شناسه حدیث :  ۳۱۰۲۱۸

  |  

نشانی :  التوحيد  ,  جلد۱  ,  صفحه۹۶  

عنوان باب :   5 باب معنى التوحيد و العدل

معصوم :   امام هادی (علیه السلام) ، امام رضا (علیه السلام) ، امام کاظم (علیه السلام)

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ اَلشَّيْبَانِيُّ اَلْمُكَتِّبُ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ اَلْكُوفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ زِيَادٍ اَلْأَدَمِيُّ عَنْ عَبْدِ اَلْعَظِيمِ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ اَلْحَسَنِيِّ عَنِ اَلْإِمَامِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ اَلرِّضَا عَلِيِّ بْنِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: خَرَجَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ عِنْدِ اَلصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَاسْتَقْبَلَهُ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ عَلَيْهِمَا اَلسَّلاَمُ فَقَالَ لَهُ يَا غُلاَمُ مِمَّنِ اَلْمَعْصِيَةُ قَالَ لاَ تَخْلُو مِنْ ثَلاَثٍ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَيْسَتْ مِنْهُ فَلاَ يَنْبَغِي لِلْكَرِيمِ أَنْ يُعَذِّبَ عَبْدَهُ بِمَا لاَ يَكْتَسِبُهُ وَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مِنَ اَلْعَبْدِ وَ لَيْسَ كَذَلِكَ فَلاَ يَنْبَغِي لِلشَّرِيكِ اَلْقَوِيِّ أَنْ يَظْلِمَ اَلشَّرِيكَ اَلضَّعِيفَ وَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِنَ اَلْعَبْدِ وَ هِيَ مِنْهُ فَإِنْ عَاقَبَهُ اَللَّهُ فَبِذَنْبِهِ وَ إِنْ عَفَا عَنْهُ فَبِكَرَمِهِ وَ جُودِهِ .
زبان شرح:

شرح توحید الصدوق / قاضی سعید قمی ; ج ۲  ص ۱۷۹

شرح: هذا هو المقام الثّاني من المقامين اللّذين أشرنا إليهما في أوّل الباب و هو الكلام في أفعال العباد و قبل الخوض في شرح الحديث ينبغي أن نذكر المذاهب في ذلك:
اعلم انّ العقلاء في هذه المسألة طوائف ثلاث :
إحداها،المجبّرة؛
و الثانية،المفوّضة؛
و الثالثة،الإمامية الذين هم الأمة الوسط‍.
و لكلّ من الطوائف شعب و قبائل:
أمّا المذاهب في الجبر فثلاثة:
الأوّل، مذهب جهم بن صفوان الترمذي و من تبعه،و هو انّه لا قدرة للعبد على شيء من أفعاله أصلا حتى انّه لا فرق عندهم بين نحو حركة الماشي و نحو حركة المرتعش في كونهما غير مجامعين لقدرتهما و انّما يقع جميع أحواله بقدرة اللّه
تعالى.
الثاني، مذهب الأشاعرة و هو انّ أفعال العباد صادرة عن اللّه،و انّ للعبد قدرة، و لكن غير مؤثرة في أفعاله لغلبة قدرة اللّه،عليها،حتى انّه لو لم تؤثّر قدرة اللّه لأمكن أن تقع أفعاله بقدرته و الفرق بين حركة الماشي و المرتعش انّ الأولى مجامعة لقدرة من العبد غير مؤثّرة بخلاف الثّاني.
الثالث، مذهب أبي الحسين البصري من المعتزلة و كلّ من قال بالوجوب السابق من العلّة الفاعلة،و هو انّ قدرة العبد مؤثّرة في أفعاله و هي صادرة عنه و واجبة بالوجوب السابق من جهة علله الموجبة المنتهية الى الواجب بحيث لا يطيق عدم التأثير،و يمتنع عليه تركه بالنظر الى المبادئ.و هذا هو مذهب أصحابنا المنتسبين الى الحكمة،المنتحلين للفلسفة.قال الفاضل الرومي ابن رشد الأندلسي في ردّ تهافت الفلاسفة نقلا عن المتفلسفة:انّ تمثّل نظام جميع الموجودات من الأزل الى الأبد في علمه تعالى مع الأوقات المترتّبة الغير المتناهية الّتي يجب و يليق أن يقع كلّ موجود منها في وقت من تلك الأوقات لازم لذاته تعالى،لا يتصوّر و يقتضي إضافة ذلك النظام على ذلك الترتيب و التفصيل بحيث لا يجوز عدم إفاضته،و هذا النظام يسمّونه«عناية أزلية»و بعضهم يسمّيه«إرادة»انتهى.
و هذه الثلاثة مشتركة كما قيل،في انّه لا يتصوّر لتوبة العاصي و ندامته معنى محصّل فضلا عن أن يأمره اللّه بالتوبة،لأنّه لا معنى لندامة إنسان على فعل غيره،
و لا على فعل نفسه،إذا كان بالوجوب السابق من فعل نفسه أو فعل غيره،و في إسناد الظلم و الكفر و الشرّ الى اللّه.
و الأوّلان يشتركان في مخالفتهما للفطرة الإنسانية و البديهة العقلية و في بطلان الثواب و العقاب و التكليف و الشرائع.و ادّعى الفخر الرازي اشتراك الثالث مع الأولين في هذا الأخير،و لا يخلو من قوة حيث قال:لا فرق في العقول بين فاعل القبيح و الظلم و بين فاعل ما يوجب القبيح و الظلم.
و أمّا المفوّضة القدريّة،الذين سمّوا نفسهم«أهل العدل» و في الخبر عن أهل البيت-عليهم السّلام-:انّ المفوّضة قوم أرادوا أن يصفوا اللّه بعدله فأخرجوه من سلطانه،و هم القائلون بثبوت استقلال العباد في أفعالهم من دون مداخلة تدبير اللّه فيها على وجه يجري عليهم مقتضى الحكمة و المصلحة من غير إجبار و إيجاب، و من دون وجوب سابق.و من أصولهم انّ العباد قادرون على الفعل و الترك قبل وقتهما،فهم مستقلون بالقدرة على الفعل و الترك الاختياريّين،و انّ مقدور العباد ليس بحيث إن شاء اللّه وقع و إن لم يشأ لم يقع،حتى انّه إذا شاء الطاعة من العاصي و شاء إبليس المعصية منه لا يكون ما شاء اللّه و يكون ما شاء إبليس،و ليس في مقدور اللّه تعالى ما لو فعله بالعاصي لأطاع،و لو كان مقدورا له لفعله بناء على وجوب كل لطف ناجع على اللّه في زعمهم.و هذا المذهب فاسد كالأوّل،بل أشنع و أفضح،لأنّ ذلك قول بالشرك الجلي و لذا ورد في الخبر،انّ«القدرية مجوس هذه الامّة» و ذلك لقولهم بوجود إلهين للخير و الشر.في الكافي عن الحسن بن علي
الوشاء عن أبي الحسن الرضا-عليه السّلام-قال:«سألته فقلت:اللّه فوّض الأمر الى العباد؟»قال:«اللّه أعزّ من ذلك»قلت:«فجبّرهم؟»فقال:«اللّه أعدل و أحكم من ذلك».و عن مولانا أمير المؤمنين-عليه السّلام-:لا تقولوا:«وكلهم اللّه الى أنفسهم»فتوهنوه و لا تقولوا:«أجبرهم على المعاصي»فتظلموه و لكن قولوا: «الخير بتوفيق اللّه،و الشر بخذلان اللّه،و كل سابق في علم اللّه» و بالجملة،الضابط‍ الحقّ في المذهبين:انّ كلّ من نسب فعل العبد الى اللّه سواء كان بتوسط‍ أو غيره فهو من أهل الجبر،و كلّ من قال باستقلال العبد بالفعل دون اللّه فهو من أهل القدر،و ملاك القولين هو الشرك،لكنّ الأوّل تشريك في الفعل،و الثّاني تشريك في الملك؛أعاذنا اللّه من ذلك بفضله،و تعالى اللّه عن ذلك كلّه.
[كلام في تحقيق الأمر بين الأمرين] و أمّا الأمر بين أمرين،فهو كما روي عن مولانا الصادق-عليه السّلام-حين سئل هل بين الجبر و القدر منزلة؟قال:نعم،أوسع ممّا بين الأرض و السماء ؛ فلذلك ترى أهل الحق من الإماميّين المقتفين لآثار أهل البيت-عليهم السّلام-قد ذهب كلّ منهم الى مذهب و لا يكاد يوافق واحد منهم اثنين أو مثله فيما ذهب، فأكثرهم من مدّعي الحكمة قد اقتفى إثر المحقق الطوسي-رحمه اللّه-فيما حقّقه في
رسالته الموضوعة لهذه المسألة ،و مع تخالفهم قد اشتركوا في القول بالفاعل القريب و البعيد مع القول بالإيجاب،و أنت قد عرفت حال الإيجاب؛و لا ريب في انّ القول بالفاعلين على هذا النحو لا يخلو من جبر و شرك عند أولي الألباب،و طائفة منهم من أهل التحقيق في زماننا تفطّنوا بأنّ اللزوم و الوجوب في أفعال اللّه ينافي استحقاق المدح و هو المناط‍ لاستحقاق العبادة كما انّ الوجوب السابق في أفعال العباد ينافي استحقاق الثّواب بناء على الأوّل بأنّ الاختيار اللائق بجناب الكبرياء هو ما يصحّ كل من الفعل و الترك بالنظر الى الشرائط‍ في جميع الأوقات،فنفوا عنه تعالى الإيجاب بجميع معانيه أي امتناع الانفكاك بالنظر الى الذّات،و بالقياس الى الداعي في جميع الأوقات،و بالنظر إليه في وقت الفعل.و حكموا بناء على الثّاني بأنّ للعبد قدرة و لقدرته تأثيرا و تأثيره غير خارج عن طاقته بالوجوب السابق،فهو قادر في زمان الفعل على الترك و بالعكس،و لا يمتنع شيء منهما عليه الاّ بعد وقوع مقابله عنه باختياره.و قالوا في الردّ على القدريّة:كون أزمّة الأمور كلّها بيده تعالى،و انّ ما شاء اللّه كان و ما لم يشأ لم يكن،و انّ الكل واقع بعلم اللّه و مشيته و إرادته و قدره و قضائه،لا ينافي استناد الفعل الى العبد،بل هو من ضروريات مذهب الإمامية،و انّما يكفي في جواز المؤاخذة كون المعاصي واقعة بقدرتهم بلا إجبار على وجه كانوا قادرين على تركها،و انّ أصل القدرة كافية في ترتّب العقاب و الثواب و غيره.و أمّا الاستقلال فغير لازم،و لا ينافي ذلك عدله تعالى،و لا يلزم من مطابقته لمقتضى مشيّة اللّه و ما شاكلها من تدابيره الواقعة منه تعالى،على وفق نظام العالم قضاء لحق الربوبيّة و لوازم الألوهية أن تكون مستندة إليه تعالى.و انّما يلزم لو شاء معصيتهم مشية حتم فأوقعها على أيديهم بإجبار و إلزام.و ليس كذلك،فإضلالهم بخلق امور ضروريّة لمصلحة العالم مفضية الى اختيارهم الضلالة،
ليس بقبيح،انّما القبيح الإخلال بتلك المصلحة الموجب لاختلال الربوبيّة و لوازم السلطنة،و انّ الخصال السّبع الواردة في الأخبار المفضية الى أفعالهم لا ينتهي في الإفضاء الى حدّ يخرجهم عن اختيارهم،بل انّهم أوقعوا مراده على نحو ما اقتضت حكمته باختيارهم و إرادتهم من دون جبر و إلزام،كما قال مولانا أمير المؤمنين -عليه السّلام-في جواب الشيخ حين منصرفه من صفين:«أ تظنّ انّه كان قضاء حتما و قدرا لازما؟انّه لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب و الأمر و النهي» الحديث. هذا ما حقّقه بعض الأفاضل القدوة في تحقيق الأمر بين أمرين،و لقد بلغ الغاية في طريقة أهل الظاهر و لم نجد من علماء الشيعة من يجتهد هذا الجهد من صاغر و لا كابر،و لعمري انه قد بقي فيه أشياء قد أشرطنا على أنفسنا أن لا نتعرض لها،و انّ الشرك في بني آدم أخفى من دبيب النمل في اللّيلة الظلماء ،و لكن ذلك يكفي لمن يترعرع عن صبوة العلم الى مبلغ الرجال و قنع من اللّب بقشر الأقوال،و أمّا الخائضون في لجج هذا لبحر العميق و الغائصون في طمطام هذا الزخار بالتحقيق، فقد نجّاهم اللّه عن شبائك الشرك الخفي،و هداهم الى أرائك التوحيد الجلي،فهم على سرر متقابلين،و على رفرف خضر متقائلين ،يتفكّهون بإبطال القول بالإيجاب بأنحائه سواء كان في أفعال العباد أو في أفعاله،و يتنعّمون باستحالة القول بالتشريك مطلقا لا في أفعاله و هو واضح،و لا في أفعال العباد كما نفاه-عليه السّلام-في هذا الخبر بقوله:«فلا ينبغي للشريك»الى آخره،و يحكمون بأنّ الملك للّه،و لا حول و لا قوة الاّ باللّه،فكما انّ العبد و كلّ شيء موجود باللّه،بل شيء باللّه، كذلك هو قادر باللّه مستقل بالفعل باللّه،مستطيع باللّه،شاء لما يشاء بمشية اللّه بل
باللّه،مريد لما يريد بإرادة اللّه بل باللّه،لا انّ القدرة مسلوبة عن العبد بالكلية كما زعمته الجهميّة لمخالفته البديهية العقلية و الشريعة الإلهية،و لا انّ هاهنا قدرتين: إحداهما غالبة و الاخرى مغلوبة لاستلزامه القول بالظلم و الاثنينيّة،و لا انّ هناك علّتين موجبتين قريبة و بعيدة،لأنّ هذه كالسابقة في المفسدة،و لا انّ أصل القدرة كافية في ترتيب العقاب دون الاستقلال بها لأنّ الذي أعطى القدرة لا يضرّ بسلطانه إعطاء الاستقلال سواء بسواء،و لا ينافي ذلك كون أزمّة الامور بيده تتعالى،و لا يلزم منه استقلال العبد بفعله دون اللّه،تعالى اللّه من أن يجرى في ملكه الاّ ما يشاء.و الذي يكشف قناع الحق عن وجهه،و به حصص الحق عن محضه، ان تطلّع على مذاهب أهل التوحيد من القائلة بالأمر بين أمرين: [كلام في الاحتمالات لتصحيح الأمر بين الأمرين] فاعلم انّ هاهنا احتمالات لتصيح الأمر بين الأمرين.
أحدهما، انّ المنتحلين للتوسط‍ من القائلين بالإيجاب السابق من العلّة الفاعلة جعلوا الأمر بين فاعل قريب مباشر هو العبد و فاعل بعيد هو اللّه،و قد عرفت حالهم في تفصيل مذهب أهل الجبر؛
و ثانيها، انّ بعضا من أساتيد الأعلام قرّر ذلك و حقّقه في رسالته المعمولة لذلك،على انّه كما كان وجود الخلق وجها من وجوهه جلّ شأنه،و شأنا من شئون ذاته كذلك صفاتهم و أفاعيلهم أثر من آثار كمالاته و طور من أطوار سلطانه،فكما انّ الوجود ينسب الى العبد و هو في الحقيقة للّه تعالى،كذلك الفعل بعينه،فجعل الأمر بين أن ينسب الى العبد بوجه و الى الرّب بوجه آخر،فجعل
الفاعل واحدا و الانتساب مختلفا،و هذه كما ترى،لكن نحن لا نتعرّض للمفاسد الّتي فيها.
و ثالثها، ما يقال:انّه قد قامت البراهين الّتي لا تحوم حوم حريمها شبهة الشياطين،انّه يمتنع أن يكون في الوجود ذاتان مستقلّتان بالتذوّت سواء كان من الحقائق الجوهرية و العرضية و غيرهما،بل هاهنا ذات واحدة تتذوّت بها الذوات و تصير بها الأشياء ذوات ماهيات.و كما انّ ليس لها ذوات دون ذلك المذوّت للذّوات كذلك ليس لها صفات دون هذا الجاعل للماهيّات،و كذا ليس لها أفعال و لا آثار و و لا أحكام دون ذلك القيّوم ذي الجلال و الإكرام،فالصفات صفات به و الأفعال أفعال به كما انّ الذوات ذوات به،و إذا قطع النظر عنه فليس هناك شيء من ذات و لا صفة ،و إذا نظرت الى صفة من الصفات التي يوصف بها واحد من هذه الموضوعات كقدرة زيد،و كذا الى فعل من الأفعال الّتي تنسب الى عامل من هؤلاء العمّال فهي له بالحقيقة من دون مشارك من أبناء نوعه و لا آباء عينه،و إذا نظرت الى هذه الصفة و ذلك الفعل من حيث تذوّتها و تحقّقها بالمبدإ الأعلى الّذي له الأسماء الحسنى و الصفات العلى فالكلّ منه تعالى،لكن يجب أن يعلم انّ الفعل الصادر من هذه القدرة إذا اعتبرت من حيث انّها صفة لزيد حقيقة فهو ممّا يوصف بالحسن و القبح،لأنّ ذلك من أحكام هذه الموطن لا محالة،و اذا اعتبرت من حيث انّها شأن من شئون القدرة القديمة فلا يوصف بالحسن و القبح؛و لا ينافي ذلك عقليّتهما كما لا ينافيهما اختلاف الشرائع بحسب الأزمنة.
و رابعها، ما يقال من المستبين عند المهرة في الحكمة المتعالية انّ الذّوات
و الوجودات كما ابتدأت من مبدأ الكلّ الأعلى متنازلة الى ما لا أسفل منه في عالم الشهادة كذلك الصفات التابعة لكمال الوجود لا لنقصانه و الآثار المترتبة عليها ترتّبت متسافلة الى ما لا أنزل منه في طبقات السفالة،لا بمعنى أن تصير الذات الواحدة ذوات متعددة و لا انّ صفة وحدانيّة تصير حقائق متكثّرة فانّ ذلك بديهي الاستحالة،و لا أن تتحصّل من ذات واحدة أو صفة واحدة ذوات متخالفة مستقلة،فانّ ذلك ممّا أبطله برهان التوحيد،بل ليس هناك الاّ ذات واحدة تتراءى بحسب كمالاته المترتبة حقائق متخالفة،و كذا ليس هاهنا الاّ صفات تلك الذّات الواحدة تتجالى بحسب تجلياتها المتنزلة في أوصاف متكاثرة كما قيل:«و ليس شأن الاّ و فيه شأنه»فكما انّ زيدا شأن من شئون الحق كذلك فعله شأن من شئون أفعاله و لا يلزم من ذلك صدوره عن الحق و لا انّ ذلك فعله.
أقول:و هذان الطريقان لا يخلوان من شيء،كما لا يخفي على اولي الأبصار.
و خامسها، أن تتعرّف:
أوّلا، انّه لا يمكن أن يكون لشيء واحد وجودان سواء كان كلاهما وجودا في نفسه أو أحدهما كذلك و الآخر رابطي،و الاّ لكان لشيء واحد ذاتان مع انّ في الثّاني يلزم أن لا يكون هو مربوطا بل يكون غيره بوجود غير وجوده مربوطا فله وجود واحد،باعتبار وجود في نفسه و باعتبار آخر وجود رابطي،نعم في بعض الأمور يكون الاعتباران واحدا و هذا هو الحق الّذي لا مرية فيه.
و ثانيا، لزيد مثلا وجود في عالم الجسم و هو كونه موجودا حسيّا و إنسانا طبيعيّا،و وجود في عالم النفس و هو كونه موجودا روحيّا ذا نفس ناطقة،و وجود في عالم العقل و هو كونه إنسانا عقليّا،و وجود في عالم الإله تعالى شأنه و هو كونه موجودا باللّه شيئا باللّه،و وجوده باللّه هو وجوده في نفسه و الاّ لكان مستقلاّ
بالوجود دون اللّه،و ذلك شرك و كفر،فلا وجود و لا ذات لشيء الاّ باللّه،و لا حول و لا قوّة الاّ باللّه العليّ العظيم.
و ثالثا، قد عرفت انّ الوجود لزيد واحد،لكن له اعتبارات،و يجب أن تعلم انّه مع كل اعتبار له حكم تباين أحكام الاعتبار الآخر بالحقيقة مباينة لا يكاد يجمع اثنين منها في مفهوم واحد،مثلا له مع الوجود العقلي التجرد المقدّس عن الأكوان،و مع الوجود الحسّي مادي جسماني ذو وضع الى غير ذلك من الغواشي المادية،مع انّ وجوده واحد؛فاعتبروا يا اولي الأبصار.
و رابعا، من المستبين انّ انتهاء سلسلة الوجود الى المبدأ الأوّل تعالى شأنه لا يوجب استناد صدور أفاعيل العباد إليه،سيّما إذا لم يكن موجبا-بالكسر-كما بينّاه و هو ظاهر و كذا لا يوجب تذوّت كلّ شيء به،و قيّوميته لكلّ شيء أن يكون صادرا منه تعالى،لأنّه«مع كل شيء لا بمقارنة و غير كل شيء لا بمزايلة» و معنى ذلك انّه بذاته منزّه عن كل شيء و هو«خلو من خلقه و خلقه خلو منه» ففي كل مرتبة من مراتب كمالاته له أحكام ليس في المرتبة السابقة و لا اللاّحقة ،و على هذا ففي مرتبة وجود زيد ليس الاّ زيد لا غير،و كذا في مرتبة كل موجود؛و هذا قول بعض أكابر أهل العرفان انّه محدود بحدّ كلّ محدود،فلا يتصوّر هناك تشريك و لا جبر،فليس الفاعل الاّ زيد و ليس المجزيّ الاّ هو و تعالى اللّه عمّا يشركون.
و خامسا، من المستقرّ في مقرّه انّه لا يكون شيء في أرض أفاعيل الخلق و لا في سماء أفعال اللّه الاّ بسبع خصال هي علامات الربوبية و أعلام السلطنة الإلهية،كما
قد ورد في الأخبار المتضافرة عن الأئمة الطاهرة-صلوات اللّه عليهم-و هي: المشية و الإرادة و القدر و القضاء و الإذن و الكتاب و الأجل ،و قد سبق بذلك الكتاب،و هي واجبات التحقّق في المكوّنات لا موجبات.و سرّ ذلك على ما خصّني اللّه لفهمه بفضله:انّ اللّه خلق النفس الكلية لتدبير العالم على النظام الأكمل الأتمّ و هي الّتي تنبعث منها النفوس الجزئية الأرضية و السماوية برمّتها، و جعلها مضرب سرادقات جبروته،و مظهر مشيته،فانبسطت المشية الكلية حسب انبساط‍ النفوس في بواطن الأشياء كلّها و في ذلك ورد في القدسيّات:«يا ابن آدم بمشيّتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء» و خلق من النفس الطبيعة الممسكة لنظام العالم و جعلها منبع إرادته كما في توحيد المفضل ان الطبيعة تفعل بإرادة اللّه فتفرقت الإرادة كل مذهب حيث ما تفرّقت الطبيعة و في ذلك ورد «بإرادتي كنت أنت الّذي تريد لنفسك ما تريد» و خلق من الطبيعة الكلية الصورة و جعلها موضع تقديره و في الخبر:«و أمّا القدر فتقدير الشيء من طوله و عرضه» و لا ريب انّ الصورة يلزمها المقدار التعليمي فأحاط‍ القدر كلّ ذي مقدار،و جعل المقدار محلّ نزول قضائه،و في الخبر«و بالقضاء أبان للناس أماكن الأشياء فإذا قضى أمضاه» أي أذن له بالدّخول في الوجود،فيكتب في لوح المادة الشخصية
الّتي هي كتاب المحو و الإثبات و موطن الكائنات الفاسدات.ثمّ انّه وضع لكلّ كائن مقدارا من زمان الوجود و هو أجله كما قال عزّ من قائل لِكُلِّ أَجَلٍ كِتٰابٌ `يَمْحُوا اَللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتٰابِ و هو لوح النفس الكلية.و لست أظنّك أن تكون ممّن شككت في تحقّق هذه الخصال في الجواهر لأنّها ترتّبت من المرتبة النفسية متسافلة الى ما هاهنا،و كذا في الأعراض الّتي هي من صنع اللّه،لأنّها أيضا انّما تأتي من هناك كما في الأخبار:انّ«نور اللّه أحمر منه احمرّت الحمرة» الى غير ذلك من هذا القبيل؛و أمّا الأعراض التي هي من أفعال العباد فانّها انّما صدرت من النفس الجزئية من حيث انطباعها بمرتبة الطبيعة حسب إرادتها بتحريك آلات جسمانية متكمّمة في حصّة من الزمان،فتحقّقت هذه الخصال في أفعال العباد أيضا و هي كلّها من تدبير اللّه و غلبة سلطانه.و لا يلزم من ذلك استناد فعل العبد الى اللّه لا بواسطة و لا بغير واسطة،لأنّ كليّات تلك الخصال الّتي هي من لوازم الألوهيّة و علامات الربوبيّة ممّا توجد جزئيّاتها في العبد،من حيث انّ وجود العبد انّما تألّف منها و لا يخرج عنه شيء منها،لا انّها تعلّقت بأفعال العباد،كما تتعلّق مشيتنا مثلا بفعل غيرنا من أمثالنا،كما يتوهّمه الأكثرون،لأنّ ذلك تشريك في المشيّة أو في الفعل فتلزم أن تكون هاهنا مشيتان و إرادتان-مشية اللّه و مشية العبد-أو إرادتان أو فعلان.و كلّ ذلك مستحيل في مشرب أهل التوحيد، و تعاضده الأخبار كما هو غير خاف على من تتبّع الآثار،بل ليس هاهنا الاّ مشية واحدة هي للعبد حقيقة،لكنّها إحدى مظاهر مشية اللّه تعالى.و بهذا الاعتبار تسمّى«مشيّة عزم»و من ذلك يتصحّح قوله تعالى: وَ مٰا تَشٰاؤُنَ إِلاّٰ أَنْ يَشٰاءَ اَللّٰهُ أي بعين هذه المشية.و ما ورد في القدسيات:«بمشيّتي كنت أنت الّذي
تشاء لنفسك ما تشاء» و قد عرفت أيضا انّه لا وجوب من العلّة الاولى سابق،لا في أفعاله سبحانه و لا في أفعال العباد،فلا جبر أصلا و هو ظاهر،و لا تفويض إذ لم يخرج شيء عن مشية اللّه و إرادته و بالجملة من تدبيره،فلا يصحّ انتساب أفعال العباد إليه،لا انفرادا و لا تشريكا،و لا حقيقة و لا مجازا،و كذا كون العبد موجودا باللّه،قادرا باللّه،مستقلا باللّه قويّا باللّه،مستطيعا باللّه،لا يوجب أن يكون الفاعل لفعله هو اللّه كما بيّنّا في الأصول السابقة.و هذا هو الأمر بين أمرين الذي نحن عليه،لست أعني بذلك انّه أمر بين فاعلين كما زعمته طائفة،و لا انّه أمر مركّب من الجبر و التفويض،و لا انّه من جهة جبر و من جهة اخرى تفويض،فانّ ذلك كفر و شرك بل بمعنى انّه ليس فيه شائبة من الجبر أصلا لا بالذات و لا بالاعتبار،و لا فيه أثر من التفويض و استقلال العبد بالفعل و لا بشيء أصلا،بل هو أمر خارج عنهما متوسّط‍ بينهما بهذا المعنى،إذ ليس هما طرفي نقيض حتّى لا يتحقّق الخارج عنهما.
[شرح الحديث] إذا عرفت هذا،فاعلم انّ الإمام-عليه السّلام-ذكر الاحتمالات الممكنة في أفعال العباد باعتبار مدخلية فعل اللّه و عدمها،و هي أصول المذاهب في هذه المسألة و مرجع عقائد كلّ ذاهب من أرباب الآراء المختلفة،فقوله-عليه السّلام-: «إمّا أن يكون من اللّه»إشارة الى مذهب أهل الجبر من الجهميّة و الأشاعرة و من يحذو حذوهم و الواو في قوله:«و ليست منه»و نظائره في الفقرتين الأخيرتين للحال،و هو إشارة الى بطلان هذا المذهب.و قوله:«فلا ينبغي للكريم»دليل على
البطلان،بيانه،مع قطع النظر عن استلزامه بطلان الثواب و العقاب و التكليف و الشرائع و أن لا تتوجّه الى المحسن محمدة و لا الى المسيء مذمة ،بل كما في الخبر يكون المحسن أولي بالإساءة و المسيء أولي بالإحسان،لأنّهما اضطرّا الى ذلك، يلزم أن يكون اللّه تعالى-مع غنائه عن العالمين و عن تعذيبهم و كرمه بحيث يعامل العباد على التفضّل-يعذّب عبده بما لا يفعله ذلك العبد،بل فعله هو على يديه او اضطرّه الى ذلك،و هذا ليس من العدل فضلا عن التفضّل و الكرم.
قوله:«و إمّا أن يكون من اللّه و من العبد»إشارة الى مذهب أبي الحسين و كلّ من قال بالوجوب السابق من العلّة الأولى،و الى من قال بالتشريك في الفعل سواء كان بالحقيقة أو باختلاف الجهة و بالجملة،الى مذهب من زعم انّ معنى الأمر بين أمرين كون الفعل بين فاعلين أو مركب من الجبر و التفويض.و قوله:«و ليس كذلك»إشارة الى بطلان هذه الآراء.
و قوله:«فلا ينبغي للشريك القوي»استدلال على بطلانها،بيانه:«انّ اللّه جلّ مجده جعل في جبلّة عالم الطبيعة انّ المشاركين في عمل من الأعمال يتشاركان في الجزاء،و ذلك من سنة اللّه الّتي لا تبديل لها،فلا ينبغي إذا كان هو سبحانه مجازيا أن يكافئ الشريك الضعيف الغير المقتدر على المعصية التي اشتركا فيها مع انه قد تقرّر في مظانّه انّ اللّه المتفرّد بالملك و السلطان و لا يشركه شيء في شيء من الذات و الصفة و الفعل.و ليعلم ان التقييد«بالقوي»ليس باعتبار الشراكة بل هو صفة للشريك سواء كان قويّا في الشركة أو مساويا أو ضعيفا،لكنه قوي باعتبار انّه يقتدر على المجازاة و المكافات دون الآخر.و يحتمل أن يكون قيدا للشريك على انّه لو كان اللّه جلّ جلاله شريكا لشيء في أمر لكان الأليق بجنابه أن يكون قويّا
في الشركة،لأنّ يده أقوى من كلّ يد.
و قوله:«و إمّا أن يكون من العبد»إثبات للمذهب الحق.و قوله:«و هي منه» تعيين له و تصديق لذلك.و لا يتوهّمنّ انّ ذلك يشتمل التفويض و المذهب الحق كليهما،لأنّه من المقرّر من مذهب أهل البيت-عليهم السّلام-انّه لا يخرج شيء من أفعال العباد عن تدبير اللّه و تعلّق الخصال السبع به،مع كونه صادرا من العبد و ذلك بخلاف القول بالتفويض،فانّ القائل به لا يقول بمطابقة ذلك لتدبير اللّه و مشية اللّه و أمثال ذلك،و سيجيء تفاصيل هذه المباحث مع تحقيقات شريفة متعلّقة بها في الأبواب الّتي تذكر في آخر الكتاب إن شاء اللّه العزيز .

divider