنزلة الكبد للبدن الإنسانى و القوة المتخيّلة للروح الإنساني،ثمّ غبّ ذلك التمحيص يسلك في جسور الصراط‍ كما بسطناها في سوالف هذا السراج،و إذا خلص كمال اخلاص و استعدّ لمقام الاختصاص ينسلك في سلك الملائكة المقرّبين و عباد اللّه المتّقين.
السادسة، و من جملة تلك المضاهات ما في القوة المولّدة،فانّها في العالم الإلهي اسم خاص إلهي هو«المبدع»و«الخالق»و في عالم العقل جوهر يتقدّم بالعليّة كالقلم الأعلى حيث يتولّد منه الصّور على اللوح المحفوظ‍ و في عالم النفس،كالعقل الفعّال في أنفسنا بالقياس إليها،و كالمعلّم بالنظر الى المتعلّم،و في المفكّرة كالمقدّمات بالنسبة الى النتيجة،و في القوى المادية كالمولدة هذه القوة الجسمانية و في مواد
الأجسام كالأبوين مطلقا،فإنّ الأبوة على المعنى العام.
السابعة، و من تلك المضاهاة ما في القوّة النامية،فانّ النفس الناطقة تزداد كمالا،و تسمن معرفة و علما بكثرة ملاحظة العقليات و استحصال المعاني المجرّدة لعلّة الجنسية و شركة النورية،فيجب أن يحصل منها في جسدها قوة تزداد نماء بكثرة انضمام الأغذية المشابهة لهذه العلّة.و هكذا في العالم الكبير الملك الموكّل بالأرزاق و إيصال كل مستحقّ الى ما يستحقّه و هو ميكائيل-عليه السّلام-و من البيّن انّ العوالم متطابقة و النشآت متحاذية،فكما انّه لا بدّ أن يكون لكلّ صورة حقيقة معنويّة،و لكلّ روح جسد،و لكلّ شهادة غيب،و لكلّ ظاهر باطن،كذلك لا بدّ أن يكون لكلّ معنى روحاني في النفس المجرّدة نظير في البدن،حتى كأنّ البدن بعينه نفس ناطقة قد تكدّرت و تجرّمت و تجسّدت و تطبّعت و تنزّلت من عالمها الى هذا العالم،و كذلك النفس عند تجرّدها من عالم الأبدان و خلعها جلباب البغي و العصيان كأنّها بعينها بدن قد تلطّف و تروّح و تنفّس و تقدّس و عرج الى ذلك العالم،كما في الخبر النبوي:لو رأيته لقلت هذا فلان.قال تعالى حكاية عن المسيح -عليه السّلام-: إِنِّي ذٰاهِبٌ إِلىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ .
الثامنة، و من تلك المضاهاة انّ هذه الصورة المادية التي هي معقولة بالقوة إذا صارت بالتقشيرات و التجريدات عقلا بالفعل مضاهيا للعقول التي هي كاملة بحسب أصل الفطرة،و كذلك العمل الصالح يصعد سماء سماء الى الملأ الأعلى،و كذا العبد السالك الى اللّه بقدم العرفان و المجاهدة يتطوّر في الأطوار و يسير سير الأنوار و يترقّى بالتهذيب و التصفية معارج الأبرار الى أن يتّصل الى النور القاهر عند مليك مقتدر هكذا الأمر النازل من عند اللّه تعالى يتقلّب أطوارا،و يكتسي شعارا
و دثارا،و يتنزّل في المواطن و المقامات،و يتلبّس كسوة العلويات و السفليات، و يتراءى في مرايا الجلاء و الاستجلاء الى أن يسكن الى هذا المنزل الأدنى.و تحوّل الرطب المأكول في الجنان منيّا إنسانيا من هذا القبيل.و اللّه يهدي الى خير السبيل.
التاسعة، و لهذا التنزّل الأمري طرق مختلفة و مسالك متعدّدة،عسى أن نبّهناك في الزّبر السوالف:منها،طريق النفس الكلية مترتبا الى عالم الطبيعة؛و منها، طريق النفوس الناطقة الى أن تظهر من داخلها جواهر شريفة في عالم الشهادة؛ و منها،هذا الطريق الى أن يصير حروفا و كلمات عرفانية؛أمّا في عالم الأعراض فتصير تلك وسائط‍ من طريق السمع و الإلقاء لتولّد الجواهر النورية و النفوس الناطقة الإنسانية في المواد القابلة؛و أمّا في عالم الجواهر كما سبق من خلق الأصفياء من أنوار الأنبياء و الأولياء،و فى أشعار مولانا أمير المؤمنين-صلوات اللّه عليه-: و في القلب لبانات #إذا ضاق بها صدري نكتّ الأرض بالكفّ#و أبديت لها سرّي فمهما تنبت الأرض#فذاك النبت من سرّي و من البيّن انّ النبات بالمعنى الأعم كما يعرفه أهل الشهود الأتم؛قال تعالى: وَ اَللّٰهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ اَلْأَرْضِ نَبٰاتاً فاحتفظ‍ بهذا التحقيق فانّه من مشرب رحيق.

divider