شناسه حدیث :  ۳۱۰۲۱۷

  |  

نشانی :  التوحيد  ,  جلد۱  ,  صفحه۹۶  

عنوان باب :   5 باب معنى التوحيد و العدل

معصوم :   امام صادق (علیه السلام)

حَدَّثَنَا أَبُو اَلْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَزِيزٍ اَلسَّمَرْقَنْدِيُّ اَلْفَقِيهُ بِأَرْضِ بَلْخٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ اَلزَّاهِدُ اَلسَّمَرْقَنْدِيُّ بِإِسْنَادِهِ رَفَعَهُ إِلَى اَلصَّادِقِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ : أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ إِنَّ أَسَاسَ اَلدِّينِ اَلتَّوْحِيدُ وَ اَلْعَدْلُ وَ عِلْمُهُ كَثِيرٌ وَ لاَ بُدَّ لِعَاقِلٍ مِنْهُ فَاذْكُرْ مَا يَسْهُلُ اَلْوُقُوفُ عَلَيْهِ وَ يَتَهَيَّأُ حِفْظُهُ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَمَّا اَلتَّوْحِيدُ فَأَنْ لاَ تُجَوِّزَ عَلَى رَبِّكَ مَا جَازَ عَلَيْكَ وَ أَمَّا اَلْعَدْلُ فَأَنْ لاَ تَنْسُبَ إِلَى خَالِقِكَ مَا لاَمَكَ عَلَيْهِ .
زبان شرح:

شرح توحید الصدوق / قاضی سعید قمی ; ج ۲  ص ۱۳۴

شرح: ضمير«علمه»يرجع الى كلّ واحد من التوحيد و العدل أو الى المجموع باعتبار وحدتهما و تلازمهما كما عرفت.و الضمير في«منه»يعود الى«العلم».قوله: «فاذكر»«صيغة الأمر و«يسهل»على وزن«يحسن»مجرّدا.
اعلم انّ هاهنا مقامين:أحدهما في معنى التوحيد و العدل و البرهان على ثبوتهما للّه تعالى،و الثاني في أفعال العباد و كيفية خلقها.فهذا الخبر و ما ذكر في نهج البلاغة عن مولانا أمير المؤمنين-عليه السّلام-انّه قال:«التوحيد أن لا تتوهّمه و العدل أن لا تتّهمه» ،لبيان المقام الأوّل،و الخبران الآخران لبيان المقام الثاني.أمّا الكلام في الأوّل فيبيّن في فصلين.
الفصل الأوّل في معنى التوحيد و قد أفصح عنه قوله عليه السّلام في هذا الخبر:«التوحيد أن لا تجوّز على خالقك ما جاز عليك»و قول مولانا عليّ-عليه السّلام-في الخبر الّذي نقلناه عن نهج البلاغة:«التوحيد أن لا تتوهّمه»و من البيّن انّ النّهي للتحريم لمعاضدة البرهان العقلي،و«التجويز»القول بالجواز،و هو مقابل الامتناع،فعدم الجواز هو الامتناع،فيدلّ على كمال الحرمة و شدّتها و على نهاية الاستحالة و تأكّد الامتناع كما لا يخفى.و هذا الكلام نظير ما سبق في خطبة مولانا الرّضا-عليه السّلام-حيث قال:«فكلّ ما في الخلق لا يوجد في خالقه و كلّ ما يمكن فيه يمتنع من صانعه»
و قد ذكرنا هناك في شرحه ما يروي الغليل و يشفي العليل و لنذكرها هنا من الفوائد ما يثنّي العوائد.
الفائدة الاولى [في بيان وجوب مباينة المفعول لفاعله] انّ هذا الخبر يدلّ على وجوب مباينة المفعول لفاعله،فإن كان الفاعل فاعلا للكلّ وجب مباينة الكلّ في الكلّ،و إن كان فاعلا على الخصوص وجب التباين بالذات دون الامور الاخر.و تفصيل ذلك:انّ فاعل كلّ شيء يجب أن يكون مباينا لما يفيض منه.فإن كان الفائض منه الشيئيّة و الوجود و سائر ما يتبعهما وجب أن لا يكون للفاعل من تلك الماهيّة و لا من سنخ ذلك الوجود أثر و لا نصيب،و إن كان فاعلا للجوهريّة المطلقة وجب أن لا يكون جوهرا أصلا،و إن كان فاعلا للجوهريّة الخاصّة وجب أن لا يكون له من سنخ تلك الجوهرية و هكذا،فالفاعل لماهيّات الأشياء يجب أن لا يكون ذا ماهية أصلا،و الفاعل لوجودات الأشياء يمتنع أن يكون له من سنخ هذه الوجودات.
و البرهان على ذلك:انّ الجاعل انّما يجعل ماهيات الأنواع و ذوات الأشياء،لأنّ العناية الإلهية تقتضي وجود الأنواع لعدم بقاء الشخصيات،و كونها مقصودة بالذات،و لكون الجنس فى كمال الإبهام فلا يصحّ أن يكون هو بهذه الجهة مقصودة بالذات و أوّلا،لكن لمّا لم يمكن وجود النوع الاّ بأن يتحقّق جنسه أوّلا، كان الجنس مقصودا لأجل النوع،سيّما«القريب»منه.
و ممّا قلنا ظهر صحّة ما ذهب إليه الاستاد من انّه مباينة العلّة مع معلولها في
النوع و في الجنس القريب دون البعيد لبعده عن القصد.و عندي انّ ما ورد في الأخبار من توارد الملائكة على النطفة حين تقلّبها في الصور،إشارة الى ذلك،بمعنى انّ مفيض الصور النامية يفعل فعلها الى أن يستعدّ قريبا للصور الحيوانيّة،ثمّ يقع التدبير الى مفيض تلك الصور الى أن يستعد للصورة الإنسانية فتجيء الملائكة الموكّلون بذلك التدبير الى أن يتمّ الأمر؛نعم،لمّا لم يكن للأنواع وجود الاّ بالأشخاص كانت هي مقصودة بالعرض و التبعيّة،فالفاعل لنوعية الشيء يستحيل أن يكون من سنخ ذلك النوع و الاّ لكان فاعلا لنفسه،و هذا في كمال الوضوح عند من سلمت حروف مداركه عن الهمز إلى الباطل و تضعيف الجهل و آثار العلّة، و هكذا يتدرّج الحكم الى إنّ فاعل الشيئية و الوجود يجب أن لا يتّصف بهما،بل له من ذلك ما هو أعلى و أشرف منهما،فالمبدأ الأوّل و فاعل الكلّ تعالى شأنه شيء لا كالأشياء و موجود لا كالموجودات؛هذا هو المستفاد من الفقرة الأولى من هذا الخبر.
الفائدة الثانية [في انّ فاعل الشيء يجب أن يكون أشرف من الشيء] انّ فاعل الشيء يجب أن يكون أشرف درجة و أعلى مرتبة من ذلك الشيء، لأنّ المعلول من فروعات العلّة و توابع كمالاتها و الفيض يصل منها إليه،فهي الأصل في كلّ شرف و كمال،و هي يستفيض منه على الاتّصال؛و يظهر من ذلك انّ المعلول يمتنع أن يحيط‍ بذات العلّة على التمام،لأنّ الإحاطة بها يوجب أن يكون هو فوق مرتبتها و من البيّن انّ العلم إمّا نفس الإحاطة العقلية أو مستلزم لها، فالمعلول ليس من شأنه الإحاطة العلمية بالعلّة.
و تفصيل ذلك: انّه إن كان المعلول معلولا بماهيّته و شيئيته و وجوده و جميع كمالاته فلا يمكن أن يحيط‍ بشيئية العلّة و ماهيّتها و وجودها،و إن كان معلولا بجوهريّته الخاصّة فلا يتأتّى له الإحاطة بالعلّة من هذه الجهة؛نعم حينئذ يمكن له الإحاطة بها من حيث الشيئية و الوجود و غيرهما من الأمور الّتي ليس من جهتها معلولا و مجعولا؛فالفاعل على الإطلاق يستحيل أن يحيط‍ به المعلولات بوجه من الوجوه اللّهمّ الاّ بطريق المقايسة.و يمتنع لها أن تحيط‍ بصفات الفاعل المطلق اللّهم الاّ من جهة الإقرار.فالمبدأ الأوّل الّذي هو الفاعل المطلق يمتنع أن يدخل في وهم و لا عقل و لا في شيء من الأشياء،فإذن،لا يحيطون به علما و هذا هو المستفاد من الفقرة الاولى للخبر الّذي روينا عن مولانا أمير المؤمنين-عليه السّلام-من قوله: «التوحيد أن لا تتوهّمه».
الفائدة الثالثة في بيان منافاة إحاطة الوهم بالمبدإ الأوّل و تجويز ما جاز على الخلق على الفاعل المطلق عزّ و جلّ،للتوحيد الحقيقي و التفريد الخاصي أمّا المنافاة في الأوّل و ذلك لأنّه لا يتحقّق العلم الاّ أن يكون في العاقل شيء من المعقول لاستحالة تعقّل الشيء الخارج من كلّ وجه،و لضرورة التفاوت بين الحالتين-الحالة السابقة على الحضور و الحالة التي بعد الحضور و الشهود-و إذ قد استحال حصول الصورة كما بيّنّا مرارا فالتعقّل هو رجوع النفس الى ذاتها لتعقّل الأشياء،لست أعني انّ الشيء المعقول يدخل في ذات الشيء العاقل،لأنّ هذا مستحيل ضرورة،بل على معنى انّه يستدعي التعقّل أن يكون العاقل مشتملا على المعقول اشتمال الشيء على الكمالات الباطنة الّتي ظهرت منه،و الآثار الكامنة الّتي برزت منه،بأن يكون المعقول من مفصّلات ما أجمل في العاقل،و هذا في تعقل العلّة لمعلولها،أو اشتمال الشيء على أجزائه و الأمور الموجودة فيه كاشتمال الإنسان على أجزائه الذّاتيّة و أحواله العارضة،و هذا هو المراد باتّحاد العاقل و المعقول الموروث عن الأقدمين.و شرح ذلك طويل و قد ذكرنا نبذا من ذلك في السوالف.و بالجملة، فالتعقّل يستلزم الاشتراك تحت مفهوم من المفهومات على الثّاني و علّيّة العاقل على
الأوّل و كلاهما ينافي في التوحيد الخالص.
و أمّا المنافاة في الثاني،فلأنّ جواز إطلاق ما يجوز على الممكن على اللّه تعالى يوجب تشريك بالغير معه و تشبيه الغير إيّاه،و ذلك ينافي في التوحيد الخالص عن شوب الشرك،و يخالف الوحدة الحقيقية المنزّهة عن توهّم الشبه و المثل.
الفصل الثاني في معنى العدل و هو الركن الثاني من الخمسة و قد أعرب عن تحديده قوله-عليه السّلام-في هذا الخبر الّذي كنا يصدر شرحه:«و العدل أن لا-تنسب إليه ما لامك عليه»و قول مولانا أمير المؤمنين- عليه السّلام-في الخبر الّذي روينا عنه:«و العدل أن لا تتّهمه» و مرجع الخبرين الى معنى واحد لأنّ«التهمة»على وزن«الهمزة»نسبة فعل أو صفة الى أحد لم يفعل ذلك الفعل و لم يتّصف بتلك الصفة.و اللّه لا يفعل القبيح و الشر و لا معاصي العباد و لا يوصف بالظلم و سائر الصفات الذميمة كما سيجيء،و نهى العباد عنهما، و هذا هو معنى«أن تنسب إليه ما لامك عليه»فلنتكلّم في مقدّمة و مقاصد: و أمّا المقدّمة:ففي ذكر ما ينافي القول بالعدل اعلم انّه اتفقت كلمة أهل الإسلام،بل أرباب الأديان،بل أصحاب الآراء القائلين بالتوحيد على انّ اللّه[1]لا يوصف بالظلم و انّه لا يظلم مثقال ذرّة، و[2]انّ الشرّ ليس من اللّه مع انّ الكلّ من عنده،و[3]انّه لا يفعل القبيح و[4]لا يرضى لعباده الكفر و[5]انّه لا يضطرّ في فعله بل يجب اتّصافه
بالاختيار مطلقا؛ثمّ اتفقوا و أجمعوا-أي المسلمون-على انّ القول بذلك من ضروريّات الدين،و انّ المنكر لها أو لبعضها خارج عن زمرة المسلمين؛فبعد ذلك الاتّفاق و الإجماع تحزّبوا أحزابا و تفرّقوا أيدي سبا ،فأكثر الطوائف المتّسمين بالإسلام اكتفوا في الأربعة الاول بنفي الاسم و أثبتوا المسمّى،بناء على أصولهم، و قالوا بأفواههم ما ليس في قلوبهم،و هؤلاء كالأشعرية و أضرابهم،فانّهم و إن نفوا القول بالظلم و القبيح و غيرهما،لكنّه يلزمهم ذلك عند العقلاء،كما قد فرغ منه في الكتب الكلامية و غيرها.
و أمّا المقام الخامس و هو إجماع الملّيين بوجوب اتّصافه سبحانه بالاختيار، فزعم بعضهم انّ الثابت في ذلك من ضروريات الدّين هو المعنى المقابل للإيجاب الطبائعي أي ما يصحّ معه الفعل و الترك بالنظر الى الذات فقط‍،فيكفي عندهم في حقّية الشرائع كون أفعاله تعالى على وفق الداعي و طبق الحكمة و المصلحة و إن كانت لازمة له لا ينفكّ عنه،و طائفة لم يرضوا بذلك،بل اعتقدوا انّه مع ذلك يجب القول بالاختيار بالمعنى المقابل للإيجاب بمعنى امتناع الانفكاك أيضا،و هو ما يصحّ معه الفعل و الترك بالنظر الى الداعي في وقت و إن كان وقتا موهوما و لا ينافيه الوجوب السابق في وقت آخر،و انّما المنافي وجوب ذلك في جميع الأوقات،و ذلك لإطباق أصحاب الوحي على الإخبار بالانفكاك فكان ضروريّا لجميع الأديان، لكن تلك الطائفة لم يبالوا بإيجاب شيء عليه تعالى بالنظر الى الشرائط‍ وجوبا سابقا،إذا لم يستدع المقارنة في جميع الأوقات لأنّه قد ثبت نفيها بإجماع الأنبياء. و هاهنا شرذمة قليلون تفطّنوا بفطرتهم الصافية و عقيدتهم السليمة المرتاضة، اقتفاء لآثار أئمتهم الطاهرة-صلوات اللّه عليهم-بأنّ اللزوم و الوجوب السابق
لا سبيل لهما في حضرة الكبرياء،و انّه لا يلزمه شيء من الأشياء،و لا يلزم هو شيئا،و انّ ذلك ينافي استحقاق المدح الّذي هو مناط‍ استحقاق العبادة،فحكموا بأنّ الاختيار اللائق بجنابه تعالى هو ما يصحّ معه الفعل و الترك بالنظر الى الذّات و الى الداعي و الشرائط‍ في جميع الأوقات،و نفوا عنه الإيجاب بجميع أنحائه و معانيه و هذا هو الحق الّذي نحن عليه و نحمد اللّه،على ما هدانا إليه في تقليد أحكام أهل البيت-عليهم التحيّة و التسليم-و اجتهاد عقولنا في سلوك سبيل البرهان القويم و سوف نقرع سمعك بما يزيح الشك من طبعك،و من اللّه العون في الخلاص عن المهالك،انّه القدير على ذلك.فبالحريّ أن نتكلّم في المقامين:الأوّل في انّه لا يجوز نسبة الظلم و الشرّ و القبيح و أنحاء الإيجاب الى اللّه و أفعاله تعالى،و الثاني في أفعال العباد و كيفية خلقها و سيجيء الكلام في المقام الثّاني في شرح الحديث الثاني إن شاء اللّه و أمّا المقام الأوّل،فنذكر في بيانها مقاصد قد وعدناك الكلام فيها بعد المقدّمة.و عليك أن تضع جلباب الاعتساف و تلبس شعار الإنصاف.
المقصد الأوّل في بيان الترجّح بلا مرجّح و الترجيح بلا مرجّح و ترجيح المرجوع و القول الفصل فيها أمّا الأول،فامتناعه واضح بيّن بالبداهة العقلية و لست أرى من أهل العقل من ينكر ذلك،اللّهمّ الاّ من هو خارج عن الفطرة الإنسانية،داخل في زمرة السوفسطائيّة.
و أمّا الثّاني و الثالث فمعركة للآراء و مدحضة للأهواء:فطائفة أفرطوا و توغّلوا و حكموا بامتناعهما مطلقا،و طائفة فرّطوا و قصّروا و حكموا بجوازهما مطلقا،و فرقة اختاروا الوسط‍ من الطرفين و حكموا بأمر بين أمرين و قالوا:انّما المحال هو الترجيح بلا مرجّح و الترجيح لمرجوح من غير داع مختص،أمّا إذا كان مع الطرف المختار داع سواء ساوى داعي الطرف المقابل أو ضعف عنه فلا استحالة.
و محصّل أقوال المفصّلين انّه لا بدّ أن يكون في كلّ من الطرفين داع مختصّ به، مرجّح لإيقاع الفاعل المختار إيّاه و لا يجوز خلوّ طرف عنه،أقلّ ذلك خيريّة الوجود في طرف الفعل و أصالة العدم في مقابله،فيجوز للمختار في كلّ صورة أن يختار كلّ واحد من الطرفين باعتبار ما فيه من الداعي المختصّ سواء فرض الداعيان متساويين في القوّة و الضعف أو مختلفين فيهما حتّى انّه لا يمتنع أن يرجّح المختار طرفا بسبب الداعي الضعيف مع وجود القويّ في مقابله،و ليس هذا بترجيح المرجوح مطلقا بل هو ترجيح مرجوح من جهة،راجح من جهة اخرى باعتبار الرجحان المذكور و هو جائز،بل واقع كما في المسلم الفاسق.
و القائلون بالامتناع المطلق تمسّكوا تارة بالبديهة و هو نهاية في العصبية،كيف و المجوّزون في الجملة،جماعة من أرباب الذكاء و الفطنة و تارة أخرى باستلزام الترجيح للمرجوح للترجيح بلا مرجّح،و استلزام الترجيح بلا مرجّح للترجّح من غير مرجّح،و هو ممتنع بالضرورة الاتفاقية؛أمّا الأول فلأنّه لو لم يزد الترجيح للمرجوح على الترجيح من غير مرجح في الامتناع فلا أقلّ من أن يكون مثله، لأنّه ترجيح بلا مرجّح أيضا،و أمّا الثّاني فلأنّ الترجيح من غير مرجّح ترجح للاختيار من غير مرجّح،و هو بديهيّ البطلان فكذا المستلزم له محال،لأنّ المستلزم للمحال محال.و أجيب:بأنّ هذا الاستلزام انّما يصحّ مع عدم الدّاعي مطلقا،أمّا مع وجوده-و إن كان ضعيفا-فغير مسلّم و قد أعرضنا عن ذكر الأمثلة و استدلال الأطراف بها و القدح فيها،لعدم كثرة جدواه فانّ مقام البرهان أعلى من أن يتمسّك فى مقابله بالأمثلة و أمثالها،هذا خلاصة ما في أيدي هؤلاء و لم يحيطوا بأكثر ممّا نقلنا علما.
و عندي انّ الحقّ في ذلك مع الامّة الوسط‍ و الخير في النمط‍ الأوسط‍،و هم و إن لم يبلغوا حقّ المرمى،لكنّهم أخصب سهاما،و إن اشتهيت القول الفصل و الصواب،
فاستمع الي من يقرع ذلك الباب،و أظنّك ما سمعته من شيخ و لا شاب،و لا رأيته في دفتر و لا كتاب.
اعلم انّ جميع هذه المخاصمات انّما نشأت من قياس الغائب على الشاهد و ذلك طريق قلّما يوصل سالكه الى خير الموارد،سيّما الغائب عن درك العقول و الأوهام، و الخارج عن القياس و الأحكام؛فبالحري أن تكون ممّن تيقّنت انّ الفاعل المطلق و الفيّاض الحقّ فاعل بنفس ذاته العالمة القادرة المختارة الغنيّة عن العالمين،لما ثبت من تناهي العلل الى ما هو علّة بالذات و فاعل بذاته،و من المستبين انّ الفاعل بذاته هو ما كان فاعلا بنفسه لا بسبب أمر و لا لأجل امر غير ذاته.و يجب من ذلك أن يكون فعله لا لداع و لا مرجّح-سواء كان أمرا في ذاته أو خارجا من ذاته- أمّا الخارج فظاهر،و امّا الداخل فلأنّه من حيث انّه مرجّح للذات غيرها و إن كان بالاعتبار،و ذلك ينافي الفاعلية بذاته،مع انّ عند أهل الحق لا معنى للأمر الداخل في الذات الأحديّة الصرفة.
و أيضا لو كان لفعله تعالى مرجّح-سواء كان من ذاته أو من غيره-لكان في ذاته قبول لذلك الرجحان،فيلزم اجتماع الفعل و القبول في الذات البسيطة من جميع الوجوه.
برهان ثالث،و هو لأهل الإيمان الاختصاصي،لما قد تحقّق عندهم بالأخبار المستفيضة المعاضدة بالبراهين الساطعة انّ اللّه سبحانه استوت نسبته الى كلّ شيء فلم يقرب منه قريب و لم يبعد منه بعيد،و لو لا ذلك لتكثّرت فيه الجهات و ذلك ممتنع،فلو فعل لأجل مرجّح لتخصّصت نسبته بشيء دون شيء بالضرورة،و ذلك مستحيل أشدّ الاستحالة عند من اكتحل بنور الإيمان،بل الأشياء يترتّب بعضها بالقياس الى بعض ترتّب الأصالة و الفرعية،فتقدم الأصل في الصدور بالنسبة الى الفرع لامتناع تقدم الفرع بالذات فيؤتي كلّ ذي فضل فضله.
برهان رابع،لو توقّف فعل المبدأ الأوّل و ترجيحه لوجود شيء على عدمه، على مرجّح لكان يمتنع صدوره عنه بدونه فيحتاج الفاعل بذاته عزّ مجده في فعله سواء كان ذلك الى صفة من صفاته الّتي هي باعتبار غيره أو الى أمر خارج،و ذلك يوجب جهة إمكانية في ذاته سبحانه كما هو غير خاف على المتدرّب في الحكمة المتعالية؛هذا في المبدأ الأوّل تعالى شأنه من أن يتقيّد بحكم أو يتخصّص بقيد،و أمّا في الشاهد فبالحري أن نبسط‍ فيه الكلام و نكشف عن وجه المرام: اعلم انّه لا يخلو من أن يكون لطرفي الفعل و الترك داع في الجملة،أو ليس لهما أصلا،و الأول إمّا أن يكون لأحد الطرفين أو لكليهما و هذا الثّاني،إمّا أن يتساوى الداعيان،أو يكون أحدهما أقوى،فهذه أربعة أقسام و إن كانت بوجه ستّة. فنقول:من تلك الأقسام ما لا يصحّ بالاتّفاق،و منها ما يصحّ بالوفاق،و منها ما وقع فيه النزاع و الشقاق،و اشتهرت تلك المناقشة في الآفاق.
أمّا ما لا يصح منها فهو ترجيح الفاعل المختار-الّذي لا يعوقه شيء و لا يجبره شيء-أحد الطرفين بلا داع يدعوه داخلي أو خارجي.
و أمّا ما يصح وفاقا،فهو ترجيح طرف معه داع و ليس لمقابله داع أصلا،و ما له داع أقوى من داعي الطرف المقابل و انّما التنازع في ترجيح ما له داع مرجوح و ما ساوى داعيه مع داعي طرفه سواء فرض ذلك في شيء واحد باعتبار طرفيه المتقابلين أو في شيئين باعتبار كونهما متقابلين و الحق في ذلك مع المجوّزين و الدليل عليه على ما أقول:انّه لا ريب في انّه لا امتناع في ذلك الطرف بنفسه مع قطع النظر عن الداعي المساوي و الأضعف،لأنّه إمّا أحد طرفي الممكن الجائز وقوع كلّ واحد من طرفيه،و ذلك بناء على الفرض الأوّل.و إمّا واحد من الممكنات الجائزة وجودها و عدمها على الفرض الثّاني و وجود الداعي المساوي أو الضعيف مرجّح للفعل في الجملة فلا امتناع للفعل البتة،و كذا في طرف الفاعل إذ المفروض انّه تامّ الفاعلية لا يعوقه شيء عن اختياره،و الباعث على الفعل و هو الداعي يدعوه الى الفعل فله أن يختار المساوي أو الضعيف من غير امتناع كيف و أنّى جاء الامتناع؟!
و من أين يحسن ذلك النزاع؟!و أمّا مذمّة العقلاء أو ترتّب العقاب فلا يجعل الفعل ممتنعا بل يجعله قبيحا أو محظورا.غاية ما في الباب انّه لا يليق ذلك بالصانع الحكيم و قد عرفت الأمر هناك،و انّه لا يصحّ القول فيه بالرّجحان و عدمه أصلا؛ أمّا في الإنسان الّذي من لوازم طبعه الخطأ و النسيان فأيّ استحالة و امتناع،مع انّ الندامة و الإقرار بالخطإ يؤكّدان الوقوع.
فإن قلت:من المقرّر أنّ في الإنسان قوى متنازعة و لكلّ منها مقتضيات و مشتهيات متخالفة،فلعلّه باعتبار بعض القوى صار ذلك المساوي أو الضعيف راجحا لموافقته غرض تلك القوى،و إن كان باعتبار بعض آخر أو بالقياس الى نفس الأمر مساويا أو ضعيفا.
قلت:هذا اعتراف بعدم الامتناع الذّاتي إذ لا يجري فيه انقلاب و اختلاف اعتبارات حتّى يكون باعتبار واجبا و باعتبار آخر ممتنعا،فقول من قال بأنّ مرجوحية الداعي إذا كان بالنظر الى إرادة الفاعل فتعلّق الإرادة محال بالضرورة، فاسد،لأنّه عين المدّعى مع انّ الداعي معناه مرجّح الإرادة و هاهنا يتحقّق الداعي و إن كان ضعيفا،فتتحقّق الإرادة؛غاية ما في الباب أن يكون ذلك التعلّق غير واقع بتلك الإرادة،لا انّ الإرادة يستحيل تعلّقها؛مع انّ ادّعاء عدم الوقوع في موضع المنع،و السند وجود الداعي الّذي من شأنه ترجيح الإرادة و ترجيح تعلّق الإرادة هذا في المخلوق؛و أمّا في الخالق فالداعي على زعمهم نفس الإرادة فمعنى الداعي الضعيف و المساوي الإرادة الضعيفة و المساوية.و من البيّن انّه لو لم يقع التعلّق من الحكيم في هاتين الصورتين فلا أقلّ من أن يتردّد أو ما في حكم التردّد؛هذا دليل الإمكان فافهم .
فإن قلت:الامتناع انّما نشأ من اختيار أحد الطرفين باعتبار رجحانه لأجل مقتضى بعض القوى،و لإيجاب الفاعل إيّاه بذلك الرجحان،فيمتنع الطرف الآخر. فما دام ذلك الطرف واجبا بالعلّة يمتنع الطرف المرجوح أو المساوي.
قلت:انّما يستدلّ على ثبوت الوجوب من العلة الفاعلة بامتناع الترجيح من غير مرجّح،فلا يصحّ الاستدلال بهذا الوجوب على ذلك الامتناع،لأنّه دور،مع انّه على تقدير الصحة يفيد الامتناع بالغير و ذلك غير مطلوب،على انّه-سيجيء إن شاء اللّه-الكلام في الوجوب من العلة الفاعلة،و انّه باطل رأسا عند أهل الحق و الإيقان،و انّه ينافي كمال الإيمان و رسوخ القدم في«حكمة الإيمان».
و اعلم انّه إذا وقع ترجيح المساوي أو الضعيف الداعي فانّما يصير بذلك مرجّحا على اسم المفعول لا راجحا في نظر الفاعل كما يشاهد ذلك في العاقل منّا العالم بمرجوحية شيء و بضرره -في الآجل و العالج البدنيّ و الماليّ-و المقرّ بعدم رغبته باعتبار بعض قواه،و مع ذلك يفعله،و أمثال ذلك كثير،كما لا يخفى على من تتّبع مقامات أفعال العباد و أنصف من نفسه بالنظر في بعض أفاعيله بالسداد.
المقصد الثّاني في إثبات الاختيار المطلق و إبطال الإيجاب المطلق بجميع معانيه و في ذلك إبطال الوجوب من اللّه و الوجوب على اللّه و هذا هو المذهب المنصور المختار عند الأبرار و اعلم انّ الموجب للشيء-بكسر الجيم-إمّا أن يكون موجبا بنفسه من غير مدخلية أمر مغاير و إن كان بالاعتبار،أو لأجل مدخلية أمر:فإمّا أن يكون لداع -سواء كان هو شيئا في ذات ذلك الموجب أو خارجا عن ذاته-و إمّا أن يكون لشرط‍ مطلقا-أيّ شرط‍ كان-فالأقسام أربعة:الموجب بنفسه،و الموجب
باعتبار أمر هو في ذاته،و الموجب باعتبار أمر خارج عن ذاته،و الموجب باعتبار شرط‍.و هذا الأخير ينقسم قسمين:أحدهما الموجب باعتبار شرط‍ هو متحقّق في جميع الأوقات؛و الثّاني باعتبار شرط‍ هو في بعض الأوقات و جميع هذه الأنحاء ممتنعة على اللّه عند أهل الحق المكتحلة أبصارهم بجواهر الحقائق المأخوذة من معدن الوحي .
أمّا الدليل الإجمالي على امتناع الإيجاب المطلق في أفعاله تعالى شأنه فهو انّ المبدأ الموجب للشيء:إمّا أن يكون موجبا بمحض ذاته فقط‍،أو باعتبار أمر أو صفة من اختيار أو غيره. فالأوّل، هو الإيجاب الطبائعي إذ لا نعني به الاّ ما هو بمحض الذات من غير مدخلية شيء.و لا يخرجه عن الاضطرار الطبائعي كون الذات عين العلم و الاختيار،كما في الأفعال الطبيعية من ذوات الأنفس.
و الثّاني، أي كون الإيجاب لا باعتبار ذاته:فإمّا أن يمكن بالنظر الى الذات بأن يتساوى الطرفان بالنسبة إليه،أو يمتنع:فعلى الأوّل،يحتاج الى مرجّح سواء كان من شيء في الذات أو من غيره،فيجب أن يكون فاعلا و قابلا و هذا ممتنع بالضرورة،و أيضا،إن توقّف الرّجحان على أمر في الذات يلزم أن يكون فيه ما بالقوة،و إن توقّف على أمر خارج لزم الاحتياج،و لأجل هذا قالوا:انّ واجب الوجود بالذات واجب من جميع الجهات؛و على الثاني يلزم مع ذلك زوال ما بالذات بل الانقلاب-تعالى اللّه عن ذلك-على انّه إن كان التغيير من أمر هو في الذات يلزم أن يكون في الذات البسيطة من جميع الوجوه أمر يقتضي شيئا و فيها ما يقتضي امتناع ذلك و استحالة ذلك،و استلزامها للمحالات غير خفيّ عند من له أدنى معرفة بالمعقولات.
برهان آخر:لو كان إيجاد المبدأ الأوّل تعالى لمعلولاته بطريق اللّزوم يلزم أن يكون المبدأ تعالى لم يزل و لا يزال يفعل في الصادر الأوّل،و لما يتمّ وجود ذلك الصّادر فضلا عن أن يوجد غيره.
بيان الملازمة:أنّه سبحانه مفيض و مقتض دائما،و المعلول ممكن لا يستغني أبدا،و ليس بينه و بين ذلك المعلول شيء يمنعه عن الفعل،فيلزم أن يكون موجدا له دائما.و أيضا ،المقتضي للشيء ما دام مقتضيا فهو حيثما فرض يفيض منه ذلك الشيء لا غير،فإذا كان الشيء نوعه منحصرا في فرد كان المفاض شخصا واحدا و يلزم من ذلك أن لا يتمّ وجود ذلك الشخص و الاّ لانقطع الفيض و ذلك محال.
برهان آخر:كلّ ما يستلزم شيئا فهو يستكمل به و المبدأ الأول تعالى شأنه فوق التمام فلا يستكمل بشيء فلا يستلزم شيئا.
و هذان الطريقان يدلاّن على بطلان الإيجاب الخاص و هو الإيجاب بالذات و بالاختيار الذي هو عين الذات.
و أمّا البرهان التفصيلي على ذلك:فهو كما عرفت من طريقتنا انّه لا يصح وجوب شيء عليه لا من ذاته و لا من غيره،و لا امكان شيء بالنظر إليه،و لا امتناع شيء من أمره،و ذلك لأنّ إيجاب شيء منه بذاته إيجاب طبائعيّ و باختياره انفعال من الذات،و وجوب شيء عليه انفعال و اضطرار،و امكان شيء له احتياج، و امتناع شيء من قدرته عجز،و هذه كلها في غاية الظهور لمن اكتحل عين بصيرته بنور العرفان.
و أمّا عدم الوجوب من طرف الفاعل إذا كان العبد فاعلا فسيظهر في ذكر
الجواب عن الشّبه الخمس الّتي قالوا في إثبات الوجوب السابق سواء كان في الفاعل الأول تعالى شأنه،أو في العبد،فبالحريّ أن نذكر الشكوك الّتي يوهم للأذهان الناقصة كونها دليلا و هي خمسة: الشبهة الاولى شك الترجيح بلا مرجح و تقريره انّه لو لا وجوب اختيار العبد لأحد الطرفين من فعله الاختياري و تركه بالنسبة الى المبادئ الّتي ليس شيء منها باختياره وجوبا سابقا،لكان اختيار العبد لأحد الطرفين ترجيحا بلا مرجّح و هو محال بديهة،و في القديم تعالى لو لا وجوب اختياره سبحانه لأحد طرفي الفعل بالنظر الى المرجّح وجوبا سابقا، لكان اختياره لأحد الطرفين ترجيحا بلا مرجّح.
بيان الملازمة:انّه إمّا أن يكون الفعل و الترك متساويين بالنسبة الى المبادئ أو الاختيار،و إمّا أن يكون لأحدهما ما يرجّحه؛فعلى الأول،إن اختار أحدهما يلزم الترجيح بلا مرجّح و على الثّاني،اختيار المرجوح و هو محال،لأنّه ترجيح بلا مرجّح أيضا،فاختيار الراجح واجب.
الشبهة الثانية شكّ الدّاعي الموجب و هو قريب من تقرير الشبهة الاولى من القديم تعالى و تقريره انّ الفعل الاختياري موقوف على الداعي القوي و معه يجب الفعل فانّه عند الاستواء يمتنع،للترجيح بلا مرجّح،و عند الرجحان يجب فهو واجب بالوجوب السابق.
الشبهة الثالثة شكّ العلم الأزليّ و تقريره انّ العلم بالامور المستقبلة موقوف على تحقّق ما يجب أن يفضي إليها بالوجوب السابق من عللها،و الاّ لم يكن تابعا للمعلوم،لأنّ العلم إذا لم يتوقّف على المعلوم فليس بتابع له؛و الموجب إمّا موجب بالوجوب السابق و هو المطلوب،و إمّا بالوجوب اللاحق،و الكلام فيه كما في العلم،لأنّه أيضا تابع،و يجب انتهاء التوقّف الى الموجب بالوجوب السابق،و إلاّ يلزم الدور أو التسلسل؛و لا شك انّ العلم الأزلي تعلّق بالحوادث فلها موجب بالوجوب السابق.
و له تقرير آخر:و هو انّ العلم الأزلي المتعلّق بالحوادث متوقّف على موجب لها كما في التقرير الأول،فإمّا أن يكون هو المبدأ الأول تعالى شأنه و يثبت المطلوب، و إمّا غيره فيلزم احتياجه في صفة كماله الى غيره و هو محال.
الشبهة الرابعة شكّ تخلّف المعلول و له تقريران: أحدهما، انّه لو لا وجوب اختيار العبد لأحد طرفي فعله الاختياري و تركه بالنسبة الى المبادئ وجوبا سابقا،لزوم جواز تخلّف المعلول عن العلّة التامة،و هو أشدّ من الترجيح بلا مرجّح،لأنّه يستلزم الترجيح بلا مرجّح المستحيل بالاتّفاق.
بيان الملازمة :إن لم يتحقّق بعض المبادئ الّتي يتوقّف عليه فعله الاختياري
امتنع تحقّقه،و إن تحقّق جميع ما يتوقّف عليه و جاز انتفاؤه لزم التخلّف عن العلّة التامة.و أمّا انتفاء اللاّزم للزوم الترجح بلا مرجّح فلأنّا نفرض وجوده معه في زمان آخر و عدمه في زمان آخر ،فوجوده في ذلك الزمان إن كان لأمر لم يوجد في الزمان الآخر لم يكن مستجمعا ما فرضناه مستجمعا،و إن لم يكن لأمر فقد ترجّح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجّح،لأنّ الترجيح الحاصل من الفاعل عمل مشترك بين الزمانين.
و ثانيهما ما ذكره في الشفاء قال:انّه-أي المعلول -يجب أن يصير واجبا بالعلّة،فانّه إن لم يكن واجبا كان ممكنا،فيجوز أن يوجد و أن لا يوجد،غير متخصّص بأحد الأمرين،و هذا محتاج الى وجود شيء ثالث و يتمادى الكلام الى غير النهاية .
الشبهة الخامسة شكّ الإرادة الموجبة هو انّ كلّ فعل اختياري يتوقّف على صفة متخصّصة لأحد المقدورين بالوقوع واقعة حين حدوث ذلك الفعل الاختياري،أو قبله،و هي في العبد إمّا داع قويّ هو العلم بأنّ له أو لغيره ممّن يؤثر خيره منفعة يمكن وصولها إليه أو الى ذلك الغير من غير مانع من تعب أو معارضة،كما ذهب إليه أبو الحسين؛و إمّا ميل قلبي جازم
لا فتور فيه و لا تسويف كما ذهب إليه الأشاعرة؛و في القديم تعالى إمّا علم بمصلحة الفعل و هو الداعي المفضي كما ذهب إليه ابو الحسين و تبعه المحقق الطوسي أو أمر آخر قديم شبيه بالميل القلبي كما هو مذهب الأشاعرة،و على أيّ التقديرين هي واجبة الإفضاء الى الفعل بالوجوب السابق،و هي الإرادة و هي في العبد من فعل اللّه،أو فعل العبد إيجابا،و الاّ يلزم التسلسل و موجبة للفعل المراد بالوجوب السابق بشرط‍ القدرة،و في القديم كسائر الصفات الذاتية إمّا عين ذاته أو غيره.هذا تقرير الإشكالات فلنشرع في بيان حلّ تلك الشبهات.
[الجواب عن الشكوك الخمسة] أمّا الجواب عن الشكّ الأوّل،فما قاله بعض الأفاضل:انّ المراد بالتساوي إمّا التساوي من جميع الجهات بأن لا يكون في واحد من الطرفين أو كليهما ما يختصّ به و يرجّحه على الآخر من الدّاعي و نحوه ،أو أعمّ من التساوي من جميع الجهات و التساوي في الدّاعي،فعلى الأوّل لا نسلّم الترجيح بلا مرجّح لجواز أن يكون في أحدهما ما يرجّحه على الآخر و في الآخر ما يعارضه،فيمكن اختيار المرجوح، لأنّه راجح من جهة أخرى؛و أيضا،سلّمنا انّ اختيار المرجوح محال،لكن لا نسلّم قوله و هو المطلوب،فانّ المطلوب الوجوب السابق و وجوب الفعل لأجل انتفاء داعي التّرك ليس وجوبا سابقا،فانّ انتفاء داعي الترك ليس من علل الفعل،فانّه يمكن تحقّق الفعل مع داعي الترك،كما قلنا؛و على الثّاني،انّ المحال انّما هو الترجيح
بلا مرجّح بمعنى الترجيح بلا داع مختصّ،و لا يتصوّر هذا في تعارض الداعيين سواء كانا متساويين أولا.انتهى.
و أقول:هذا انّما يصحّ إذا جعل جوابا عن الشبهة على اختيار العبد،و أمّا إذا كان الكلام في اختيار القديم تعالى فقد عرفت في سالف البيان انّه ليس له داع، و انّه فاعل بذاته مختار بالاختيار المطلق الّذي لا يضطرّه شيء و لا يدعوه الى فعله شيء،و أين الشيء!و متى الشيء!و انّ إرادته هي فعله بمعنى انّه مرتبة من مراتب أسباب خلقه المترتّبة ترتيب السببي و المسبّبي،و انّها في المرتبة الثالثة من تلك المراتب.
و أيضا،من المستبين عند المهرة في الحكمة الحقّة انّ قول«لم؟»،لا يجوز على اللّه فإذا لم يجز ذلك لم يصحّ القول بالداعي و لذلك لا يوجد في أخبار ائمّتنا صلوات اللّه عليهم.و الإرادة الّتي ورد في الأحاديث قد فسّروها-عليهم السّلام-بأنّها حادث و من صفات الفعل.و يظهر انّ ذلك من ضروريّات مذهب أهل البيت عليهم السّلام.و البرهان على عدم جواز«لم؟»في فعله كونه سبحانه فاعلا بذاته كما عرفت و يظهر من ذلك،الجواب عن الشكّ الثّاني،كما لا يخفى على الفطن الزكيّ.
و الجواب عن الشك الثالث على ما ذكره ذلك الفاضل عن التقرير الأوّل بمنع قوله:«ان العلم اذا لم يتوقف على المعلوم»الى آخره،فانّ معنى التابعية أصالة الموازنة و أن يكون بينه و بين مطابقه الأصلية و الفرعية.ثمّ بمنع قوله:«انّ الموجب السابق»الى آخره.أوّلا،ترى انّ كلاّ من المتضايفين الحقيقيين موجب للآخر من دون وجوب سابق و لاحق،ثمّ بمنع انّ ما تعلّق به العلم الأزلي من وقوع الحوادث حادث،فانّ المعلوم بالذات في القضية المطلقة هو الأمر المستمرّ أزلا و أبدا و هو ثبوت وقوع زيد في الوقت الفلاني.و عن التقرير الثاني بمنع كونه محالا،فانّه انّما يكون محالا إذا كان ذلك الغير كائنا في نفسه في الخارج أو بتأثير مؤثّر آخر،و ما نحن فيه ليس كذلك و لا ينافي كون صفاته عين ذاته»انتهى.
و أقول:و الجواب أيضا بمنع قوله:«العلم بالامور المستقبلة موقوف على تحقّق ما يجب أن يفضي»الى آخره،فانّ من البيّن انّ إمكان التحقّق ليس بموقوف عليه بل الموقوف عليه و هو وجوب التحقّق أعمّ من أن يكون ذلك وجوب ذلك الشيء،كما في المعلول بغير واسطة،أو وجوب ما يفضي الى الشيء كما في المعلولات بواسطة؛و أمّا وجوب الإفضاء فلا نسلم التوقّف عليه،إذ لو لم يكن وسائط‍،بل فرض كلّ واحد من الموجودات موجودا فقط‍ من دون علّة بالقياس الى ذات عالمة فحينئذ لا يتصوّر الإفضاء فضلا عن وجوبه،و أمّا مع ضرورة تحقّق العلم فهذا الوجوب أي وجوب التحقّق ليس من العلّة الفاعلة بل في بعض الأشياء باعتبار استحقاق ذواتها استحقاقا ضروريا و في بعضها باعتبار استعداد موادّها كذلك؛ثمّ بعد المنوع المذكورة آنفا،بمنع قوله:«و يجب انتهاء التوقّف الى الموجب بالوجوب السابق»،إن أراد بالوجوب السابق الوجوب المكتسب من العلّة الفاعلة،لم لا يجوز أن يكون ذلك من ذوات بعض الأشياء بمعنى انّها وجبت بها وجوداتها من غير حالة منتظرة سوى أن يفيض من جاعلها بمحض الفضل و الامتنان،و لا يجب على الفاعل تلك الإفاضة،و إن كانت يجب لها بالاضطرار و الاستحقاق؛فتبصّر.
و أيضا،بعد قطع النظر عن هذه المراتب،هذا انّما يقوم حجة على من جعل علم المبدأ الأول بالأشياء من طريق الأسباب،و أمّا عند المقتفين لأهل بيت الحكمة فعلمه تعالى أجّل من أن يكون كذلك،بل هو بنفس ذاته الغنية عن العالمين،فلا تقدّم في علمه و لا تأخّر،و انّما منظره في القرب و البعد سواء.
و الجواب عن التقرير الثّاني لتلك الشبهة،بمنع توقّف صفة كماليّة للّه تعالى على غيره و انّما يلزم ذلك لو كان المتوقّف أصل العلم،و ذلك ممنوع،لأنّه من البيّن انّ
العلم على تقدير التابعية انّما يتوقّف على وجود المعلوم و ذلك كاف في التعلّق؛نعم وجوب تحقّقه مما يتوقّف عليه الصحّة و الحقيّة و فرق ما بينهما؛و سيجيء في مبحث العلم ما يزيل تلك الشبهة عن رأسها و يقلع تلك الشجرة الملعونة عن أصلها إن شاء اللّه.
و الجواب عن الشكّ الرابع بالتقرير الأوّل على ما ذكره الفاضل:انّ اتباع الشهرة لا يثمر و ترجيح القادر المختار أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجّح أي بلا داع مختصّ بالمرجّح بالفتح أصلا،بديهيّ الاستحالة،و لكن تخلّف المعلول عن العلّة التامّة جائز،و ما استدلّوا به على الامتناع مدخول و انّما منشأ توهّمهم غلطهم في أجزاء العلة التامّة،لا في نفس الحكم بالامتناع،فانّهم جعلوا الترجيح و الاختيار و الإرادة و كذا التأثير و التكوين و الإيجاد و نحو ذلك متحقّقا قبل المعلول و من أجزاء العلّة التامّة،و نحن نقول تقدّم شيء من تلك الصفات على تحقّق المعلول باطل.و يكفي لنا في هذا المقام الاحتمال على انّه سنبيّن انّ طريقة أهل البيت- عليهم السّلام -هي انّ الإرادة نفس الإحداث و الفعل و هو لا يتقدّم على وجود المعلول لأنّهما متضايفان.
و عن التقرير الثّاني بما ذكره من انّه:إن أراد بالتخصّص التخصّص الوجوبي فلا نسلّم قوله؛و هذا محتاج من رأس الى وجود شيء ثالث فانّه في مرتبة المدّعى في الظهور و الخفاء،و إن أراد به التخصّص الرجحاني.أو الأعمّ منهما،فلا نسلّم قوله غير متخصّص بأحد الأمرين فانّه متخصّص بكلّ منهما باعتبار تخصّصا رجحانيّا لتحقّق العلّة الفاعلية و الدّاعين المختصّين المتعارضين»انتهى.
أقول:و أيضا،إن أراد بوجوب اختيار العبد الى آخره.انّ الاختيار واجب بالنسبة الى مبادئ الاختيار فذلك لا يدلّ على وجوب الفعل أصلا فضلا عن الوجوب السابق،اللّهمّ الاّ أن يجري مثل ذلك في الفعل أيضا،و هذا كلام آخر؛على انّه لا معنى لوجوب الاختيار:إمّا لأنّ الاختيار الّذي هو من صفات الفاعل القادر،معناه ما يصحّ معه الفعل و الترك و أن يختار كيف شاء؛و الوجوب ينافي ذلك،اللّهمّ الاّ أن يكون أراد به الترجيح،و إمّا لأنّ اللّه جعل النفس الناطقة مختارة الذات،لا ينفك عنها الاختيار،و الذاتيات لا تعلّل بعلّة خارجة و بالجملة،فهي دائمة في الحركات الاختياريّة؛نعم،قد يكون ذلك خفيّا عندنا حين لا نرى فيها موضوعا للفعل.و قد يظهر ذلك حين صادفها الموضوع القابل،فحينئذ يظهر تعلق الاختيار لا انّه يحدث حتّى يحتاج الى علّة،بل لأنّه حدث قبول الموضوع لذلك. مثال ذلك في الفواعل الطبيعية إضاءة الشمس و إشراقها لما يقابلها المقابلة المشروطة في الإضاءة،القابل من الاستضاءة فلا يضرّ ذلك بدوام إضاءتها،و اذا رفع المانع فلا يحدث للشمس إضاءة من رأسها بل يحدث التعلّق،و يكفي في ذلك استعداد القابل فقط‍؛و إن أراد بوجوب اختيار العبد وجوب الطرف المختار،فحينئذ إن أراد بالمبادئ المبادئ المتقدمة على الاختيار و الّتي معه،فلا نسلّم وجوب الفعل عندها،لأنّ من المبادئ المتوقف عليها الفعل الإرادة و التحريكات و التأثير و غير ذلك و هي متأخّرة عن الاختيار،و إن أراد المبادئ المتقدّمة و المتأخرة و انّ عندها يجب وجود المعلول فلا نسلّم سبق الوجوب كيف؟و أنت تزعم انّ بعد حصول تلك المبادئ يحصل الوجوب؛و ينبغي أن يكون كذلك،إذ لو كان حدوث الوجوب قبل اجتماع المبادئ بتمامها لكان سابقا على الجزء الأخير لا أقلّ من ذلك،فيجب أن يتقدّم وجود المعلول على العلّة التامّة،أو يجب وجود الشيء قبل تمام علّته و هذا
باطل بالاتفاق.و القول بالمعيّة مستحيل لأنّ الوجوب متسبّب عن تلك المبادئ فيكون ذلك الوجوب متأخّرا عن المبادئ بالضرورة،فلو كان مع تأخره عن المبادئ سابقا على المعلول لزم تخلّف المعلول عن العلّة التامّة لتوسط‍ حصول الوجوب بينهما و ذلك ممتنع في زعمك.
فإن قلت:علّة الحاجة الى العلّة هي الإمكان و أمّا الوجوب فلا يصحّ ذلك فيه. قلت:فحينئذ لا معنى لقولك:«عند حصول العلّة التامّة يحصل الوجوب»؛على انّ القائل بأنّ العلّة المحوجة هي الإمكان لا يمنع كون الحدوث علّة في بعض المواضع،مع انّ كلاّ من المفهومات العامّة من المواد و غيرها يتحقّق الجعل بها بالعرض،و العلّة المحوجة للجعل بالذات هي الإمكان،و أمّا الجعل بالعرض فلا يتوقّف على الإمكان؛ثمّ بعد ذلك يجاب بمنع استلزام عدم وجوب اختيار العبد لأحد الطرفين بالنسبة الى المبادئ لجواز تخلّف المعلول عن العلة التامّة،لأنّه يجوز أن يكون ذلك الوجوب مستبطنا في المعلول بمعنى وجوب طلبه للوجود و لا ريب انّه إذا كان شيء ضروريّا لماهيّة من الماهيّات و لا توقّف له الاّ على اختيار الفاعل فإذا امتنع المعلول حين الاختيار فقد خالف مقتضى ذاته و هذا معنى امتناع التخلّف،لا ما يتوهّمه هؤلاء من أرباب التكلّف و التعسّف؛ثمّ بمنع امتناع هذا التخلّف مطلقا،و انّما ذلك في الفاعل بذاته القادر بالقدرة المطلقة و المختار بالاختيار المطلق،تعالى كبرياء ذاته عن أوهام الخفافيش حيث لا يعوقه شيء عن فعله و لا رادّ لقضائه و لا معقّب لحكمه و لا امتناع لشيء من إرادته.و ذلك أيضا،ليس باعتبار الوجوب السابق لبطلانه بالقياس الى فعله،بل بمحض نفوذ الإرادة و سلطنة القدرة؛و كذا في الفواعل الطبيعية عند مصادمات الطبائع،و ذلك أيضا، لضعف فاعليّتها و اضطرارها في أفعالها و كونها مسخّرة تحت من لا يقضي على
الأشياء الاّ ما يجب عليها؛و أمّا في العباد بالقياس الى أفعالها فغير مسلّم،و ذلك لأنّه لا يخلو:إمّا أن لا يجعل الاختيار و التكوين من العباد من أجزاء العلّة التامّة فحينئذ لا امتناع في التخلّف اتّفاقا منّا و من الخصم،و إمّا أن يجعل من أجزاء العلّة التامّة فبعد تسليم الوجوب لا يفيد الوجوب السابق لأنّه لا ريب انّ هذا وجوب لاحق،لأنّه وجوب متسبّب عن الإيجاد و التكوين،و من المستحيل تقدّم الإيجاد على الموجودية لكونه مبطلا للتضايف،على انّه لا معنى لجعل التكوين من أجزاء العلّة كما يظهر لمتتبّع مقامات كلماتهم،كما يقولون:اذا اجتمعت الامور الّتي تتمّ بها العلّيّة و صارت العلّة تامّة وجب الإيجاد و امتنع الترك كما وجب وجود المعلول و امتنع التخلف.و يسمّون وجوب الإيجاد الوجوب على اللّه،تعالى اللّه عن ذلك. و هذا صريح في انّ الإيجاد و التكوين ليسا من أجزاء العلّة التامّة.و إذا ثبت انّهما ليسا من الأجزاء،فلنا أن نمنع لزوم الترجيح بلا مرجّح و انّما ذلك إذا لم يكن هناك فاعل مختار و له أن يرجّح أحد مقدوريه المتساويين في الدّاعي بمحض الاختيار و الاّ لم يكن مختار حقيقة،و عند الاختيار لا يلزم الوجوب لما قد عرفت من عدم وجوب الاختيار بسبب شيء و عدم وجوب شيء بالاختيار و للّه الفضل مبدئا و معيدا.
و الجواب عن التقرير الثّاني لتلك الشبهة الّتي ذكرها الشيخ الرئيس في الشفاء بمنع قوله:«إن لم يكن واجبا كان ممكنا»لأنّه،إن أراد بالوجوب ما هو من العلّة فالملازمة ممنوعة،لأنّه من الجائز أن يكون الوجوب ثابتا لكن لا من العلّة بل من المعلول بمعنى وجوب استحقاقية الوجود و ضرورة استيفاق الدخول في مرتبة الشهود بمحض الطلب الجبليّ و الاقتضاء الذّاتي؛و إن أراد بالوجوب ما هو أعم فحينئذ بمنع السبق بالذات،بل سبيل تلك الضرورة سبيل الإمكان بمعنى أنّا نحكم على الشيء الموجود من العلّة حيث لا يتوقّف وجوده على شيء سوى اختيار الفاعل و إفاضته للوجود،بأنّه وجب له الوجود حسب استحقاقه و اضطراره إليه،
كما انّه يحكم العقل على هذا الشيء بأنّه كان ممكنا حين قبل الوجود و الاّ فالإمكان متأخّر عن الوجود لا محالة،كما هو التحقيق؛ثمّ بمنع كونه على تقدير الإمكان يجوز أن يوجد و أن لا يوجد،لاحتمال أن يكون أحدهما راجحا رجحانا لا يصل الى حدّ الوجوب كخيرية الوجود مثلا و غير ذلك،و هذا الأخير قريب ممّا ذكره الفاضل.
و الجواب عن الشكّ الخامس و هو شبهة الإرادة الموجبة،كما ذكره الفاضل بما رواه صاحب الكافي-رضي اللّه عنه-انّ:«الإرادة في المخلوق الضمير و ما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل،و أمّا من اللّه فإرادته إحداثه لا غير »و معناه انّ لإرادة الفاعل لأفعال نفسه فردين لا ثالث لهما،يتحقّق كلاهما في الخلق و أحدهما في الخالق،و قد سبق انّ الإرادة لا تتقدّم على وجود المعلول لأنّهما متضايفان،فإذا كان الإحداث غير متقدّم على حدوث المعلول فالإحداث المقيّد المعبّر عنه بالإرادة و المشية و الترجيح و الاختيار و كذا تعلّقها بالمعلول،لا يتقدّم عليه بطريق أولى فنقول في الجواب:
أوّلا،انّ هذا الميل القلبي الجازم فعل اختياري لأنّ التكليف يتعلّق به فليس من أجزاء العلّة التامّة لكل فعل اختياري للعبد،و الاّ لزم الدور أو التسلسل.
و ثانيا،انّ هذا الميل القلبي ليس من الصفات الّتي لا يحدث الاّ مع الفعل لانّه قد يتقدّم عليه بدليل قوله:«و ما يبدو لهم بعد ذلك»و يسمّى بهذا الاعتبار«عزما» و يبقى بشخصه حين الفعل،لكن لا يسمى«عزما»و لا يتغيّر بشخصه بل يتغيّر زمانه.و نظير ذلك ما قلنا في جواب«شك العلم الأزلي»من انّ العلم بأنّ الشيء سيتحقّق هو العلم بتحقّقه بلا تغيّر،و حينئذ لا نسلّم كونه واجب الإفضاء.و أمّا
القول بأنّ الإرادة هي الداعي القوي كما هو مذكور في الشك،فغلط‍ فاحش،فانّا نعلم انّ الإرادة قد يتحقّق بدون هذا الداعي بأن يكون مع مانع من معارضة داع آخر.
و أيضا،الوجوب ليس بالنظر الى هذا الداعي وجوبا سابقا،لأنّه لا يتوقّف عليه الفعل،فلا يتمّ التقريب؛هذا ما قاله ذلك الفاضل-رحمه اللّه-.
و أقول:و حقّ الجواب أن يقال:الإرادة عندنا غير موجبة أصلا لا في الشاهد و لا في الغائب؛أمّا الشاهد فقد يشاهد فيه انّ بعد الإرادة أمور آخر كالتصميم و التحريك و غير ذلك،و أمّا في القديم تعالى فلأنّه لا معنى لكونها من صفات الذات بوجه من الوجوه،خلافا لمن جعلها من هذا القبيل،و لبعض الأعلام من المتأخّرين حيث جعلها ذات جهتين؛و سيجيء تحقيق ذلك إن شاء اللّه.و ناهيك في ذلك قول مولانا الرضا-عليه السّلام-على ما سيأتي :«فمن زعم انّ اللّه لم يزل مريدا شائيا فليس بموحّد»و بالجملة،فهي من صفات الفعل كما هو المتلقّى من أهل بيت النبوّة و الحكمة،و الضروري من أهل بيت العصمة و الطهارة ،حيث عارضهم متكلّموا زمانهم و كان ذلك ممّا يعدّ من مذهبهم و ممّا اشتهر منهم بين الموافق و المخالف،فإنكار ذلك مستلزم للردّ عليهم،و الرّادّ عليهم كالرادّ على اللّه،و الرادّ على اللّه على حدّ الكفر .و مع ذلك فيتوسّط‍ بينها و بين المراد خصال اخر كالتقدير و القضاء و الإذن و الكتاب ،فأين هي من الإيجاب!على انّ للّه البداء فيما أراد،كما
في الخبر.
و أمّا«الإرادة الحتم»فلها معنيان:
أحدهما، انّها الإرادة الّتي للّه في أفعاله و«العزم»ما يتعلق بأفعال العباد كما قيل.
و ثانيهما، ما ليس للّه فيه بداء بمعنى انّه يتحقّق المراد بها بعد أن يتوسّط‍ بينهما بعض الخصال،و«العزم»حينئذ ما يكون للّه فيما أراد البداء.
ثمّ أقول:انّما نشأت هذه الشبهات و أمثالها مما جعلها مذهبا أكثر العقلاء لأنّهم لم يأتوا البيوت من أبوابها،و لم يسلكوا في البراهين سبيلها،لم يقنعوا من العلوم بضرس قاطع،و لم يستضيئوا بنور من الإمام ساطع،بل تمادوا في الخبط‍ و سوء الفهم،و ذلك مبلغهم من العلم؛فإياك ثمّ إيّاك و العكوف على أبواب هؤلاء المنتحلين للعلم من أرباب الظنون!و عليك ثمّ عليك بالوقوف على باب مدينة العلم و قرع هذا الباب الذي حلّ بفضائه الأوّلون و الآخرون!
تذنيب قال المحقّق الدواني: «الترجيح بلا مرجّح مستلزم للترجّح بلا مرجّح،لأنّ تعلّق الإرادة بأحد الطرفين دون الآخر إن كان لا لمرجّح ترجّح أحد المتساويين من دون مرجّح مطلقا،و إن كان لأجل تعلّق الإرادة بذلك التعلّق لزم التسلسل في تعلّقات الإرادة؛ثمّ مجموع تلك التعلّقات أمور ترجّحت على ما يساويها من دون مرجّح فتأمّل»انتهى.و أجاب«الفاضل»بأنّه:«إن اراد بلا مرجّح»في قوله:«لا لمرجّح»،الفاعل،فنختار شقّا ثالثا،و نقول:لا نسلّم انّ المرجّح تعلّق الإرادة بذلك التعلّق بل مرجّحه فاعل المراد بدون تأثير على حدة في تعلّق الإرادة فانّ التأثير في تعلّق الإرادة نفس التأثير في المراد،و إن أراد بالمرجّح الداعي فنختار الشقّ
الأوّل و نقول:لا نسلّم لزوم الترجّح بلا مرجّح بمعنى وقوع الممكن بلا فاعل فانّ فاعل المراد فاعل لتعلّق الإرادة بتأثير واحد منسوب الى المراد بالذات،و الى تعلّق الإرادة بالعرض.و قوله:«فتأمّل»كأنّه إشارة الى انّ قوله:«ثمّ مجموع تلك التعلّقات»الى آخره،محلّ تأمّل،فانّ المرجّح للمجموع مجموع ما قبل الأخير و لهذا المجموع مجموع ما قبل الأخير منه و هكذا،الى غير النهاية فلا محذور الاّ التسلسل»،انتهى.
أقول:و قد عرفت من التحقيق الّذي ذكرنا من قبل،انّ تعلّق الإرادة ليس الاّ بالاستحقاق الاضطراري و الطلب الذّاتيّ من الأشياء،فقد انقلعت الشبهة عن أصلها؛فتبصّر.
المقصد الثالث في نفي الظلم و القبيح عن اللّه تعالى و لنفصّل ذلك في فصول:
فصل[في معنى الظلم و انّه مستحيل على اللّه] اعلم انّ«الظلم»عبارة عن القدر المشترك بين وضع الشيء في غير موضعه، و إمساك ما يجب إعطاؤه لمستحقّه.و ذلك ممتنع على اللّه جلّ مجده لأنّ موضع الشيء:إمّا أن يكون عبارة عما يحسبه العقل موقعا له،و إمّا أن يكون ما يقع فيه الشيء من مرتبة أو صفة أو حالة أو غير ذلك بحسب نفسه و من حيث صدوره عن فاعله،لا سبيل الى الأوّل لأنّ العقل غير محيط‍ بجميع جهات الشيء بل نهاية إدراكه أن يصل الى ما هو عليه الشيء من فاعله،فثبت الثّاني.و من البيّن انّ ما
يقع فيه الشيء يقال له«الواقع»باعتبار وجوده فيه،«و نفس الأمر»باعتبار انّ الشيء في نفسه يقتضي أن يقع هكذا.ف‍«الواقع»هو ما وقع عليه الشيء من فاعله القيّوم،فكلّ ما صدر عن فاعل الكلّ يكون في موقعه،هذا هو معنى الواقع و نفس الأمر لا غير.و لهذا قال مولانا أمير المؤمنين-عليه السّلام-:«الصدق مطابقة المنطق للوضع الإلهي» و كذا الكلام في الإمساك لأنّ حكم العقل بالإمساك في مادّة فرع إحاطته على جميع الجهات المحوجة و وجود الشرائط‍ و المنفعة و رفع الموانع و المضرّة،و ذلك ممّا يتعذّر،بل يقرب من الاستحالة،فالملاك هو الصدور عن العلّة.و لا يتوهّمنّ انّ ما قلنا يضرّ بالقول بالحسن و القبح العقليّين،كلاّ،لأنّ معنى ذلك ليس انّ العقل يحيط‍ بجهات حسن الحسن و قبح القبيح،بل المقصود انّ لكلّ منهما جهة محسّنة أو مقبّحة يمكن للعقل أن يدركها و إن لم يقع ذلك الإدراك قطّ‍.
فصل-فيه وجه آخر اعلم انّه قد مسّت الحاجة المطلقة و الفاقة الكلية من الطبيعة الإمكانية الى ذات غنية عن العالمين من جميع الجهات الممكنة الاحتياج،و ذلك ممّا قد اتّضح بعد تصور معني الإمكان و ثبوته لما سوى اللّه تعالى.و كثيرا ما قد قرع سمعك في الزبر السابقة بالبراهين القاطعة انّ اللّه فاعل مطلق و قادر مطلق و مختار مطلق،و انّ معنى ذلك انّه لا يجب منه و لا عليه شيء و لا يعجز عن شيء و لا يمتنع منه شيء،فالمواد الثلاثة منتفية عن فعله،و لا يسأل عمّا يفعل فهو الفاعل بمقتضى الفضل و الجود، و بمحض الاختيار الّذي لا يضطرّه في فعله موجود،فإذا لم يكن هناك اضطرار لا
من نفسه و لا من غيره،فإن أعطى فبفضله-و له الحمد-و إن منع فبعدله،و لم يجب عليه ذلك فلم يظلم ربّك أحدا،تعالى عن ذلك علوّا كبيرا.
فصل[فيما أعطاه اللّه بمحض الفضل] ثمّ لنتكلّم فيما أعطى بمحض الفضل فنقول:اعلم انّ الحقائق الّتي وجدت عن المبدأ الأول كلّها مترتّبة بالنظر الى أنفسها ترتّب الأصول و الفروع و مرتّبة ترتيب السببي و المسبّبي،فلا يتقدّم متقدّم و لا يتأخّر متأخّر الاّ بقضاء حتم طلبا من اللّه ذلك القضاء من اقتضاء أنفسهم،و الفيّاض الحقّ يعطي كلّ شيء ما يطلبه و يقتضيه فلا يمكن أن يسبق متأخّر متقدّما في ذلك الطلب،لأنّه لو لا المتقدّم لم يكن هذا الطلب من المتأخّر و لا الاقتضاء،فيمتنع أن يتحقّق ظلم هاهنا.و أيضا شأن الفاعل إعطاء ذات الشيء بالجعل البسيط‍،كمال قال سبحانه: أَعْطىٰ كُلَّ شَيْءٍ لكن يتبعها الوجود و يلزمها كما قال بعد ذلك خَلْقَهُ ثُمَّ هَدىٰ على صيغة الماضي.و لا معنى للزيادة و النقيصة في أصل الماهيّة الواحدة و الاّ لزم الانقلاب و لم تكن تلك الماهيّة تلك الماهيّة،و كذا لا معنى لزيادة الوجود و نقصانه بالنسبة الى تلك الماهيّة الواحدة،لأنّ زيادته لا تجعل الماهيّة أعلى مرتبة ممّا اقتضته،لأنّ ذلك انقلاب،و كذا النقصان في الوجود لأنّ الناقص منه إن خرجت الماهيّة بسببه الى الوجود فلا نقصان،و إن لم تخرج فلا إيجاد،بل التفاوت في الوجودات بحسب اختلاف الماهيّات لا بالقياس الى ماهيّة واحدة،كما انّ تكثّره انّما هو بتكثّر الموضوعات.
و أمّا توابع الوجود فهي مجعولات بالعرض،بمعنى أنّ هاهنا جعلا واحدا هو بالنظر الى الماهيّة بالذات،و الى توابعها بالعرض،فيوجد كلّ تابع حيثما يقتضيه مرتبته و الاّ لزم تخلّف اللازم عن الملزوم،هذا في النّعم الابتدائية.
و أمّا في المثوبات و العقوبات الأخروية فهي نتائج الأعمال و صور الصفات و الأحوال،بل هي نفس الأعمال و الصفات المحمودة و المذمومة،و انّما اكتسبت لباسا يناسب النشأة الآخرة،كما قال رسول اللّه-صلّى اللّه عليه و آله-:«انّما هي أعمالكم تردّ إليكم» و ورد:«انّ في الجنة سوقا تباع فيه الصور» إشارة الى تقلّب الأعمال و الصفات و الأكسية الأخروية لا غير.
[فصل[فيه زيادة بيان] و لنزد ذلك بيانا و نقول:إذا لم يكن هناك-أي في فعل الفاعل الأول-إيجاب لا من نفسه و لا من غيره على ما تقرّر عندك بالبراهين الّتي ذكرنا،و ذلك هو المقرّر من مذهب أهل البيت-عليهم السلام-فلا ريب انّه ليس للفاعل احتياج إذ الاحتياج نحو من الوجود فيلزم أن يكون الوجوب من نفسه،و قد أبطلنا ذلك، فثبت انّ الإيجاد بمحض الفضل و الإحسان و كمال الجود و الامتنان.و لمّا كانت العلّة المحوجة هو الإمكان الذاتي و الفقر الأصلي فيكون الإعطاء على حسب السؤال الحالي و الاقتضاء الذاتي،فانّ اللّه يعطي ما يقتضيه الشيء لا ما هو يرتضيه، فحينئذ فالزيادة و النقصان و التقديم و التأخير و غير ذلك،إمّا مع عدم العلم فذلك مستحيل لقيام البرهان على علمه تعالى،و إمّا معه فيجب أن يكون لأمر منظور إليه،و ذلك تستلزم الحاجة بل الإيجاب و ذلك ممّا قد بطل.
فصل[في معنى الحسن و القبح العقليين و انّه يمتنع صدور القبيح عنه تعالى] أمّا امتناع القبح،فاعلم،انّ المراد بحسن الفعل ما يصير بسببه الفاعل مستحقّا للمدح و التعظيم،و المراد بالقبح ما يقابله.و معنى كونهما عقليّين هو أن يكون من شأن العقل أن يعرف ممدوحيّة بعض الأفعال أو مذموميّة بعضها ،و إن يرد بذلك
شرع أو لم يصل إليه حكم الشرع.و قيل:معناهما اشتمال الفعل على الجهة المحسّنة و المقبّحة و إن لم يصل العقل الى معرفتها كما يحكم على الأحكام الإلهية بالحسن بهذا المعنى،لانّه لو لم يكن لها جهة محسّنة لم يصحّ من الحكم أن يشرعها و بالجملة،فكلّ فعل يحكم العقل بقبحه أو هو قبيح في نفس الأمر،و إنّ لم يعرف العقل قبحه،فصدوره ممتنع على اللّه،لأنّه إذا كان عالما بقبحه و غنيّا عن فعله و عن العالمين فصدوره ترجيح للمرجوح بلا داع أصلا و هو مستحيل بالاتفاق،و أيضا في تجويز فعله تجويز ترتّب الذّم عليه و هو ممتنع عقلا.
المقصد الرابع في امتناع صدور الشّر عنه تعالى مع انّ الكلّ من عنده جلّ و علا و لنتكلّم هاهنا في بعض الأصول،لكي يصل الى الحق من أراد الوصول: أصل[في ذكر الشبهة التي للمجوس في الخير و الشرّ و في معنى الشر] ينبغي لنا أن نذكر الشبهة الّتي للمجوس في الخير و الشر و نتخلّص عنها بالبرهان الأنور بالنظر الى حقائق الماهيّات من دون مقايسة بجاعل الذّوات،فانّ ذلك أردع للخصيم و أنفع في مقابلة من يكفر بالدّين القويم.
أمّا تقرير شبهة الشرّ فهو ما يقولون:لا ريب انّ الشرور في عالم الكون و الفساد واقعة،بحيث لا يتمكّن من إنكارها من له قوة مميّزة،و لا محالة هذه الشرور ممكنات،و كلّ ممكن ينتهي سلسلة علله الى المبدأ الأوّل سبحانه،فيلزم أن يكون هو فاعلا للشرور،تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا!و هذه الشبهة عويصة،سيّما على
مذهب من يرى أن لا مؤثّر في الوجود الاّ اللّه،لأنّه يلزم على هذا أن يكون موجدا للشرّ بلا واسطة،لأنّ إعطاء الوجود انّما هو من اللّه على هذا المذهب،و الثنويّة تشبّثوا بهذه الشبهة و جعلوها برهانا على وجود مبدأين:أحدهما للخير و هو يزدان و الآخر للشر و هو أهرمن.و هي من الشّبه القديمة،لما نقل انّه ذكر لأرسطاطاليس معلّم الحكمة،فأجاب عنه بما أجاب به مولانا الصادق-صلوات اللّه عليه-حين عرض عليه تلك الشبهة و هو منع وجود الشر الاّ القليل منه، و وجود مثل ذلك واجب لأنّ ترك الخير الكثير لأجل الشرّ القليل شرّ كثير. و لأهل العلم في بيان ذلك الجواب أقوال أجودها ما ذكره المحقّق الطوسي قدس سرّه في الإشارات مطابقا للشيخ الرئيس على ما حقّقه في الشفاء مقتفيا لآثار المحقّقين من الحكماء؛قال-رحمه اللّه-:«ان الشرّ يطلق على أمور عدميّة من حيث هي غير مؤثّر كفقدان كلّ شيء[ما] من شأنه أن يكون له مثل كالموت و الفقر و الجهل،و على أمور وجودية كذلك كوجود ما يقتضي منع المتوجّه الى كمال عن الوصول إليه،مثل البرد المفسد للثّمار،و السّحاب الذي يمنع القصّار عن فعله، و كالأفعال المذمومة مثل الظلم و الزنا،و كالأخلاق الرذيلة مثل الجبن و البخل، و كالآلام و الغموم و غير ذلك،و إذا تأمّلنا في ذلك وجدنا البرد في نفسه من حيث هو كيفية ما،أو بالقياس الى علّته الموجبة له ليس بشرّ بل هو كمال من الكمالات، انّما هو شرّ بالقياس الى الثّمار لإفساده أمزجتها؛فالشرّ بالذات[هو] فقدان الثّمار كمالاتها اللائقة بها،و البرد انّما صار شرّا بالعرض لاقتضائه ذلك،و كذلك
السّحاب».ثمّ انّه-رحمه اللّه-بسط‍ الكلام في تصحيح الأمثلة على هذا الطرز،ثمّ قال:«فإذن،قد حصل من ذلك انّ الشر في ماهيته عدم وجود أو عدم كمال [لموجود] من حيث[انّ] ذلك العدم غير لائق أو غير مؤثّر عنده،و انّ الموجودات ليست من حيث موجودات[بشرور] و انّما هي شرور بالقياس الى الأشياء العادمة لكمالاتها لا لذاتها ،بل لكونها مؤدّية الى تلك الأعدام»-انتهى.
و عندي انّ ذلك ليس بكلام برهاني بل هو استقراء ناقص غير مفيد لعلم إذعاني.و أيضا،بعد تسليم إطلاق الشرّ على الامور الوجودية كيف ينفع في عدمية الشرّ تأديتها الى الأعدام،انّما ينفع في انّ من الشر ما هو معدوم،لا انّه عدم،و فرق بينهما.و أيضا،ليس أمر من الامور الوجوديّة الاّ و يمكن أن يجعل فيه استلزام عدم و ذلك لا يوجب كونه عدما،و الأفعال الذميمة لصحّة إطلاق الفعل عليها كيف يكون من الأمور العدميّة؛و كذا الصفات الرذيلة:إمّا أن يكون بعضها أضدادا لمقابلاتها فوجوديّتها غير خفيّة،و إمّا أعدام ملكة و هي أيضا وجوديّات، كما ثبت في مقرّه؛و أمّا الأمثلة العدميّة فهي عند أهل الحق أمور وجوديّة من وجه:إذ الموت انتقال من نشأة و لهذا قال اللّه سبحانه: اَلَّذِي خَلَقَ اَلْمَوْتَ وَ اَلْحَيٰاةَ كما الحال في سائر الانتقالات من حين الصّبا الى الشيخوخة كذلك، و في الأخبار النبويّة«انّكم خلقتم للأبد و انّما تنقلون من دارا الى دار» و أمّا الجهل
فهو عدم ملكة العقل و لهذا أسند الخلق إليه في حديث العقل ؛و كذا الفقر و أمثاله و بالجملة،«الإمكان»الذي هو منبع الفقر و معدن الفاقة وجوديّ في مدارك أرباب البرهان؛فما ظنّك بمصداقاته!غاية ما في الباب أن يلزم من ذلك كون الشرّ معدوما لا عدما،و بينهما بون بعيد،و مع قطع النظر عن ذلك فانّما اقتفى المحقّق و أمثاله- شكر اللّه مساعيهم-إثر المشائين و هذا معلّمهم الأوّل صرّح في منطقه و غيره بأنّ التقابل بين الخير و الشر من التضادّ و يلزم من ذلك وجوديّتهما،خلافا لمن زعم عدمية الشر،و لمن ظنّ عدميّة الخير،و ذلك أشنع!و القول الفصل انّهما أمران وجوديّان و مفهومان خارجيّان،كما لا يخفى على من تتبّع مظانّهما؛و أيضا،لا شكّ في تقابلهما و عدم اجتماعهما في موضوع من جهة واحدة،و لا يمكن أن يكونا متناقضين و لا متضايفين،و ذلك ظاهر.و نقول:و كذا العدم و الملكة،إذ من خواصّهما أن تنقلب الملكة الى العدم،و لا يمكن أن يكون الخير من حيث هو خير ينقلب شرّا فبقي،أن يكونا ضدّين.
و أيضا،من خواصّ الضدّين أن يكونا تحت جنس،و الخير و الشر كذلك،لأنّهما تحت«الكيفيّة»لأنّ ماهيّة الخير هو المؤثر و اللائق-سواء كان للشيء نفسه أو لغيره-و لا ريب انّهما يقعان في جواب«كيف هو؟»فهما من«الكيف»و يقع التشابه فيهما،و كذا الشدة و الضعف،و ذلك من خواصّ«الكيف»و أمّا ما حقّقوا من انّ الوجود خير و العدم شرّ فلا يضرّ بهذا المقام إذ لا ينعكس الموجب الكلي كنفسه، مع انّ المقدمتين عندهم من المشهورات و لم أجد أحدا برهن عليه،لكن عندي انّ المقدمة المشهورة من انّ«الوجود خير»برهانيّة،و لا تنافي شهرتها برهانيّتها كما تقرّر في موضعه.
و أمّا البرهان،فاعلم إنّ الوجود من لوازم الماهيّات،لكن يحتاج الى واسطة في الثبوت و هو العلّة،و لا ينافي ذلك لزومه؛فكل وجود من حيث هو وجود مؤثّر و متشوّق للماهية شوقا ذاتيّا و هو اللائق بها فيكون خيرا بالذات،فيكون العدم شرّا.
إذا عرفت ذلك،فاعلم انّ قسمة الماهيّات باعتبار الخيريّة و الشريّة لا يزيد على خمس:لأنّ ذلك حصر عقلي،و ذلك لأنّه:إمّا أن يكون خيرا محضا لا شريّة فيه أصلا،أو لا يكون كذلك،و الثّاني:إمّا أن يكون شرّا محضا لا خيريّة فيه أصلا، أو ليس كذلك :فإمّا أن يتساوى الأمران،أو لا يتساويا:فإمّا أن يغلب الخير أو الشرّ.و سرّ ذلك التقسيم انّ الخير و الشرّ:إمّا أن يكونا بالذات،أو بالغير،و نعني بما بالذات ما يكون للشيء مع قطع النظر عن الغير،و بما بالغير ما بخلافه.و من خواصّ الأوّل انّه يكون خيرا أو شرّا بتمامه،و الثاني انّه يكون كذلك من بعض الوجوه،و ذلك لأنّ الماهيّة إذا كانت شرّا بالذات مثلا:فإمّا بتمام ذاته كذلك،أو ببعض ذاته،أي أجزاء ذاته أو بلوازم ذاته،و الأخيران يرجعان الى الأوّل؛أمّا الثّاني فلأنّ جزء الذات موجود بوجود الذات،فلو كان بعض ذاته خيرا و بعضه شرّا يلزم أن يكون المتقابلان موجودين بوجود واحد و ذلك ممتنع؛و أمّا الثالث فلأنّ بين اللازم و ملزومه يجب أن يكون مناسبة لست أعني أيّة مناسبة كانت،بل بحيث يكون اللازم حكاية الملزوم و صورته الظاهرة منه و مرتبة نزوله السفلي،فلو كانت الشريّة لازمة لحقيقة من الحقائق وجب أن يكون تلك الحقيقة شرّا،فبثت من ذلك رجوع الثّلاثة الى حكم واحد و هو الشرّ بتمامه،و كذا الكلام في الخير،
فهذان قسمان من الخمسة؛و أمّا الذي بالغير و بالقياس إليه:فإمّا أن يتساوى الخير و الشرّ،أو يغلب أحدهما على الآخر،فهذه ثلاثة،و المجموع خمسة.
إذا تمهّدت هذه المقدّمات الّتي لا تحوم حولها الشبهات،فاعلم انّ الشر بالذات بمعانيه الثلاثة الراجعة الى شيء واحد ممتنع تحقّقه،بمعنى انّه يمتنع أن يوجد ماهيّة هي شرّ بتمامها،لأنّ أحد وجوهها الوجود و هو خير بالذات؛و أمّا الشر الغالب و المساوي فيمتنعان أيضا،لأنّهما:إمّا أن يكونا من أقسام الشرّ بالذات،و قد ظهر انّه ليس كذلك،على انّه لو كانا من أقسام ما بالذات يلزم اجتماع الضدّين،و قد تقرّر في مظانّه انّه من خواصّ الضدّين أن لا يجتمعا في موضوع واحد من جهة و لا من جهتين،لأنّ ذلك انّما يصحّ فيما يجري فيه المقايسة،و الضدّان ليسا كذلك، فلا يجتمعان أصلا؛و إمّا أن يكون الغالب و المساوي من أقسام الشرّ بالقياس الى الغير و هذا صحيح لكنّه ممتنع التحقّق،و ذلك لأنّ الشر بالقياس الى الغير إذا كان غالبا أو مساويا:فإمّا لكون ذلك الغير لازما للماهيّة الّتي يقال فيها شرّ بالنظر الى هذا الغير فيجب أن يكون الشرّ لازما لها أيضا و إن كان بالواسطة و ذلك ممتنع لاستلزامه اجتماع الضدّين،فإذا كان الشرّ غير لازم يجب أن يكون ذلك الغير أيضا غير لازم،فكلاهما غير لازمين،فيكون حيث اتّفقت مصادمة الغير مع تلك الماهيّة و مزاحمته لها،و من البيّن انّ الاتّفاق ممّا قد يندر كل الندرة لأنّ ذلك انّما يكون في عالم الوجود لا كلّه،بل في عالم التضاد،و ذلك بين أشخاص من أنواع يتحقّق بينهما المنافرة،لا كل أشخاص،بل أشخاص يجمع وجودها زمان،و لا بين كلّ مجتمع في زمان،بل مع اجتماعات و مصادمات و لا في كل زمان التصادم،بل ما لم يكن مانع من الفعل و الانفعال و لا كلّ وقت يتحقّق ذلك،بل حينما يكون وجود المتأثّر نافعا،الى غير ذلك من الشرائط‍،و هذا انّما يتيسّر في أقلّ القلّة و أندر
الندرة؛فإذا بطل هذان القسمان و هو الغالب و المساوي و قد أبطلنا وجود الشرّ الكلي،فبقي من الاحتمالات الخمسة اثنان:الخير المطلق و الخير الغالب.و يجب وجود القسمين:أمّا الأوّل،فلأنّ وجود الخيرات المنبثّة في العوالم العلويّة و السفليّة و ضرورة انتهاء كل خير الى مبدأ واحد يوجب وجوده؛و الثّاني بيّن الوجود. و ظهر من ذلك تحقّق الشرّ القليل الذي ليس بالذات بل بالعرض و القياس،فلا يحتاج الى مبدأ ينتهي إليه،لأنّ الأمور الّتي بالقياس انّما وجودها وجود بالعرض، كما انّ ماهيّتها كذلك؛فتبصّر.هذا هو الجواب عن تلك الشبهة مع عدم اعتبار حكمة المبدأ الأوّل تعالى و من دون المقايسة إليه جلّ مجده،كما لا يخفى.و ليعلم انّه يمكن أن يتحدّس من ذلك انّ كلّ شيء في عالم الوجود فهو خير مطلق،و الشرّ انّما يتراءى و يظنّ ظنّا ما،حسبما يدركه الإنسان في ظاهر الحال من قياس شيء الى آخر يضادّه،لكن ليس له الاطّلاع التّام على انّ إزالة ذلك هذا و إبطاله هل يكون خيرا له أو شرّا،فعسى أن لا يكون شرّا أصلا؛و هذا كلام طويل الذّيل،و ناهيك هذه اللّمعة في سواد هذا اللّيل.
أصل [في بيان امتناع تحقّق الشرّ بالنظر الى كبريائه تعالى مع انّ الكلّ من عنده] و لنتكلّم على طرز آخر،و هو التمسّك بحبل اللّه و المقايسة الى مبدأ كلّ شيء و منتهاه،و بيان امتناع تحقّق الشرّ بالنظر الى كبريائه،و استحالة نسبة الشرّ الى حريم جلاله،مع انّ الكلّ من عنده:
اعلم انّ الشرّ بالذات ما يكون الشريّة داخله في ذاته أو من لوازم ذاته.و ذلك مستحيل الوجود،غير جائز في عالم الشهود،و ذلك لأنّه من المستبين انّ في المبدأ الأعلى بحسب ذاته خيريّة لاستناد الخيرات الواقعة في العالم الى حكمته البالغة، و يجب من ذلك أن يكون خيرا محضا لا شريّة فيه أصلا،إذ لو كانت فيه شريّة: فإمّا جزء ذاته فيلزم التركب،تعالى عن ذلك؛و إمّا من لوازم ذاته فيلزم أن يكون شرّا محضا إذ البسيط‍ الحقيقي ليست فيه جهة و جهة،على انّه يمتنع عند أهل الحقّ أن يكون المبدأ الأوّل تعالى يستلزم شيئا أو يستلزمه شيء.
إذا ثبت هذا،نقول:لو كان في الوجود ماهيّة هي شرّ بالذات بالمعنى الذي قلنا: فإمّا أن يكون مستندة إليه تعالى،أو الى غيره،أو مستقلّة بنفسها.و الغير:إمّا أن ينتهي الى المبدأ الأوّل،أو ينتهي الى غيره ممّا لا ينتهي إليه،فهذه أربعة أقسام كلّها ممتنعة:أمّا الأوّل،فلأنّ المعلول عند أهل المعرفة أثر من آثار العلّة و عنوان لأوصافها الذاتيّة و كمالاتها الحقيقية،فاستناد الشرّ إليه ينافي خيريّة المحضة،و كذا الثّاني لأنّ الانتهاء إليه هو الاستناد إليه،لأنّ الوسائط‍ لا دخل لها في إفادة الماهيات و جعل الذوات و الوجودات،بل ذلك ممّا استأثر اللّه به و لا يتعدّاه الى غيره،و أمّا الثالث و الرابع و هما أن ينتهي الى مبدأ مستقل أو يكون الشر مبدءا مستقلاّ فممتنعان أيضا،لما قد ثبت من امتناع ذاتين مستقلّتين في الوجود،و مع قطع النظر عن البرهان لا يوجد لهذا الحكم مخالف،إذا الثنوية أنفسهم قائلون بأنّ يزدان الذي هو فاعل الخير خلق أهرمن لتصدر عنه الشرور؛فثبت انّه لو كان في الوجود شرّ لكان ذلك بالعرض و بالقياس الى شيء،فنقول:
هذا الذي هو شر بالقياس:إمّا أن تغلب فيه الشريّة و ذلك بأن تترتّب الشرية على وجوده أكثر من الخيرية،أو بأن يكون شرّا بالنظر الى أكثر الموجودات،و إمّا ان تقلّ فيه الشرية،و إمّا أن تتساوى خيريّته و شريّته بالمعنيين الّذين سبق ذكره في غالب الشرية،و الأوّل و الثالث باطلان لا يوجدان،و ذلك لأنّ الشرية لا تكون للحقائق بعضها بالنسبة الى بعض،و الاّ لكان بالذات،و لأنّ السلسلة الطولية المترتّبة لا يتصوّر فيها ذلك،لأنّها مترتّبة بالعموم و الخصوص،و أمّا السلسلة العرضية فكذلك،إذ لا تضادّ بين انواع الجواهر،و لا بينها و بين الأعراض لاحتياجها إليها و لا بين جميع مقولات العرض بل بين بعضها،و لا بين الأنواع بل بين الأشخاص،و لا بين كلّ الأشخاص بل أشخاص من شأنها أن يزيل بعضها بعضا،فظهر انّ الإضرار إمّا في الأشخاص الجوهرية أو في الأشخاص العرضية في الأوقات الاتفاقيّة،و ذلك قليل نادر،كما لا يخفى على المتبصّر.
تذنيب [في ذكر شبه فخر الدين الرازي و أجوبتها] و بالحري أن نذكر بعض الشّبه الّتي احتجّ بها إمام المشكّكين و تبجّج بها هذا الّذي هو رأس الشياطين ثمّ نتبعها بالأجوبة القالعة لبنيانها فيخرّ عليهم السقوف بعروشها:
الشبهة الاولى: انّ العلم بعدم الإيمان و أصل وجود الإيمان متنافيان لذاتيهما كالحركة و السكون،و ذلك لأنّ العلم بعدم الإيمان لا يكون علما الاّ مع عدم الإيمان، و هو وجود الإيمان متنافيان،فالعلم بعدم الإيمان مناف لوجود الإيمان،فكما انّ الأمر بالجمع بين الحركة و السكون أمر بإيجاد ما يمتنع،فكذلك هنا؛ثمّ يقول:انّ اللّه كان عالما في الأزل بأن«أبا لهب»لا يؤمن،ثمّ انّه أمره بذلك،فكان هذا أمرا
بالجمع بين المتنافيين.ثمّ قال:و القول بتكليف ما لا يطاق لازم عليكم في مسألة العلم يا أرباب الاعتزال،كما انّه لازم علينا في مسألة خلق الأفعال،و لو انّ جملة العقلاء اجتمعوا و ارادوا أن يوردوا على هذا الكلام حرفا لما قدروا عليه الاّ أن يلتزموا مذهب هشام بن الحكم و هو انّ اللّه تعالى لا يعلم الأشياء قبل وقوعها لا بالوجود و لا بالعدم.
الشبهة الثانية: انّ اللّه تعالى قال: إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا سَوٰاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاٰ يُؤْمِنُونَ فاولئك الذين أخبر اللّه عنهم بهذا الخبر،لو آمنوا لانقلب هذا الخبر كذبا،و الكذب محال على اللّه،و المفضي الى المحال محال،فكان صدور الإيمان محالا مع ان اللّه يأمرهم بالإيمان.
الشبهة الثالثة: انّه تعالى كلّف«أبا لهب»بأن يؤمن و من جملة الإيمان تصديق اللّه فيما أخبر عنه،و ممّا أخبر عنه انّ أبا لهب لا يؤمن،فقد صار ابو لهب مكلّفا بأن يؤمن بأنّه لا يؤمن،و هذا تكليف بالجمع بين النقيضين.
و الجواب على ما قاله بعض الأفاضل عن الأوّل:بأنّه«إن أراد بالتنافي أن يكون رفع كل منهما من أجزاء العلّة التامة للآخر فالدليل لا يدلّ عليه،لأنّا لا نسلّم انّ انتفاء الإيمان و تحقّق الإيمان متنافيان بهذا المعنى،و لو سلّم فلا نسلّم انه يستلزم أن يكون العلم بانتفاء الإيمان منافيا لتحقّق الإيمان بهذا المعنى،و إن أراد أعمّ من ذلك بطل قوله:«فكما انّ الأمر بالجمع»الى آخره،لأنّه إن أراد بالجمع بين المتنافيين الأمر بكلّ منهما،فليس المشبّه كالمشبّه به،و إن أراد أعمّ من ذلك فتحقّق الإيمان ليس ممّا لا يطاق،لأنّه ليس ممتنعا بالذات و لا ممتنعا لفقد شيء من علته التامة،و الامتناع باعتبار آخر لا ينافي القدرة و لا الاستقلال بالقدرة،و الاّ يلزم أن لا يكون اللّه سبحانه قادرا بالاستقلال،لكونه تعالى عالما بأفعاله و تروكه؛
و عن الثاني بهذا الجواب؛
و عن الثالث بأنّ هذا خروج عن محلّ النزاع،فانّ النزاع انّما هو في التكليف بالفعل الّذي حضر وقته،لا التكليف بالفعل المعلّق على شرط‍ متقدّم عليه زمانا منتظر من المكلّف غير حاصل بعد كتكليف صاحب الحدث بالصلاة،فانّه يتعلّق بالممكن الغير المقدور،بناء على انّ القدرة لا تتحقّق في العباد قبل وقت الفعل عندنا فربّما تعلّق أيضا بالمحال في نفسه إذا كان منشؤه سوء اختيار المكلّف و إخبار اللّه عنه.و الحاصل انّ الإيمان من أفعال القلب و مصداقه الجوارح،و هي مترتبة زمانا حتّى انّ قول«لا إله الاّ اللّه»مركّب من حروف مترتّبة زمانا،فإن أراد بقوله:«فقد صار أبو لهب مكلّفا»الى آخره،أنّ إيمان أبي لهب بأنّه لا يؤمن جزء من الإيمان غير مسبوق زمانا بجزء آخر منه فدليله لا يثبت مدّعاه،و إن أراد أعمّ من ذلك فلا يفيده في محلّ النزاع؛هذا هو الكلام الصحيح في دفع الوجوه الثلاثة عن المذهب الصحيح»انتهى كلامه أعلى اللّه مقامه.
و أقول:عندي انّ هذه الأجوبة ممّا لا غبار عليه بناء على الأصول الظاهرة المتواطأ عليها،لكن الحق الحقيق بالإيقان لأهل العرفان بمرمى صعب المسالك، و معزل عن إدراك هذه المدارك،و إن كنت ممّن يشتهي صرف الحق و الحق الصّرف، فكن ممّن ألقى السّمع و هو شهيد حتّى تلقى الأمر الرشيد و تسمع شيئا لست تسمعه من آبائك الأوّلين،و لا رأيته في زبر السابقين:
اعلم-أعانك اللّه لفهم غوامض أسراره و أنار قلبك من لوامع أنواره-انّ سبب هذه الأغلاط‍ و أصول الشبهات الجهل بمعنى الأزل و الأزلي،و ادّعاء معرفة العلم الأزلي،فأوقعهم ذلك في هذه المهالك،و تفرّق بهم المسالك،كلّ ذلك لأنّهم لم يأتوا
البيوت من أبوابها،و انّهم لن يغنوا من الحق شيئا،و لا ازدادوا الاّ بهتانا و كفرا، فعموا عن الحق و صمّوا ثمّ عموا و صمّوا،أو ليس من المستبين عندك ممّا أسلفنا لك من المعارف،و عرّفناك ما لم تكن تعرف انّ الأزل ليس كما يتوهّمه أهل الأهواء الفاسدة ظرفا للوجود،متقدّما على الزمان تقدم ذوات المقادير،و منتهيا الى مبدأ وجود الزمان الذي هو وعاء الانصرام و التغيير،و إلاّ لكان هو أيضا أمرا مقتدرا متصرّما كالزمان متجزّئا بالذهاب و الإتيان،فالأوّل عبارة عن اللاّمسبوقية بشيء و اللاّمعية لشيء،و هذا المعنى ثابت أمس و الآن و غدا،و لا انقطاع له أمدا،لست أعني بذلك انّه منطبق على الزمان،و لا أنّه كان أمس و الآن كائن و سيكون،على ما توهّموا من استمرار الوجود و بقائه،بل بمعنى انّه محيط‍ بما هو كان و انّه يصدق على الأزلي في كلّ آن انّه كان،ففي الأمس و الآن كان،و ليس له ماض و استقبال و«ليس عند ربّك صباح و لا مساء»،و لا يصحّ«متى كان؟»و«متى يكون؟» و«متى هو كائن؟»فانّ كلّ ذلك تجدّد حال و اختلاف أحوال،بل هو كائن في كلّ زمان و لا يخلو عنه زمان و لا مكان.
ثمّ اعلم انّ علمه تعالى كذاته ليس يصدق عليه«كان»و لا«سيكون»،و ما ورد من انّه كان عالما إذ لا معلوم ،يصحّ الآن بعين ما يصحّ القول بذلك فيما سبق من الزمان،فعلمه بالأشياء قبل كونها كعلمه بها بعد ما كوّنها،على ما ورد أيضا، كما انّ ذاته سبحانه كذلك،فليس هناك تابعية و لا متبوعية و لا استحصال و لا استحضار،و ذلك لما قد تقرر في مقره:انّ علمه تعالى بالأشياء هو نفس ذاته الغنيّة عن العالمين على معنى انّ علمه بالأشياء هو عين علمه بذاته،إذ لو كان غيره لتفاوتت ذاته سبحانه،و ذلك كفر عند أهل العرفان.و يجب من ذلك أن تكون معلوميتها بعين معلوميّته تعالى،و الاّ لكان علمه بها غير علمه بذاته تعالى،و قد بان استحالة هذا.و من البيّن انّ معلوميّة الأشياء له هو وجودها له،و يجب أن
يكون وجودها له هو وجودها عنه،و الاّ لتقدّم الوجود الرّابطي على الوجود في نفسه و تأخّرت الهليّة البسيطة عن المركّبة،و ذلك ضروري الاستحالة،فمعلومية الأشياء له هو وجودها عنه.ثمّ نقول :وجود الأشياء عنه هو معلوميتها له و الاّ لكان وجودها غير معلوميتها له ،و قد ثبت بطلانه.و معلوميتها له بعين معلوميته لنفسه-كما سبق-و معلوميته لذاته عين علمه بنفسه،و علمه بنفسه هو علمه بالأشياء،فوجود الأشياء هو علمه بالأشياء.و هذا أيضا ينعكس كليّا،و الاّ لكان علمه بالأشياء غير وجودها له،و يلزم منه أن يكون غير وجودها أيضا،و قد ثبت امتناعه،فليس بينه و بين الأشياء غير علمه بها.كما ورد في الخبر.و العلم كما انّه عين العالم من وجه و الاّ لكان عالما بعلم-تعالى اللّه عن ذلك-كذلك هو عين المعلوم بوجه،و الاّ لكان المعلوم ليس معلوما بمحض معلومية الذات.فإذا أخذ من حيث هو عين العالم فيصحّ أن يقال:لم يزل اللّه عالما و العلم ذاته و لا معلوم،كما في الأخبار ،و إذا أخذ من حيث هو عين المعلوم فحينئذ يصح على الحقيقة من دون توسّع ما ورد في القرآن الكريم من الآيات الدّالة على تجدّد العلم حسب تجدّد المعلوم و حدوثه من حيث حدوثه قال اللّه تعالى: وَ لِيَعْلَمَ اَللّٰهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ، و ليعلم اللّه ما في قلوبكم ،و فَعَلِمَ مٰا فِي قُلُوبِهِمْ ،و لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً الى غير ذلك.
إذا تعرفت هذا العلم الغامض،و ذقت ذلك الحلو الحامض،فاعلم انّ العلم بالاعتبار الأوّل من صفاته الذاتية و هو لا يقتضي معلوما،بل يحكم باستهلاك المعلوم،و يقتضي فناء هذه الرسوم،و ليس بالنسبة إليه تكليف،و لا تقدّم و لا تأخّر بل هو مستمرّ أزلا و أبدا و غيبا و شهادة؛و أمّا بالاعتبار الثاني فيجامع المعلوم،بل هو كما عرفت نفس وجوده،فيتحقّق باعتباره التكليف بكلّ فعل حضر وقته، و ذلك في كلّ زمان تحقّق وجود المكلّف و قدرته الى انقضاء أجله؛فلا يتحقّق تكليف بما لا يطاق و بالجملة،فإخبار اللّه تبع لعلمه الّذي هو وقوع المعلوم على النحو الّذي وقع،و هذا هو معنى«العلم الفعلي»في اصطلاح أرباب الحكمة لا ما توهّمه أكثر المتفلسفة.فلمّا لم يكن أبو لهب يؤمن حين ما يكلّف أخبر اللّه نبيّه- صلّى عليه و آله-بأنّه لم يؤمن مثل ما انك تكلّف أحدا بفعل و لم يقبل أمرك،تيقّنت بأنّه لم يأتمر الى أن يتكرر ذلك منه و منك فتأيس من قبوله؛فافهم،فإنّ ذلك ممّا لا يناله الأكثر،ثمّ تبصّر،فإنّه ممّا لم تجده في كتاب و لا دفتر؛و الحمد للّه على فضله و إنعامه.

divider