شناسه حدیث :  ۳۱۰۱۸۲

  |  

نشانی :  التوحيد  ,  جلد۱  ,  صفحه۶۹  

عنوان باب :   2 باب التوحيد و نفي التشبيه

معصوم :   امام رضا (علیه السلام) ، امیرالمؤمنین (علیه السلام)

حَدَّثَنَا أَبُو اَلْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْحَاقَ اَلطَّالَقَانِيُّ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ اَلْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ اَلْعَدَوِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا اَلْهَيْثَمُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ اَلرُّمَّانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى اَلرِّضَا عَنْ أَبِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ اَلْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ اَلنَّاسَ فِي مَسْجِدِ اَلْكُوفَةِ فَقَالَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي لاَ مِنْ شَيْءٍ كَانَ وَ لاَ مِنْ شَيْءٍ كَوَّنَ مَا قَدْ كَانَ مُسْتَشْهِدٌ بِحُدُوثِ اَلْأَشْيَاءِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ وَ بِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنَ اَلْعَجْزِ عَلَى قُدْرَتِهِ وَ بِمَا اِضْطَرَّهَا إِلَيْهِ مِنَ اَلْفَنَاءِ عَلَى دَوَامِهِ لَمْ يَخْلُ مِنْهُ مَكَانٌ فَيُدْرَكَ بِأَيْنِيَّةٍ وَ لاَ لَهُ شِبْهُ مِثَالٍ فَيُوصَفَ بِكَيْفِيَّةٍ وَ لَمْ يَغِبْ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ فَيُعْلَمَ بِحَيْثِيَّةٍ مُبَايِنٌ لِجَمِيعِ مَا أَحْدَثَ فِي اَلصِّفَاتِ وَ مُمْتَنِعٌ عَنِ اَلْإِدْرَاكِ بِمَا اِبْتَدَعَ مِنْ تَصْرِيفِ اَلذَّوَاتِ وَ خَارِجٌ بِالْكِبْرِيَاءِ وَ اَلْعَظَمَةِ مِنْ جَمِيعِ تَصَرُّفِ اَلْحَالاَتِ مُحَرَّمٌ عَلَى بَوَارِعِ ثَاقِبَاتِ اَلْفِطَنِ تَحْدِيدُهُ وَ عَلَى عَوَامِقِ نَاقِبَاتِ اَلْفِكْرِ تَكْيِيفُهُ وَ عَلَى غَوَائِصِ سَابِحَاتِ اَلْفِطَرِ تَصْوِيرُهُ لاَ تَحْوِيهِ اَلْأَمَاكِنُ لِعَظَمَتِهِ وَ لاَ تَذْرَعُهُ اَلْمَقَادِيرُ لِجَلاَلِهِ وَ لاَ تَقْطَعُهُ اَلْمَقَايِيسُ لِكِبْرِيَائِهِ - مُمْتَنِعٌ عَنِ اَلْأَوْهَامِ أَنْ تَكْتَنِهَهُ وَ عَنِ اَلْأَفْهَامِ أَنْ تَسْتَغْرِقَهُ وَ عَنِ اَلْأَذْهَانِ أَنْ تُمَثِّلَهُ قَدْ يَئِسَتْ مِنِ اِسْتِنْبَاطِ اَلْإِحَاطَةِ بِهِ طَوَامِحُ اَلْعُقُولِ وَ نَضَبَتْ عَنِ اَلْإِشَارَةِ إِلَيْهِ بِالاِكْتِنَاهِ بِحَارُ اَلْعُلُومِ وَ رَجَعَتْ بِالصُّغْرِ عَنِ اَلسُّمُوِّ إِلَى وَصْفِ قُدْرَتِهِ لَطَائِفُ اَلْخُصُومِ وَاحِدٌ لاَ مِنْ عَدَدٍ وَ دَائِمٌ لاَ بِأَمَدٍ وَ قَائِمٌ لاَ بِعَمَدٍ لَيْسَ بِجِنْسٍ فَتُعَادِلَهُ اَلْأَجْنَاسُ وَ لاَ بِشَبَحٍ فَتُضَارِعَهُ اَلْأَشْبَاحُ وَ لاَ كَالْأَشْيَاءِ فَتَقَعَ عَلَيْهِ اَلصِّفَاتُ قَدْ ضَلَّتِ اَلْعُقُولُ فِي أَمْوَاجِ تَيَّارِ إِدْرَاكِهِ وَ تَحَيَّرَتِ اَلْأَوْهَامُ عَنْ إِحَاطَةِ ذِكْرِ أَزَلِيَّتِهِ وَ حَصِرَتِ اَلْأَفْهَامُ عَنِ اِسْتِشْعَارِ وَصْفِ قُدْرَتِهِ وَ غَرِقَتِ اَلْأَذْهَانُ فِي لُجَجِ أَفْلاَكِ مَلَكُوتِهِ مُقْتَدِرٌ بِالْآلاَءِ وَ مُمْتَنِعٌ بِالْكِبْرِيَاءِ وَ مُتَمَلِّكٌ عَلَى اَلْأَشْيَاءِ فَلاَ دَهْرٌ يُخْلِقُهُ وَ لاَ وَصْفٌ يُحِيطُ بِهِ قَدْ خَضَعَتْ لَهُ ثَوَابِتُ اَلصِّعَابِ فِي مَحَلِّ تُخُومِ قَرَارِهَا وَ أَذْعَنَتْ لَهُ رَوَاصِنُ اَلْأَسْبَابِ فِي مُنْتَهَى شَوَاهِقِ أَقْطَارِهَا مُسْتَشْهِدٌ بِكُلِّيَّةِ اَلْأَجْنَاسِ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ وَ بِعَجْزِهَا عَلَى قُدْرَتِهِ وَ بِفُطُورِهَا عَلَى قِدْمَتِهِ وَ بِزَوَالِهَا عَلَى بَقَائِهِ فَلاَ لَهَا مَحِيصٌ عَنْ إِدْرَاكِهِ إِيَّاهَا وَ لاَ خُرُوجٌ مِنْ إِحَاطَتِهِ بِهَا وَ لاَ اِحْتِجَابٌ عَنْ إِحْصَائِهِ لَهَا وَ لاَ اِمْتِنَاعٌ مِنْ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا - كَفَى بِإِتْقَانِ اَلصُّنْعِ لَهَا آيَةً وَ بِمَرْكَبِ اَلطَّبْعِ عَلَيْهَا دَلاَلَةً وَ بِحُدُوثِ اَلْفِطَرِ عَلَيْهَا قِدْمَةً وَ بِإِحْكَامِ اَلصَّنْعَةِ لَهَا عِبْرَةً فَلاَ إِلَيْهِ حَدٌّ مَنْسُوبٌ وَ لاَ لَهُ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ وَ لاَ شَيْءٌ عَنْهُ مَحْجُوبٌ تَعَالَى عَنْ ضَرْبِ اَلْأَمْثَالِ وَ اَلصِّفَاتِ اَلْمَخْلُوقَةِ عُلُوّاً كَبِيراً وَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ إِيمَاناً بِرُبُوبِيَّتِهِ وَ خِلاَفاً عَلَى مَنْ أَنْكَرَهُ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ اَلْمُقَرُّ فِي خَيْرِ مُسْتَقَرٍّ اَلْمُتَنَاسَخُ مِنْ أَكَارِمِ اَلْأَصْلاَبِ وَ مُطَهَّرَاتِ اَلْأَرْحَامِ اَلْمُخْرَجُ مِنْ أَكْرَمِ اَلْمَعَادِنِ مَحْتِداً وَ أَفْضَلِ اَلْمَنَابِتِ مَنْبِتاً مِنْ أَمْنَعِ ذِرْوَةٍ وَ أَعَزِّ أَرُومَةٍ مِنَ اَلشَّجَرَةِ اَلَّتِي صَاغَ اَللَّهُ مِنْهَا أَنْبِيَاءَهُ وَ اِنْتَجَبَ مِنْهَا أُمَنَاءَهُ اَلطَّيِّبَةَ اَلْعُودِ اَلْمُعْتَدِلَةَ اَلْعَمُودِ اَلْبَاسِقَةَ اَلْفُرُوعِ اَلنَّاضِرَةَ اَلْغُصُونِ اَلْيَانِعَةَ اَلثِّمَارِ اَلْكَرِيمَةَ اَلْحَشَا فِي كَرْمٍ غُرِسَتْ وَ فِي حَرَمٍ أُنْبِتَتْ وَ فِيهِ تَشَعَّبَتْ وَ أَثْمَرَتْ وَ عَزَّتْ وَ اِمْتَنَعَتْ فَسَمَتْ بِهِ وَ شَمَخَتْ حَتَّى أَكْرَمَهُ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِالرُّوحِ اَلْأَمِينِ وَ اَلنُّورِ اَلْمُبِينِ وَ اَلْكِتَابِ اَلْمُسْتَبِينِ وَ سَخَّرَ لَهُ اَلْبُرَاقَ وَ صَافَحَتْهُ اَلْمَلاَئِكَةُ وَ أَرْعَبَ بِهِ اَلْأَبَالِيسَ وَ هَدَمَ بِهِ اَلْأَصْنَامَ وَ اَلْآلِهَةَ اَلْمَعْبُودَةَ دُونَهُ سُنَّتُهُ اَلرُّشْدُ وَ سِيرَتُهُ اَلْعَدْلُ وَ حُكْمُهُ اَلْحَقُّ صَدَعَ بِمَا أَمَرَهُ رَبُّهُ وَ بَلَّغَ مَا حَمَّلَهُ حَتَّى أَفْصَحَ بِالتَّوْحِيدِ دَعْوَتَهُ وَ أَظْهَرَ فِي اَلْخَلْقِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ حَتَّى خَلَصَتْ لَهُ اَلْوَحْدَانِيَّةُ وَ صَفَتْ لَهُ اَلرُّبُوبِيَّةُ وَ أَظْهَرَ اَللَّهُ بِالتَّوْحِيدِ حُجَّتَهُ وَ أَعْلَى بِالْإِسْلاَمِ دَرَجَتَهُ وَ اِخْتَارَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِنَبِيِّهِ مَا عِنْدَهُ مِنَ اَلرَّوْحِ وَ اَلدَّرَجَةِ وَ اَلْوَسِيلَةِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ عَدَدَ مَا صَلَّى عَلَى أَنْبِيَائِهِ اَلْمُرْسَلِينَ وَ آلِهِ اَلطَّاهِرِينَ .
زبان شرح:

شرح توحید الصدوق / قاضی سعید قمی ; ج ۱  ص ۴۳۲

لمّا كان اللّه سبحانه منتهى العلل و مبدأ المبادي لكونه موجودا بنفسه لا بغيره،فهو لا من شيء كان،و أمّا الأشياء المكوّنة الصّادرة منه فلا يسبقها مادّة و لا موضوع و لا شبح له و لا صورة و لا عين و لا أثر لكونه صادرة في الوجود العقلي و الشهود العلمي من علمه تعالى بنفسه،بل بالنظر العرفاني،عين علمه بذاته الّتي هي مبدأ كلّ شيء فلا يسبقها سوى الذات الأحدية و هي شيء لا كالأشياء فظهر انّها مكوّنة لا من شيء لأنّها مبتدأة من اللّه كما انّها كائنة لا عن شيء لعدم سبق المادّة عليها.
[القول في انّه تعالى مستشهد بالأشياء على أزليته و قدرته و دوامه] مستشهد بحدوث الأشياء على أزليّته و بما و سمها به من العجز على قدرته و بما اضطرّها إليه من الفناء على دوامه
هذه الفقرات الثلاث مبتنية على قاعدة شريفة مقتبسة من أنوارهم عليهم السلام،مبرهنة عليها عند العلماء الأعلام،و هي انّ كلّ صفة خسيسة أو ناقصة يستدعي أن يكون في الوجود ما يقابلها من صفة شريفة أو كاملة؛إذ الخسّة و النقيصة انما هي بالنظر الى الشرف و الكمال فلو لم يكن الشريف و الكامل،لم يتحقق الخسيس و النّاقص،و إلاّ فمن أين يحكم بخسّة ذلك و نقصانه لو لم يكن شريف أو كامل في مقابله؛و الشريف و الكامل لا بدّ و أن ينتهي الى ما لا أشرف
و لا أكمل منه و إلاّ لزم وجود ما لا نهاية له و هو ممتنع مطلقا.
و أمّا الدليل الخاص على كلّ واحد من المطالب الثلاثة: فاعلم،انّ الحدوث هو المسبوقيّة بالغير و لا يمكن أن يذهب الحوادث لا الى نهاية،لأنّ كلّ واحد منها إذا كان مسبوقا بالغير فجميعها بحيث لا يشذ فرد منها يكون مسبوقا بالغير،لست أقول مجموعها حتى يقال ان حكم المجموع غير حكم الأفراد فيمكن أن يكون المجموع غير مسبوق بالغير فإنّ المجموع غير الجميع،إذ الهيئة الاجتماعية معتبرة في المجموع دون الجميع فذلك الغير السابق على الجميع يجب أن يكون غير مسبوق بالغير و الاّ كان داخلا في الجميع و قد فرض لا كذلك،فهو أزليّ؛و أيضا القول بالحدوث و عدم التناهي متناقضان كما نقل عن أفلاطون الإلهي،بناء على انّ المجموع-فيما نحن فيه-حكمه حكم الآحاد إذ المجموع انّما يتحصّل بعد الآحاد لا محالة فهو مسبوق بكلّ واحد،فهو أيضا حادث إذ لا نعني بالحادث الاّ المسبوق بالغير.
و أمّا شهادة العجز في الأشياء على قدرته تعالى،فلأنّ الوجود أصل جميع المحمولات ،إذ ما لم يكن الشيء موجودا لم يصح أن يحكم عليه بحكم وجوديّ و لم يكن مقتضيا لأمر ثبوتي،فإذا لم يكن وجود الممكن من نفسه فكلّ ما يتبع الوجود سواء كان من اللّوازم أو العوارض فهو يتبع الوجود في الاحتياج الى مفيض الوجود،فعجز كلّ شيء عن كلّ شيء مع ما نرى من اتّصاف الشيء بمحمولاته دليل على قدرة فاعل فوق الكل،شاهد على اقتداره على القلّ و الجلّ.
و أمّا شهادة اضطرار الأشياء الى الفناء على دوامه جلّ و علا،فلأنّها لمّا لم
يكن وجودها من أنفسها فدوام وجودها بالطريق الأولى،فالّذي يرى من الدّوام و من أحكام النظام انّما هو من فاعلها،فهي تدوم بدوامه و تبقى ببقائه.هذا،إذا كان المراد الفناء الذاتيّ.و أمّا إذا أريد به الّذي بعد الوجود فوجه دلالته على دوام اللّه و بقائه فلأنّ فناء الشيء بعد الوجود انّما هو برجوعه الى علته،إذ المعلول ليس الاّ تطوّر العلّة بطور و تعيّنه بشأن،فإذا زال ذلك الطّور بقي العلّة بذاتها أو بتعيّن آخر،و لا شك انّ اللّه جلّ مجده منتهى العلل و نهاية كلّ شيء و غاية الغايات، ففناء كلّ شيء انما هو برجوعه الى اللّه الواحد القهّار،فظهر انّ فناء الأشياء بهذا المعنى شاهد على دوامه سبحانه و تعالى.
فإن قلت:الممكن عاجز بنفسه و فان بذاته فما وجه القول بأنّ اللّه و سمها بالعجز و جعل لها علامة الضعف و اللّه سبحانه اضطره الى الفناء و جعله مضطرّا الى ذلك.
قلت:الحق انّ«الإمكان»من الأمور الوجودية فهو معلول بالعرض و قد حقّقنا ذلك في موضعه.
[في انّه تعالى لم يخل منه مكان و لا له شبح مثال و لم يغب عن شيء] لم يخل منه مكان فيدرك بأينيّته،و لا له شبح مثال فيوصف بكيفيّته، و لم يغب عن شيء فيعلم بحيثيّته.
كلّ ما هو مجرد عن المواد و الأكوان،فهو موجود في كلّ مكان إذ لو لم يكن كذلك فإمّا أن يكون في بعض الأمكنة دون بعض أو لا يوجد في شيء من
الأماكن فعلى الأول،يلزم أينيته؛إذ«الأين»هو النسبة الى المكان الخاص بالكون فيه دون آخر و على الثاني،أيضا يلزم الأين،إذ الخارج عن المكان إذا خلا عنه الأماكن فلا محالة هو في ظرف غير هذه الأماكن و لا نعني بالمكان الاّ ذلك سواء كان دهرا أو سرمدا أو أزلا.فالشيء الّذي نسبته الى الأماكن بالسويّة فهو في كلّ مكان البتة و لا يخلو عنه مكان من الأمكنة؛إذ لو خلا عنه مكان لكان في مكان آخر فيمكن أن يدرك بأينيّته بأن يدرك أنّه هو الّذي في ذلك المكان دون هذا المكان.
و أمّا قوله عليه السلام:«و لا له شبح مثال»فبالإضافة.و«الشبح»هو الجثّة: أي ليس له جثّة يتمثل في المدارك الظّاهرة أو الباطنة حتّى يوصف بأنّه كيف هو من بين الجثث و الأشباح؛إذ الجثّة مما يقال فيه:كيف هو؟:إمّا بالذّات إن كانت من باب الكيف،او بالعرض إن كانت من باب الوضع.
و أمّا قوله:«و لم يغب عن شيء»الى آخره،ففي بعض النسخ:«و لم يغب عن علمه شيء»و في بعضها:«بحينيّته»(بالنون المتوسطة بين التحتانيتين بدل المثلّثة)و الأظهر ما ذكرنا و هو الأكثر.و المعنى:لم يغب هو سبحانه عن شيء حتى يمكن أن يتعلّق به العلم من هذه الحيثية بأن يعلم انّه الّذي مع هذا الشيء دون ذلك الشيء.ثم بتحليل هذا الشيء الّذي معه يعلم انّه كيف هو على ما هو ضابطة معرفة الشيء و أجزائه و ما يصحبه بطريق التحليل كما بيّن في الميزان.
[انّه تعالى مباين لجميع ما خلقه في الصفات] مباين لجميع ما أحدث في الصّفات
الجمع المحلّى باللاّم يفيد الاستغراق و المعنى:انه تعالى مباين لجميع ما خلقه في جميع الصّفات،فوجوده مباين لسائر الوجودات،و علمه مباين لسائر العلوم، و هكذا في جميع الصّفات.و المباينة الحقيقيّة في الصفة،هي أن لا يصدق على الوصفين-أي وصف الخالق و المخلوق-معنى عامّ كما يقوله علماء الزور في الوجود و العلم و سائر الصّفات و الاّ لم يتحقق المباينة التامّة؛إذ لو كفى في المباينة الوجودية انّ وجوده الخاص به مباين للوجودات لم تكن تلك المباينة مختصة به تعالى،إذ الوجود الخاص بزيد مباين للوجود الخاص لعمرو و كذا العلم و غيره؛ فتبصّر.
[انه تعالى ممتنع أن يدرك] ممتنع عن الإدراك بما ابتدع من تصريف الذّوات.
الباء في قوله:«بما ابتدع»متعلّق بالإدراك.و التّقييد بالتصريف،للتّعليل و هو مصدر بمعنى المفعول.و الإضافة من قبيل إضافة الصّفة الى الموصوف أي ممتنع عن أن يدرك بالقوى و الذوات الّتي هو ابتدعها لأنّ تلك القوى و الذّوات مخلوقات تصرّف فيها الخالق و صرفها من حال الى حال،و العلم لا بدّ له من الإحاطة كما سبق إليه الإشارة،و المخلوق المصرّف فيه سافل،و السّافل لا يحيط‍ بالخالق العالي لأنّ ذلك ينافي السفل و العلو.
[انه تعالى خارج من تصرّف الحالات] و خارج بالكبرياء و العظمة من جميع تصرّف الحالات.
الباء للسببيّة.و تصرّف الحالات عبارة عن صدقها عليه،و وجودها فيه، و عن تبدّلها عليه.و لا شك انّ الوجود المعلوم البديهي حال من الأحوال لأنّك تقول حال الوجود و حال العدم؛فاللّه سبحانه منزّه عن صدق ذلك الوجود عليه و ذلك بسبب كونه عز شأنه ذا الكبرياء و العظمة،و قد دريت آنفا انّ الكبرياء كمال الذات كما انّ العظمة كمال الصّفات .و كمال الذّات على النحو
الأشراف هو أن لا يفتقر في تذوّته في نفس الأمر و لا عند أحد،الى اعتبار شيء سوى ذاته.و لا شك انّه لو كان ماهيّة الباري تعالى عين الوجود الخاص به و انّ الوجود العام سواء قلنا بكونه أمرا خارجيا أو اعتباريّا لو يصدق على المبدأ الأول، لكان مفتقرا في صدق الموجود عليه الى اعتبار ذلك الوجود و صدقه عليه أو انتزاعه منه،و ذلك ينافي كمال الذّات و يناقض كبريائه تعالى شأنه؛و كذلك كمال الصّفات هو أن لا يتغير عن حال الى حال،و لا يتبدّل عليه صفة،الى صفة و لا أن يكون صدقها بقيام مبدأ الاشتقاق،و لا انّ ذاته نفس مبدأ الاشتقاق،بل يكون صفته كذاته خارجة عن أن يحكم بكيفيّتها عقل كما يقوله العادلون بانّها عينه أو زائدة على ذاته الى غير ذلك.ف‍«الكبرياء»و«العظمة»يدفعان عن اللّه الحكم بكيفية ذاته و صفاته،إذ القول بأنّ ذاته عين الوجود الخاص و انّ صفاته عينه أو غيره حكم بالكيفيّة و لكنّ أكثر النّاس لا يعلمون.
[لا يمكن للعقول تحديده تعالى و تكييفه و تصويره] محرّم على بوارع ثاقبات الفطن تحديده،و على عوامق ناقبات الفكر تكييفه،و على غوائص سابحات الفطر تصويره.
هذه الفقرات الثلاث كالتّنبيه على الأحكام الثلاثة السابقة،كما سنبين إن شاء اللّه تعالى.يقال:«برع»الرجل(مثلّثة):إذا فاق أصحابه في العلم و غيره أو تمّ في كلّ فضيلة.و«ثاقبات الفطن»(بالثاء المثلثة و القاف بعد الألف ثم الموحدة) بمعنى اللاّمع و الزاهر.و«ناقبات الفكر»،(بالنون،ثمّ بما ذكر)مأخوذ من النقب.
و نسبة«البراعة»و اللّمعان الى«الفطن»لكونه بمعنى الذكاء و توقّد الذهن.و نسبة «التّعمّق»و«النقب»الى«الفكر»،لكون الفكر هو التأمل في غور الشيء و باطنه، كما انّ نسبة الغوص و السّبح الّذي هو بمعنى السير على الفطرة التي هي سلامة القوة العقليّة المتحرّكة نحو المعقولات الحقّة كذلك؛إذ القوة انّما يغوص و يخوض متحرّكة نحو كمالها الى غور الشيء و كماله و باطنه.
أمّا الغرض من العبارة الأولى،فهو انه لا يمكن للفطن البارعة الثاقبة أن يحدّه سبحانه و يجعل له حدّا و غاية،إذ لا حدّ له،لأنّ كلّ محدود مخلوق إذ المحدود لا بدّ له من حادّ غيره،بناء على امتناع وحدة الفاعل و القابل.فمن قال باشتراك المعبود مع المخلوق في أمر من الأمور و لم يؤمن بالمباينة التامة بينهما،فقد حدّه إذ جعله في مرتبة من هذه الطبيعة المشتركة،و المخلوق في حدّ آخر؛
و من العبارة الثانية،انّه لا يمكن للفكر المتعمّقة الناقبة في بطون الأشياء أن تكيّف المبدأ الأول تعالى،إذ لا كيف له،لأنّ الكيفية جهة الإحاطة و اللّه محيط‍ بالكل و لا يحيط‍ به شيء،فالعقول بمعزل عن أن تدركه و تحيط‍ به؛
و من العبارة الثالثة،انه لا يمكن للعقول السليمة الغائصة السابحة في حقائق الأشياء الى نحو كمالها،أن يصوّره سبحانه و يمثّله و يجعل له صورة و مثالا،إذ لا صورة له و لا كيفيّة له و لا له مثل و لا مثال،فهو جلّ مجده منزّه عن تصرّف العقول فيه بحال دون حال.
[انّه تعالى لا تحويه الأماكن] لا تحويه الأماكن لعظمته.
«العظمة»الحقيقية[هي]أن لا يكون الموصوف بها محاطا بشيء أصلا و لا تحت حكم من الأحكام مطلقا،بل يكون محيطا بالكل لأنّه التّمام و فوق التّمام
و مصحّح لجميع الأحكام،فلو كان للّه مكان لكان محاطا بذلك المكان،و ذلك ينافي عظمته سبحانه،فهو جلّ برهانه لا يسعه أرض و لا سماء بل يسعه قلب عبده المؤمن ،و هو أيضا لا بالحواية و الإحاطة بل لكونه مظهرا لصفاته الحسنى و مرآة بها يتراءى جماله الأسنى.و في هذا الكلام منه عليه السلام إشارة الى صحّة القول بالسطح إذ الإحاطة و الحواية انّما يتصور حقيقة فيه و إن كان يمكن أن يدّعى في البعد أيضا على تكلّف.
[انّه تعالى لا تذرعه المقادير] و لا تذرعه المقادير لجلاله
«المقدار»ما يقدّر به الشيء و يعرف به قدره.و من البيّن انّ الجسم انّما تذرعه المقادير لحلولها فيه.و كذا بعض المقادير يقدّر بعضها كنصف الذارع مثلا بالنسبة إليه،و يقدر ما يحلّ هو فيها كالسواد و البياض.و اللّه جلّ جلاله لا تذرعه المقادير المذكورة لا بحلولها فيه سبحانه،و لا بأن يكون نفسه مقدارا حتى يقدّر كلّه ببعضه أو بأمر خارج،و لا بحلوله عزّ شأنه فيها،إذ هو منزّه عن جميع هذه الأنحاء.و علّل ذلك عليه السلام بوصف«الجلال».و سرّ ذلك:أنّ الجلال يشير الى صفات الشرف و الى كمال الصّفات بحيث لا يحوم حولها نقص و لا ضعف كما صرّح بذلك علماء اللّسان،و كلّ محلّ فانّه ناقص،لأنّ له بحسب ذاته قوّة للأمر الحالّ فيه،و القوّة نقص و عدم،و كلّ أمر حالّ فانّه أنقص وجودا إذ وجوده متعلّق القوام بمحلّه،و قد علمت ان التقدّر انّما يكون بالوجوه الثلاثة و هو سبحانه في كمال شرف الصّفات فلا يلحقه نقص من وجه لا بحلول شيء فيه و لا بحلوله في شيء و كذا الكلام في التقديرات الوهمية و العقلية؛إذ الكامل من جميع الوجوه لا يدخل في عقل و لا وهم حتى يتأتّى لهما تقديره،إذ التعقّل و التوهّم
كلاهما يستلزمان الإحاطة و اللّه جلّ مجده على المحيط‍ دون المحاط‍.
[انه تعالى لا تقطعه المقاييس] و لا تقطعه المقاييس لكبريائه
«المقاييس»جمع مقياس و هو المقدار كما في المجمل و هو آلة القياس،بمعنى ما يقدّر به الشيء يقال:«هذا قيس رمح و قيد رمح»أي قدره كما يقال:«قاب قوس».و الغرض انّه سبحانه لا يقاس بشيء حتى تقطعه آلة القياس؛إذ المقايسة بين الشيئين في أمر انّما يكون باستعانة آلة حسّية أو غيرها و استحالة ذلك لكبريائه جلّ شأنه.
فهاهنا مقامات: الأول، في انّه لا يجري عليه القياس حتى تقطعه المقاييس فلأنّ المقايسة بين الأمور إمّا في الوجود أو الشيئيّة أو في لواحقهما:أمّا وجوده سبحانه فمباين من جميع الوجوه لوجودات غيره بحيث لا اشتراك في أمر عام أصلا-كما سبق منّا تحقيقه-اللّهم إلاّ بحسب الاسم و اللّفظ‍.و أمّا شيئيته تعالى فكذلك،إذ هو شيء لا كالأشياء،إذ«الشيء»باصطلاح أهل اللّسان هو المخبر عنه و باصطلاح الحكمة هو الّذي له المحمولات الذاتية،و المعنيان مرجعهما واحد كما لا يخفى؛ و هو جلّ برهانه لا يخبر عنه و ليس له عوارض ذاتيّة إذ«العرض الذاتي»،ما يؤخذ هو في حدّ الموضوع أو الموضوع في حدّه و هو سبحانه منزّه عن ذلك.و ليس في المرتبة الأحدية نعت و لا رسم و لا وصف لا معلوما و لا مجهولا و لا محكما و لا متشابها و لا شيئا يقع عليه شيء سوى الذات،فهو هو لا غيره،فلا يخبر عنه
و لا يحكم عليه و انّما الحكم للّه و هو العليّ الكبير و أمّا أحكام الشيئيّة من الوحدة و الكثرة و لواحقهما من الهو هوية و الغيريّة و التقابل و العلية و المعلوليّة و الكلّية و الجزئية و العموم و الخصوص و التّعيّن و اللاّتعين،فبمعزل عن تلك الحضرة بالبيان الّذي قلنا؛و لأنّ ذلك أحكام الشيء المعلوم الّذي أحاط‍ به النفس علما،حتى يصحّ الحكم،و لا يحيطون به علما.و كذا المقايسة الواقعة بين أنواع المقولات كالوقوع تحت نوع واحد أو في المرتبة الأعلى أو في المقابلة في الجوهر؛ و كالمساواة و اللاّمساواة في الكم؛و كالمشابهة و اللاّمشابهة و الضعف و الشدّة في الكيف؛و كالوقوع في مكان مساو أو أعلى أو اسفل أو محاذ فيمكن من ذلك نسبته الى حدوده و الى أمر خارج عنه في الأين و الوضع؛و كالحصول في زمان سابق أو لاحق أو مع في المتى؛و كأن يكون فعله كفعل غيره في أمر من الأمور، أو ينفعل من شيء فيشتدّ و يتضعّف في الفعل و الانفعال؛و كما يحصل له هيئة من التلبّس بصفة أو حال في الملك؛أو يكون له نسبة الى شيء بإحدى النسب المعلومة لنا في الإضافة؛فإنّ ذلك كلّه ممتنع عليه تعالى كما لا يخفى.
المقام الثاني، انّه كيف يلزم من المقايسة في الأمور المذكورة أن يقطعه المقاييس؟قد عرفت انّ المقياس هو ما يقاس شيء بشيء و ذلك:إمّا بأن يكون بأمر داخل أو عارض في المقيس و المقيس عليه كالكلية في الكلّيين و الجوهرية في الجوهرين و إمّا بأمر خارج،كما يقاس الثوبان بالذّراع،و إن كان هذا يرجع الى الأوّل؛فلننظر في استلزام الأول للقطع فنقول:أمّا المقايسة بالأمر الداخل في الحقيقة كأن يقاس ذاته بذات شيء آخر فذلك يكون لا محالة بدخولهما تحت أمر
عام ذاتيّ لهما،فذلك الأمر العام يقطع كليهما بأن يتحقّق في أحدهما و تجاوز عنه حتى يوجد في الآخر،و ذلك هو القطع و هو أشدّ استحالة من أن يكون كقطع المتحرّك للمسافة؛و أمّا المقايسة بالأمر العارض فذلك أشدّ استلزاما للقطع،كما قلنا مع خصوصيّات مفاسد لا يحصى لو فرض في خصوص عرض من الأعراض مما يطول الكلام بذكرها.
المقام الثالث، انه كيف يستدل بكبريائه جلّ جلاله على استحالة المقايسة عليه سبحانه و ذلك لأنّ«الكبرياء»الحقيقي هو أن يكون ذو الكبرياء فوق كلّ شيء و أعلى من كلّ حكم فلا يدخل تحت حكم مطلقا و قد دريت أنّ المقايسة لا تتحقق الاّ بأن يتحقق الدّخول تحت حكم ما و ذلك ينافي كبرياءه عزّ برهانه. و الحمد للّه على فهم ذلك.
[انه تعالى لا يكتنه بالأوهام و لا يستغرق بالأفهام و لا يتمثل بالأذهان] ممتنع عن الأوهام أن تكتنهه و عن الأفهام أن تستغرقه و عن الأذهان أن تمثّله.
«الوهم»،بمعنى العقل و ذلك شايع،إذ شأن العقل الوصول الى كنه الشيء. و«الذّهن»،قوة النفس المهيّأة المستعدّة لاكتساب الحدود و الآراء.و«الفهم»، جودة تهيّؤ لهذه القوة نحو تصور ما يرد عليها من غيرها و«الاكتناه»:البلوغ الى كنه الشيء.و«الاستغراق»:الغور في الشيء و الإحاطة به.و«التمثيل و الامتثال»، أن يعيّن للشيء في الخارج مثالا أي شخصا متمثّلا.و نسبة«الاستغراق»الى الفهم لكون جودة القوّة الذهنيّة لا محالة تغور في الشيء و تغوص فيه و تحيط‍ بتمامه.
و نسبة«التمثل»الى الذّهن لأنّ شأنه ذلك.و بالجملة،الغرض من هذه العبارة ما قد
سلف مرارا من أنّ اللّه سبحانه أجلّ من أن يصل بكنهه عقل أو يحيط‍ به فهم أو يتمثّل في ذهن أو يمثّله و هم.
قد يئست من استنباط‍ الإحاطة به طوامح العقول،و نصبت عن الإشارة إليه بالاكتناه بحار العلوم،و رجعت بالصّفر عن السّموّ الى وصف قدرته لطائف الخصوم.
هذه الفقرات الثلاث،استيناف بيان للأحكام الثلاثة من غير ترتيب و لهذا لم يعطف.و«الطّامح»بمعنى المرتفع و الّذي أبعد في الطّلب،و المراد هنا الثاني بقرينة«الاستنباط‍»أو هو من«استنبط‍ الماء».و المعنى:العقول الغائرة في طلب الشيء،المتناهية في البعد.و«نضب»الماء نضوبا:غار و سفل.و«الصّفر»:الخالي. و«السّمو»:العلوّ و هو متعلّق بالرّجوع و الجار و المجرور الثاني متعلق بالسموّ. و«الخصوم»جمع«خصم»على المصدر قال في الصّحاح:«الخصم»،معروف و يستوي فيه الجمع و المؤنث لأنه في الأصل مصدر و من العرب من يثنّيه و يجمعه فيقول خصمان و خصوم -انتهى.و المراد هنا المخاصمات اللّطيفة و المباحثات الدّقيقة.و في العبارات الثلاث من حسن البلاغة ما لا تلقّي لإشاراته.
و بالجملة،انّه لا تستغرقه الأفهام و لا يحيط‍ به،إذ قد يئست من طريق استنباط‍ الإحاطة به العقول الشديدة الغور في الأشياء،فضلا عن أصل الإحاطة؛
و كذا هو سبحانه لا يصل الى كنهه علم أحد من العلماء-سواء الملائكة و الناس-بل الى وجه من وجوهه إذ لا وجه له بل كلّه كنهه إذ البسيط‍ الحقيقي لا وجه له سوى كنهه،إذ قد نضبت و غارت بل نفدت عن الإشارة إليه بالوصول
الى كنهه،بحار العلوم كيف؟!و لو كان البحر مدادا لكلمات اللّه لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات اللّه فأيّ مطمح من اكتناهه بالإشارة العقلية أو الشهودية؛
و كذا هو جلّ مجده لا يتمثّل في ذهن من الأذهان العالية و السّافلة،إذ قد رجعت المباحثات الدقيقة اللطيفة خالية خاسرة خائبة عن أن يعلو و يرتفع الى سماء وصف قدرته،فأين الى سماء جمال ذاته و كمال شأنه!تعالى عن ذلك علوّا كبيرا.
ثم انّه يحتمل أن يكون المراد بالقدرة صفة قدرته سبحانه و هو ظاهر،او المقدور بالقدرة اي لا يمكن لاحد ان يوصف حقايق مقدوراته و يصل الى كنهها، فأين الى وصف صفة قدرته؟!ثمّ أين إليه عزّ و جل؟!
[وجه وحدته تعالى و دوامه و قيامه] واحد لا من عدد و دائم لا بأمد و قائم لا بعمد.
أي انه سبحانه واحد لا من جملة الوحدات العددية الّتي إذا انضمّ إليها واحد آخر صار اثنين،بل وحدة حقيقيه خارجة عن الكيف،محيطة بجميع مراتب الوحدات،مستهلكة لديه أنواع الكثرات؛و كذا دائم لا يجري عليه زوال و لا فناء لا بامتداد زمانيّ أو دهريّ أو سرمديّ و لا بأن يمكن انتزاع واحد من ذلك من دوامه و بقائه كما هو ظنّ الملحدين في أسمائه و صفاته،إذ الامتدادات الزّمانية و الدوام الدّهريّ و البقاء السرمدي بالنسبة الى جناب كبريائه آن،و كلّ بالنظر الى وجهه الكريم فان؛و كذا هو قائم على كل نفس بما كسبت،و قائم بالقسط‍،و قيّوم كل شيء،و هو عماد كلّ شيء و ليس له عماد يعتمد عليه و الاّ لم
يكن عماد كلّ شيء،إذ قد بقى شيء يكون عماده و ذلك لأنّ قيام الأشياء:إمّا بفواعلها أو بذاتياتها أو بمحالّها أو بموادّها الى غير ذلك و هو سبحانه غنيّ عن العالمين بل إليه ينتهي سلسلة الفواعل و القوابل و منه يبتدي العوالي و السوافل لأنّه زين السّماوات و الأرض من الأنوار العالية و الأشباح السافلة و جمالها ،فهو صورة الصّور و عماد السماوات و الأرض و قوامهما ،فهو حقيقة الحقائق و منتهى علل القوام،و هو نور السماوات و الأرض،فهو الفاعل الأوّل و لا فاعل سواه،و هو غاية الغايات و منتهى الإشارات أَلاٰ إِلَى اَللّٰهِ تَصِيرُ اَلْأُمُورُ .
[انّه تعالى ليس كشيء من الأشياء فتقع عليه الصفات] ليس بجنس فتعادله الأجناس،و لا بشبح فتضارعه الأشباح، و لا كالأشياء فتقع عليه الصّفات.
الأفعال الثلاثة منصوبات ب‍«أن»لسببية ما قبلها لما بعدها.ثم«معادلة جنس لجنس»هي بأن يكون واحدا من المقولات أو واقعا تحت إحداهما.و«مضارعة الأشباح»انّما يكون في الكمّ أو الكيف أو غيرهما؛فناسب التعادل بالجنس لأنّه في الذوات،و الأجناس انما يتعادل فيها؛و كذا المضارعة بمعنى المشابهة،ناسب الأشباح لأنّ تشابهها انّما يكون بالأعراض.هذه الجملة و الجملة السابقة من بيان الوحدة و غيرها كالبرهان على استحالة تعلّق الإدراكات الثلاثة باللّه سبحانه و حاصله:انّ غاية إدراك تلك المدارك أن يفهم من الواحد واحدا من أقسام
الوحدات و من الدائم ما له إحدى الامتدادات و من القائم ما له إحدى المقوّمات؛ و هو تعالى:
ليس تحت جنس من الأجناس؛
و لا كشيء من الأشياء فيمتنع تعلّق أنحاء الإدراك به تعالى؛
و ليس هو سبحانه من سنخ الشيء حتى يحكم عليه و يخبر عنه و يوصف بوصف،إذ الشيء كما عرفت هو المخبر عنه و المحكوم عليه و الموصوف بشيء؛
فهو سبحانه ليس بجنس حتى يمكن التعادل بينه و بين غيره،إذ الجنس بما هو جنس أمر مبهم لا يصلح للإلهية و المبدئيّة،و بما هو نوع محتاج و اللّه هو الغني؛فما أبعد عن الحق قول من قال أنّه تعالى هو الوجود المطلق!و ما أقصر عن التعيّن رأي من رأى أنّه الوجود الخاص الصّادق عليه ذلك العام!تعالى اللّه عمّا يقول المشبّهون المفترون؛
و كذلك هو سبحانه ليس بشبح نوري و لا مثاليّ و لا حسّيّ حتى تشابهه الأشباح الواقعة في تلك المراتب فيجمعه و ذلك الشبح امر يعمّها و يعرضها؛فما أضعف من نصيب الفطرة العقلية مذهب من ذهب الى انّه سيرى في القيامة!أو انّه يمكن أن يرى بالرؤيا الخيالية!أو انّه ينزل من السماء في كلّ ليلة جمعة!
و كذلك هو جلّ برهانه ليس كالأشياء و من سنخها حتى يوصف بوصف و يحكم بحكم و يخبر عنه بخبر،بل كلّ ما نقوله نحن فانّما هو بخبر من عنده بمحض الإقرار مع جهلنا بكيفية الخبر إذ لا خبر عنه و لا أثر.
[انّه تعالى لا تدركه العقول و الأوهام و الأفهام و الأذهان] قد ضلّت العقول في أمواج تيّار إدراكه،و تخبّطت الأوهام عن إحاطة ذكر أزليّته،و حصرت الأفهام عن استشعار وصف
قدرته،و غرقت الأذهان في لجج أفلاك ملكوته.
هذه الفقرات الأربع استيناف آخر لبيان أحكام المدارك الثلاثة،لكن هاهنا فرق بين العقل و الوهم و لهذا أورد أربع جمل.«التيار»:لجّة البحر و هي معظمه. و إضافة الأمواج الى التيّار«لاميّة»،و إضافة التيّار«بيانيّة»،و إضافة الإدراك الى الضمير إضافة الى المفعول.و«خبط‍»البعير:إذا ضرب بيده الأرض و«الخباط‍»داء كالجنون و ليس به،و كلا المعنيين يناسب المقام.و«حصر»،كفرح:عجز،قال في الصّحاح:كلّ من امتنع من شيء و لم يقدر عليه فقد حصر عنه و«اللجج»، جمع لجّة.و«الأفلاك»،جمع فلك«بالتحريك»في القاموس الفلك(محركه): مدار النجوم،و الجمع أفلاك،و من كلّ شيء مستداره و معظمه و«موج» :البحر المضطرب و الماء الّذي حرّكته الريح.و«الملكوت»كرهبوت:العزّ و السّلطان.
اعلم،هداك اللّه بنور العرفان،انّ الإمام عليه السلام شبه الوصول الى اللّه بالبحر،إذ الإدراك لغة هو الوصول،ثم شبّه مراتب مخلوقاته المبتدأة منه تعالى الى ساقة الوجود،بالأمواج.و لعمر الحبيب انّ تشبيه المخلوق بالموج كما في هذا الخبر و بالظلّ،كما في خبر آخر من أحسن التعبير!و وجه الشبه كما نصّ عليه في خبر الظلّ،هو انه لا شيء في الحقيقة مع انّه يرى شيئا كما الأمر في المخلوقات ذلك،إذ الكل نسب و اعتبارات،و لهذا شاع التمثيل بالبحر و الموج بين المحققين من الصوفية كما قال بعضهم :
واجب بحر است و ممكنات اندر وى چون موج بهم رسند و از هم گذرند ثمّ انّه صلوات اللّه عليه،شبّه سير النفس من عالمها العقلي الى حيث صارت طبعا،منطبعا في المواد،محتجبا بألوان الأعراض بحيث يصعب عليه الخروج من هذه الظلمات الثلاث الاّ لمن وجبت له سابقة العناية الإلهية من النفوس الشريفة و الأرواح اللطيفة،بالضلال ،إذ هي قد انغمست فيها بحيث نسيت عالمها،فأين من العالم الإلهي و ضلّت في تراكم الأمواج الواردة عليه من التلبّس بالعوالم السفلية و التطوّر بأطوار المراتب الوجودية بحيث لا يهتدي من تلقاء نفسها الى حقائق تلك الأمواج فضلا عن بارئها.
و أمّا قوله:«و تخبطت الأوهام»-الى آخره،فالمعنى:انّ الأوهام و الخيالات صارت كالمجنون و المتحيّر،أو صارت بحيث يخبط‍ خبط‍ العشواء ،مجبوهة بالردّ،مقطوعة الرّجل،مشلولة الأيدي عن أن يسلك سبيل الإحاطة بذكر أزليته سبحانه؛إذ قصارى معرفتها أن تحيط‍ بالأزلية الزمانية حيث لا يسبقها زمان،أو الأزلية الدهرية حيث سبقت الأزمان و إن كانت مسبوقة بأمر آخر،أو الأزلية السرمدية حيث سبقت الأزمان و الدهور و إن كانت مسبوقة بنفس العلة لكنّ الأزلية الحقيقية التي لم يسبقها شيء و لم يكن معها شيء،فليس من شأن الوهم الفلسفي إدراكها و لا من العقل النوريّ حظّ‍ من الإحاطة بها إذ هي مرتبة فوق العقل و انما يحيط‍ العقل بها في مرتبته أو دونها.
و أمّا قوله:«و حصرت الأفهام»-الى آخره،فلبيان عجز جودة القوة الذهنية عن طلب الشعور لوصف صفة قدرته أو لوصف حقيقة مقدوراته،إذ لا يحيطون بشيء من علمه الاّ بإذنه.
و أمّا قوله:«و غرقت الأذهان»-الى آخره،فلبيان انّ قوة الذهنية لا يخلو من الغواشي المادية.و ذلك لأنّ المراد بالفلك هنا الماء الّذي حرّكته الريح أو البحر المضطرب،و هو لا يخلو من حدوث الأمواج فيه.و«اللجّة»هي معظم الأمواج.
و«الملكوت»هو باطن عالم الملك،كما قال تعالى: بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ فاذا شبّه الملكوت بالبحر فالأمواج و اللّجج يكون عالم الشهادة،إذ الموج هو الظاهر من البحر،كما الملك ظاهر الملكوت،و لا ريب انّ عالم الملك هي نفس الغواشي الماديّة من الصور و الأعراض.و الذهن من ذلك العالم،فهو لا يخلو عن التكدّر بالأوساخ و الأدناس سواء في ذلك نفس الذهن أو ادراكاته.فبيّن بذلك انّ الأذهان انما غرقت و تدنّست بالأمواج الكدرة التي هي لجج بحار عالم الملكوت فليس لها أن يدرك الأمور المجرّدة عن المادّة كالعقول المقدّسة بخالص حقائقها و جوهر ذواتها،فأين من إدراك مبدأها المنزّه عن التجرد و اللاتجرد الخاصتين بالجواهر؟!و كيف لها من تصوّر فاعلها القيّوم المقدّس عن الدخول في مشعر من المشاعر؟!هكذا ينبغي أن يفهم هذا الموضع.
[وجه انّه تعالى متعال عن أن يحويه دهر و يحيط‍ به وصف] مقتدر بالآلاء و ممتنع بالكبرياء و متملك على الأشياء فلا دهر يخلقه و لا وصف يحيط‍ به.
اعلم انّ المقصود من هذه الجمل ذكر أنّ اللّه سبحانه متعال عن أن يحويه
الأوعية الثلاثة من الزّمان و الدّهر و السّرمد،إذ هي مراتب مخلوقاته و نسب مجعولاته و مقدوراته،كما أنّه منزّه عن أن يحيط‍ به وصف من الأوصاف العينية و الزائدة،و بالجملة،من التلبّس بالأحوال الوجودية.و علّل الأوّل بالاقتدار و التملّك على الأشياء،و الثّاني بالكبرياء.
ثمّ اعلم،انّه جرت سنّة اللّه تعالى على أن يعطي كلّ مستحقّ ما يستحقّه و لا ريب أنّ بعض المستفيدين مما لا يحتمل بنفسه أن يقبل الفيض الإلهي من دون أن يتوسّط‍ بينه و بين بارئه شيء،كما يشاهد من أمر الصّور و الأعراض أنّها لا يمكن لها الوجود الاّ بالمواد و الموضوعات،فاقتضت العناية الإلهية أن يكون وسائط‍ بين هذه الأمور و حرم الكبرياء،و أن يقع حجب بينه و بين تلك الأشياء.و هذه الوسائط‍ و الحجب هي آلاء اللّه،إذ بها ينعم على فقراء سكنة إقليم الشّهود و بها يفتح باب الإيجاد و الوجود.فظهر معنى اقتداره على الأشياء بالآلاء.
ثمّ يظهر منه و من كونه تعالى متملّكا بالقدرة على الأشياء،أنّه لا يخلقه دهر أي لا يجعله خلقا و لا هرما،إذ المقتدر على الأشياء و المتملّك لها انّما هو فوقها،فلا يحيط‍ به وعاء الأشياء و لا يهرم لطول البقاء،و لأنّه ليس وجوده متعلّقا و لا متحصّلا من ذلك الوعاء كما الأشياء الواقعة في كلّ واحد من هذه الأوعية،انّما يتعلّق وجودها بها،
و كذا يظهر من كبريائه و كونه في منعة من ملابسة الأحوال-أيّ حال كانت-انّه لا يحيط‍ به وصف سواء كان عينيا أو زائدا و قد مرّ تحقيق ذلك مرارا. قد خضعت له رواتب الصّعاب في محلّ تخوم قرارها،و إذ عنت له رواصن الأسباب في منتهى شواهق أقطارها.
«خضع»:انقاد.و«رتب»الشيء:إذا ثبت و لم يتحرك و انتصب و استقرّ. و«التّخوم»(بالضم):الفصل بين الأرضين من المعالم و الحدود و أصحاب العربية يفتحون التاء كذا في المجمل.و«أذعن»الرجل:إنقاد و بناؤه«ذعن»مجرّدا،الاّ انّ استعماله«أذعن»،و كأنّ شدة الانقياد معتبر في«الخضوع»دون«الإذعان»،كما يظهر للمتتبّع.و«الرواصن»(بالصّاد المهملة)جمع رصين ككريم،و هو المحكم يقال:أرصنه:إذا أحكمه.و جبل«شاهق»:عال.و«الأقطار»،جمع قطر،و هو الناحية:أي كلّ ما في السّماوات العلى و ما فوقها الى الأرضين السّفلى و ما تحتها منقادة لحكمه خاضعة لأمره يفعل فيها ما يشاء بقدرته.و لا يخفى ما في لفظ‍ «الرواتب»،بمعنى الثوابت و كذا«التخوم»و«القرار»في التعبير عن الأرض حيث أنّها ساكنة ذات قرار.و كذا ما في لفظ‍«الرّواصن»،للسّبع الشّداد و ما فوقها. و التعبير عنها ب‍«الأسباب»لأنّها بحركاتها أسباب للكائنات و التعقيب ب‍«الشواهق» و«الأقطار»إذ هي جهات المتحركات،من حسن الفصاحة و البلاغة ما لا يخفى.
[إشارة الى عالم الربوبية و وجه تكثّر الأشياء و استشهاده تعالى بكلية الأجناس على ربوبيّته] مستشهد بكلّيّة الأجناس على ربوبيّته،و بعجزها على قدرته،و بفطورها على قدمته،و بزوالها على بقائه.
أمّا استشهاد كلية الأجناس على الرّبوبية فمن وجهين:
أحدهما، من جهة كليّتها و عمومها و إبهامها و هو أحد احتمالي العبارة. و ذلك لأنّ الكلّيّ ما لم يتشخص لم يوجد،و المبهم ما لم يتعيّن لم يتحقّق،و العامّ ما لم يتخصص لم يتحصّل،و من الممتنع أن يتشخّص و يتعين و يتخصّص من قبل نفسه سواء كان واحد الأفراد أو متكثّرها،و الاّ لزم الترجيح من غير مرجّح
و ذلك في متكثّر الأفراد،أو الترجّح من غير مرجح و ذلك في واحد الأفراد.و لو كان التعيّن لازما للكليّ المنحصر في فرد لكان ذلك التعيّن كليّا أيضا كملزومه، فلم يتعين بعد؛فثبت الاحتياج الى المرجّح المخرج إيّاه الى الوجود و المتصرّف فيه بأنحاء التلبّس بالتّعيّنات و التّشخّصات و هو المراد ب‍«الرّبّ»في الشريعة و ب‍«ربّ النوع»في لسان أرباب الطريقة.
و الثاني من الوجهين،و هو أظهر،أن يكون المراد من العبارة هو أن يكون ذات كلّ جنس من الأجناس يدلّ على الرّبوبيّة فيكون المراد بكلّية الأجناس قاطبتها و جميعها،و بيان ذلك يستدعي معرفة الجنس و تعيين مرتبة الربوبيّة فنقول: اعلم-بصّرك اللّه بنور العرفان-انّ عالم الربوبيّة،هي عالم الأمر الإلهي بإخراج الأنوار العقليّة من مكامن حقائق الأسماء الإلهية الى موطن البروز و فيه استقرّت جواهر النفوس في أصداف المواد و منه ابتدأت كثرة الأجناس و الأعداد.بيان ذلك:انّ النفس الّتي من هذا العالم الشريف لمّا هبطت بأمر بارئها لاستصلاح المادّة حيث التمست تلك المادّة التمام و الفعلية من بارئها القيّوم المعطى لكلّ موجب ما يستوجبه،أوجدت النفس صورة للمادّة فركنت إليها و اطمأنّت بها و انطبعت في المادّة و صارت طبعا،فالطبع نفس بالذات و طبع بالعرض.
و البرهان على ذلك:انّ الصّور و الأعراض اللاّزمة للموادّ و الموضوعات لمّا كان جعلها إنّما هو بنفس جعل تلك المواد و الموضوعات بناء على أنّ جعل اللّوازم يكون بالجعل الّذي تعلّق بالملزومات لكنه للملزوم أوّلا و بالذّات،و للّوازم ثانيا و بالعرض،و لا ريب أنّ جاعل المادة هو العقل،فهو من حيث أنّه جاعل للمادة
عقل،و من حيث أنّه جاعل للصّورة نفس،و من حيث أنه جاعل للأعراض طبع إذ لا يمكن أن يكون تلك الفواعل ذواتا مختلفة و إلاّ فلم يكن بين تلك المواد و الصّور و الأعراض لزوم و ذلك لأنّ اللّوازم و الملزومات لا يتصوّر وجود لواحد منها دون الآخر،و كلّ أمرين مفترقين فانّه يمكن أن يوجد أحدهما بدون الآخر،فلو كانت تلك الفواعل ذواتا مختلفة لم يتحقق التلازم بين المواد و الصّور و الموضوعات و الأعراض هذا خلف لا يمكن؛فظهر أنّ الطبع نفس بالذات،كما أنّ النفس عقل بالذات و طبع بالعرض.و لمّا انطبعت النفس بالمادة و حصل الجسم المكمّم -و لا ريب أن التكمّم يقتضي بذاته الانقسام-فانقسم الجسم بواسطة الكمّ و تكثّرت النفس بالعرض و بواسطة،الواسطة فتكثّرت الأجناس الجوهرية و العرضية من هنا.و بالجملة،التكثّر في أيّ شيء كان فهو بواسطة الكمّ المنقسم الى الأجزاء بالذات.و بيّن أنّ تكثّر الأجناس أيضا بالجزئيّات انّما هو من قبله حيث اقتضى بعض من أبعاضه-لمّا وقع في صقع من الأصقاع-غير ما يقتضيه الآخر و يوجبه،و أعطى الباري كلا حسبما يقتضيه و يوجبه،فحصلت الأجناس المختلفة؛ فظهر من ذلك ما هو المراد من عالم الرّبوبية و المقصود من الأجناس الكليّة،و ظهر ما هو العلّة في تكثّرها.
ثم ظهر من ذلك استشهاد الكل على ربوبيّته جلّ برهانه بالبرهان القويم و النهج المستقيم؛و من اللّه الإعانة في البدو و النهاية.
[إشارة الى المواد الثلاث و وجه استشهاده تعالى بعجز الأشياء على قدرته] و أمّا استشهاد عجز الأجناس على قدرته المطلقة و الاختيار المطلق الّذي لا يضطرّه شيء و لا يعجزه شيء،فبيانه،أن تعلم أنّ الوجوب و الإمكان و الامتناع اعتبارات للماهيّة بالنظر الى الوجود؛فإطلاق الواجب على المبدأ الأوّل تعالى ليس
بالحقيقة و بالذات[!]بل إن وجد في خبر مرويّ فذلك بالمجاز دون الحقيقة،إذ ليس له ماهيّة حتى يقاس الى الوجود و لنفصّل،فنقول:
أمّا ذلك الوجوب بالنظر الى وجوده الخاص به فذلك نسبة للشيء الى نفسه و لا طائل تحته اللّهم الاّ أن يرجع الى المجاز،و أمّا بالنظر الى العام الصادق عليه فذلك لا يجدي نفعا،إذ كلّ عامّ فهو بالنظر الى الخاصّ واجب الصدق مع أنّه قد تحقّق عندك بما أسلفنا من البراهين العقلية المستفادة من الأخبار عدم صدق ذلك العامّ عليه تعالى.
و أيضا أنّ تلك الأحكام أي الوجوب و أضرابه انّما هو من أحوال الشيء العامّ و قد سبق أنّه ليس له في حرم الكبرياء سبيل و لا مقام؛
و أيضا انّه تعالى لا يسأل عما يفعل فلو كان الفعل بإيجاب منه سبحانه لكان يمكن السؤال عن فعله سبحانه بكيف؟حتّى يجاب بأنّه أوجب،و ذلك ممتنع في المشرب التوحيد الخاصّ.
إذا تقرر هذا،فاعلم،أنّ الأشياء على ضربين:قسم منها ما يجب له الوجود بالنظر الى ذاته و ذلك حيث لا يكون له مادّة حاملة لقبوله كالمادة نفسها و الأمور العالية عن المادّة،فانّها كلّها واجبات الذّوات لقربها من حضرة الكبرياء و جاعل الماهيّات،فلو قيل عليها الإمكان فانّما هو محض اعتبار عقلي لا نصيب له من نفس الأمر كما قال بعض الأعلام .و لو قيل ذلك عليها فإنّما هو بالعرض و المجاز،
حيث يكون مع ذلك الوجوب الذاتي محتاجة الى الجاعل التام كما سنبيّن؛ و منها ما يمكن له الوجود و مقابله كالأمور الماديّة حيث يكون الحامل لإمكانها موادّها القابلة لها.
فالقسم الأول، لمّا وجب له الوجود بالنظر الى ذاته و من المستحيل أن يكون ذاته فاعلا لذلك إذ يلزم أن يكون القابل فاعلا،فهو محتاج الى فاعل في الوجود جاعل إيّاه مفيض عليه بمحض الفضل،لا بأن يجب عليه سبحانه تلك الإفاضة من غيره و الاّ لزم انفعاله تعالى من الغير،و لا بأنّه عزّ شأنه أوجب على نفسه ذلك و اقتضاه و ذلك لأنّ الموجب للشيء و المقتضي له انما يستكمل به فكأنّه مضطرّ الى وجود ذلك الشيء،إذ لا يمكن تحقّقه بدونه و إن كان بعد مرتبة وجوده كما هو شأن اللّوازم بالنظر الى الملزومات،فيكون هو ناقصا فيكمل بوجود ذلك الشيء و اللّه سبحانه فوق التمام؛
و بالجملة،لا يجب عليه سبحانه شيء لا من نفسه و لا من غيره،و لا يمتنع عليه شيء حتى يكون عاجزا،و لا يمكن عليه فعل شيء و تركه حتى يكون محتاجا الى المرجّح،بل الموادّ الثلاث كما لا يصدق على ذاته كذلك لا مصداق لها في أفعاله و صفاته و هذا من علم الرّاسخين و هذا هو معنى«القدرة المطلقة». و أمّا الاختيار المطلق فهو أن يفيض الوجود منه بفضله وجوده حيث لا يوجب ذلك عليه شيء.و الى ما قلنا أشار المعلم الأوّل في أثولوجيا بقوله:«و أمّا الباري الأول،فلا يلزم الأشياء العقليّة و لا الحسّية»فظهر أن هذا القسم من الأشياء مع أنها واجبات الوجود بالنظر الى ذواتها فهي عاجزة عن جعل الوجود لنفسها فدلّ
عجزها على جاعل لوجودها خارج عن سنخها قادر عليها قدرة مطلقة بحيث لا يجب عليه شيء و لا يمتنع منه شيء و لا يتلكّأ لإجابته شيء.
و امّا القسم الثاني، فهو الّذي من شأنه أن يكون و أن لا يكون فهو بالنظر الى ذاته ممكن و انما يجب بمادّته و يوجد بفاعله أي انّ المادّة باستعدادها يوجب وجود تلك الأشياء،و فاعلها انّما يفيض عليها وجودها حين يستدعى المادة وجودها، فهو أعجز من الأول؛فدلّ عجزها على قدرة جاعلها الّذي لا يعجزه شيء و لا يمتنع عليه شيء.
[وجه استشهاده تعالى بحدوث الأشياء على قدمه] و أمّا استشهاد«فطور»الأشياء أي حدوثها المطلق سواء كان زمانيا أو غيره على«قدمته»تعالى،فبمثل هذا البيان بعينه؛إذ لمّا ثبت انّ كلّ ما وجوده غير ماهيّته فهو محتاج الطبيعة الى ما ليس كذلك،و قد ظهر أنّ الأشياء الواجبة الوجود بذواتها و الممكنة الوجود بها عاجزة بنفسها عن اجتلاب حال من أحوالها حتى عن لوازمها من تلقاء نفسها،فاحتاجت الى موجد إيّاها محدث لها،و يجب أن يكون ذلك الموجد قديما و الاّ لكان كواحد من الأشياء و قد فرض أنّه بخلاف الأشياء فدلّ حدوثها على قدمه تعالى.
[وجه استشهاده تعالى بزوال الأشياء على بقائه] و أمّا استشهاد«زوالها على بقائه»جلّ و علا فمن وجوه:
أحدها، انّ الزوال الحادث يدلّ على بقائه،إذ كما الكائن محتاج في وجوده الى محدث كذلك الفاسد يحتاج في زواله الى مزيل هو باق في جميع الأحوال،إذ لو زال هو أيضا لمسّت الحاجة الى آخر،فجميع المزيلات من حيث
لا يشذّ عنها شيء يحتاج الى أمر خارج عن طبائعها،باق بنفس ذاته لا بالبقاء، و بالجملة فالموصوف بالبقاء أي الباقي بصفة البقاء،إنما كتب في ناصيته الزّوال لأنّ ذلك له من غيره و كلّ ما بالغير فانّه في عرضة الزّوال و يدلّ على ما بالذّات؛
و الثاني، أن زوالها بمعنى هلاكها الذاتي و ليسها السرمديّ،يدلّ على بقائه عزّ شأنه،و بيانه،أن قد تحقّق في مظانّ التحقيق أنّ الأشياء بأنفسها ليس و بفاعلها أيس و اللّيس الصرف لا يصير أيسا و الاّ لزم الانقلاب،فأيسها انّما هو ببقاء تجلي جاعلها بأطوارها فكلّ يوم هو في شان من شئونها.و سرّ ذلك التجلّي هو أن يتعرّف الى كلّ شيء حتى لا يبقى شيء إلاّ و له حظّ‍ منه سبحانه و من معرفته.و في دعاء عرفة لسيد الشهداء صلوات اللّه عليه و على آبائه و أبنائه:«إلهي علمت من اختلاف الآثار و تنقّلات الأطوار أن مرادك من أن تتعرف الي في كلّ شيء حتى لا أجهلك في شيء»و قال:«تعرفت الى كلّ شيء فما جهلك شيء»و ستطلع -إن شاء اللّه-على البرهان على ذلك.فظهر أنّ هلاك الأشياء و ليسيّتها،يدلّ على بقاء الذات المتجلّي فيها،المترائي بها،المتطوّر بأطوارها.
و الثالث، أنّ زوالها الآتي و تجدّدها السّيلانيّ،انما يدلّ على بقاء حقيقة وحدانيّة فيها متقلّبة لها كيف يشاء،كما يراه أكثر محققي أهل العرفان، و عندي:انّ ذلك مما يمكن أن يصحّح في الكيانيّات الّتي لا يخلو من الطبيعة الجسمانية السّيالة الّتي لا ينفكّ في آن عن حركة ما-أيّة حركة كانت-و لا ريب أنّ الحركة هي نفس عدم القرار في طور من الأطوار مع ما يرى من ثبات ما و استقرار،فدلّ سيلانها على قرار ما يحرّكها لانتهاء الحركات الى محرّك لا يتحرك بالضرورة قال تعالى: وَ تَرَى اَلْجِبٰالَ تَحْسَبُهٰا
جٰامِدَةً وَ هِيَ تَمُرُّ مَرَّ اَلسَّحٰابِ صُنْعَ اَللّٰهِ اَلَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ و قال جل و علا:
أَ فَعَيِينٰا بِالْخَلْقِ اَلْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ و سيأتي تأويل آخر لهذه الآية إن شاء اللّه.و أمّا فيما فوقها فممّا يستعضل اللّهمّ إلاّ أن نعني بالآنات هي الواقعة في الأيّام الربوبية في ظرف الدّهر و الأيّام الإلهيّة الحاصلة في السّرمد،ثم الإشراقات النورية الفائضة على سكنة ذينك العالمين المتجددة ،لا هذا النحو من التجدد الّذي يلينا،بل الّذي يليق بمرتبة سكّان هذين العالمين،و الحركة الّتي ينبغي لقطّان ذينك الظّرفين و هي الحركة الشبيهة بالسكون كما نصّ عليه المعلّم الأول في شأن العقل فانّه مع تصريحه بأنّ العقل ساكن لا يتحرك أثبت له حركة ما و قال:انّها شبيهة بالسكون،لكن فهم ذلك صعب و تصحيحه أصعب الاّ لمن بصّره اللّه و هداه و الحمد للّه و سيأتيك لمعة من هذا النّور إن رقيت على شاهق ذلك الطّور إن شاء اللّه.
[متفرعات على الموضوعات المتقدمة] فلا لها محيص عن إدراكه إيّاها،و لا خروج من إحاطته بها،و لا احتجاب عن إحصائه لها،و لا امتناع من قدرته عليها.
هذه الجمل الأربع معلّلة بالاستشهادات الأربعة السابقة على خلاف ترتيب النشر مع اللّف،فقوله:«فلا لها محيص»-الى آخره،معلّل بربوبيّته تعالى و قوله: «و لا خروج من إحاطته بها»مسبّب عن بقائه جلّ و علا و قوله:«و لا احتجاب»-
الى آخره،متفرّع الى قدمه عزّ شأنه و قوله:«و لا امتناع»-الى آخره،متعلّق بقدرته عزّ اسمه.و الأسماء الأربعة الواقعة بعد حرف النفي مرفوعات بالابتداء متقدّم عليها خبرها.و«المحيص»:الملجأ.
أمّا بيان الجملة الأولى و تفريعها،فيعلم من معرفة أن عالم الرّبوبيّة هي مرتبة الفعل الإلهي و فيها ظهر الاسم«الخالق»و«الباري»و«المصوّر»و خالق الشيء و مصوّره مع الشيء لا يفارقه؛إذ الفعل عبارة عن ظهور أثر الشيء و الأثر انما هو الظاهر من الشيء و ذلك الشيء باطن هذا الأثر و الباطن لا محالة مدرك لتمام الظاهر كأنّ الظاهر عنوان له و انموذج منه و لا يتحقّق ظاهر بلا باطن و إلاّ لم يكن ظاهرا؛فثبّت.
و أيضا«الربّ»هو المالك للشيء و المتصرّف فيه و المدبّر له و المخرج إيّاه من القوّة الى أن يوصل الى فعلية كماله:فربّ القطرات النازلة هو الملك الّذي معها و هو الطبيعة المدبّرة بإرادة اللّه و لا يفارقها حتى يوصلها الى كمالها من سقي أرض أو شرب شجرة و حيوان،ثم يدعها الى تملّك ملك آخر و تصرّفه؛و ربّ تلك الأملاك هي النفوس المدبّرة لكلّ نوع نوع الى أن يوصله الى كماله و ينتهي الى ربّ الأرباب و بارئ الكل،فالمدبّر للشيء و الموصل إيّاه الى كماله لا يفارقه بل يدركه و لا يخرج من إدراكه شيء و قد علمت مناسبة الطبع و النفس،فارتق بعقلك الى الذّروة،فإنّ النسبة واحدة.
و أمّا بيان الجملة الثانية و تعليقها،فيظهر من أن يكون مستبينا عندك من أنّ كلّ ثابت باق،فهو محيط‍ بالمتغير الفاني،و ذلك لأنّ الأشياء الممكنة لا محالة لها مبدأ -أعمّ من أن يكون مبدأ زمانيا أو دهريّا أو سرمديّا إذ لا شيء خارج عن هذه الظروف-و كلّ ما له أوّل فله آخر بمعنى ما ينتهي إليه وجودها،سواء كان ذلك جزأ من الزمان أو موجودا آخر دهريّا أو سرمديّا حيث يكون وجود ذلك الشيء الأخير بعد وجود هذا الأول،و كلّ ما له أوّل و آخر فهو محاط‍ بالأول و الآخر، و الّذي له الأوليّة و الآخريّة بذاته هو المبدأ الأوّل،فهو«محيط‍»بكلّ شيء بحيث لا يعزب عنه مثقال ذرّة،و«صمد»لا يخرج من حيطته شيء و الاّ لكان له جوف و قوّة.ألا ترى الى المكان حيث يحيط‍ بالأمور المكانية المتبدّلة عليه ظاهرا و باطنا، و الى الزّمان حيث يحتوي على الزّمانيّات الموجودة الكائنة لديه أوّلا و آخرا، فليس نسبتهما الى ما فيها الا كخيط‍ بالقياس الى أجزائه الملوّنة،ثم قس الأمور العالية عن هذين الوعائين إليهما و إلى ما يليهما،فليس هما و ما فيهما بالنظر إليهما إلاّ كنقطة أو آن،فكيف الى ما لا نسبة له بشيء من هذه النسب بل الكلّ هالك لديه خاضع فيما بين يديه،و هو الأوّل و الآخر و الباطن و الظّاهر و هو بكل شيء محيط‍.ثمّ ،ألا تنظر الى الأرض حيث لا خروج لها عن إحاطة السماء بها،و الى السّماء حيث لا خروج لها عن إحاطة الكرسي بها لأنّه وسع كرسيّه السّماوات و الأرض ،و الى الكرسي حيث لا خروج له عن إحاطة العرش به،إذ الكرسي و ما فيه بالنسبة الى العرش كحلقة في فلاة قيّ ،ثم الى العرش و ما فيه،بالنظر الى سرادقات جلاله و حجب كبريائه.فسبحان اللّه العظيم الّذي لا يؤده حفظ‍ شيء و لا يخرج عن إحاطته شيء!
و أيضا،المكوّنات و الكائنات الفاسدات باقية ببقاء استعداد المادّة،فإن كان الاستعداد ذاتيّا فالشيء يدوم و ذلك هو المكوّن و إن كان مكتسبا قد حصل من
بعض المناسبات و المناظرات فيجب بقاء ذلك التناسب،و أمّا المادة فباقية بعللها و تلك العلل باقية بالعلة الأولى كما أنّها موجودة و متشخصة بالعلّة الأولى.لست أعني بذلك أنّها باقية ببقاء من عند المبدأ الأوّل أو موجودة و متشخصة بوجود و تشخص فائض من لدنه،بل أعني أنها باقية بنفس العلّة الأولى و موجودة و متشخصة بذات الحق تعالى،لا على معنى انّ المبدأ الأوّل صار بقاء هذه الأشياء أو وجودها أو تشخّصها،بل على معنى أنّها مظاهر بقائه الّذي ليس سوى ذاته مرايا وجوده من دون عينيّة و عروض،لأنّ بقاءه هو أنه لا يجري عليه الفناء و لا يصحّ عليه الزّوال مطلقا و وجوده انّه لا يعدم في مرتبة من المراتب و لا يفقده ذرّة في المشارق و المغارب؛
و كذلك هذه الحقائق متعيّنة بفاعلها الأوّل تعالى،بمعنى انّها أوّل تعيناته الذاتية و شئوناته الابتدائية عزّ مجده.و سرّ ذلك أنّ الأفعال كما هي مظاهر الصفات-كما قد عرفت انّ كل صانع فانما يصنع بملكة نفسانية و صفة راسخة باطنية-كذلك الصفات مظاهر الذوات.و لمّا كان هاهنا ذات وحدانية بسيطة غاية البساطة،فلها أحديّة جمع بذاته لمبدئيّة الصفات.و قد سلف منّا تحقيق انّ هذه العلل الأوائل هي كلمات اللّه العليا و أسماؤه الحسنى،كما قد وقع في الأخبار و الأدعية المعصومية:«باسمك الّذي خلقت به كلّ شيء»و ظاهر انّ الاسم ما دلّ على ذات و صفة فهو مظهر الصفة و صفات الباري كلها سلوب محضة بل ليس الاّ الذات الأحدية؛فقولنا هذه الحقائق باقية ببقاء الذّات لا نعني بها إلاّ انّها باقية بالذّات إذ الذّات باقية بذاتها و موجودة بذاتها،كما انّها علة بذاتها متعيّنة بذاتها.و ظهر أن مرجع ذلك كله الى انّ ذلك الحقائق هي مظاهر تلك
الصفات بالمعنى الذي قلنا.و تحت هذا سرّ مكنون لا رخصة في إفشائه أكثر مما ذكرنا.إذا دريت ذلك،ظهر معنى سببية البقاء لإحاطته تعالى بجميع الأشياء بطريق أشرف و أعلى.
و أمّا بيان الجملة الثالثة و تسبّبها عن قدمه عزّ شأنه،فاعلم أنّ الإحصاء هو التعداد سواء كان ذلك عن علم و شعور أو لا حتى انّه يصح أن يقال للمكان بالنسبة الى المكانيّات المتواردة عليه انّه أحصاها و كذا الزّمان بالنظر الى الزّمانيّات الحادثة فيه؛نعم انّما يفتقر الإحصاء الى صفة العلم لا في نفس مفهومه،بل في كماله؛و لهذا فرّع عليه السلام إحصاء اللّه للأشياء على قدمه تعالى،و إن كان أحصاها علمه تعالى أيضا.
بيان ذلك،أنّ القديم الذي لا بداية له و لا نهاية يكون بالنظر الى الموجودات المبتدئة،سيّما ما وجودها عنه و رجوعها إليه كخيط‍ يحاذي ألوانا مختلفة لا كلاّ، بل كسلك يعرض كلّ جزء منه لون أو كسمط‍ ينسلك فيه جواهر و للّه المثل الأعلى من هذا في ذلك،إذ ليس هاهنا امتداد و لا عروض و لا محاذاة،بل الكلّ هالك لديه،فان عن أنفسها فيما بين يديه،لكن يمكن أن يفهم اللّبيب من هذه النّسب المقدارية ما ينبغي لكرم وجهه و عزّ جلاله؛
و أمّا بيان الجملة الرابعة و تعقيبها عن القدرة،فممّا دريت أن القدرة المطلقة و القوة المرسلة هي الّتي لا يتلقّاها ركبان الماهيّات من المواد الثلاث و أحكامها،إذ الموجب(بالكسر و الفتح)لا يخلو عن اضطرار ما كما أشرنا إليه ،و الممكن له الشيء محتاج الى مرجّح أو داع أو باعث-الى غير ذلك،و الممتنع عنه الشيء
عاجز و قد سبق أن عجز الأشياء عن كل واحد واحد من شئونها و أحوالها يدلّ على قدرة مطلقة مرسلة لا يضطرّه شيء و لا يحتاج الى شيء في شيء و لا يمتنع عن حكمه شيء؛فقدرته تلك قدرة مطلقة لا امتناع منها لشيء من الأشياء.
[الإتقان و الإحكام دلائل علمه تعالى و قدرته] كفى بإتقان الصّنع لها آية،و بمركب الطّبع عليها دلالة،و بحدوث الفطر عليها قدمة،و بإحكام الصّنعة لها عبرة،فلا إليه حدّ منسوب، و لا له مثل مضروب،فلا شيء عنه محجوب،تعالى عن ضرب الأمثال و الصّفات المخلوقة علوّا كبيرا.
الظرف في«لها»متعلّق بالإتقان،و في«عليها»الأولى متعلّق بالمركب لأنّه مصدر ميمي بمعنى الرّكوب،و في«عليها»الثانية متعلّق بالحدوث،و في«لها»،، متعلق بالإحكام.
و اعلم،انّ الفقرة الأولى و الرابعة دليل على الفاعل العالم القادر،و لدلالتهما على الفاعل المتّصف بالوصفين كرّرهما،و الثانية على ذلك و إرادته أيضا،و الثالثة دليل القدم.
أمّا دلالة«الإتقان»و«الإحكام»على العلم و القدرة فقد طول الكلام فيها في كتب القوم من علم تشريح الأفلاك و الأبدان و فنون السماء و العالم و كائنات الجو و كتاب النبات و الحيوان الى غير ذلك،و ناهيك في ذلك حديث مفضّل بن عمر المرويّ عن الإمام جعفر بن محمد الصّادق صلوات اللّه عليه؛و أمّا دلالة
«ركوب الطبع على الأشياء»على العلم و القدرة و الإرادة فلأنّ الطبيعة هي مبدأ التغيّر لما هي فيه،و هي الفاعلة بإرادة اللّه و إذنه كما نصّ بذلك في«حديث المفضّل»،بل هي مظهر تلك الإرادة كما أومأنا إليه سابقا.و لا ريب انّها قوة عديمة الشعور و الاّ لكانت نفسا،و انّها حالّة في المادة كما يدلّ عليه التّعبير بالركوب إذ الركوب بمعنى القيام بالشيء و هو الحلول أو ما هو أعمّ منه.فالأفعال المحكمة الصادرة عن هذه القوة العديمة الشعور مع كونها حالّة أو قائمة بشيء يدلّ على كونها مسخّرة تحت حكم من يكون فوقه و لا يكون مثله،لأنّ القائم بالشيء محتاج الى ذلك الشيء فلا يكون فاعلا له،و ليس وجوده في ذاته إذ القائم بالغير ماهيّته متعلقة بالغير فكيف يكون وجوده من نفسه،و لا أيضا وجوده في ذلك الشيء القائم هو به إذ القابل للشيء لا يكون فاعلا له،فلا بد أن يكون مستندا الى ثالث عالم قادر بنفسه مريد لأفعاله لأنّ كلّ من هذا شأنه أي الركوب على الشيء و القيام به فهو غير شاعر،و الفاعل الّذي فوقه يكون مجرّدا لا محالة فهو عالم مريد لأنّه مجرّد.
و أمّا دلالة الحدوث على القدم فقد ظهر غير مرّة.
[وجه انّه ليس له تعالى حدّ و لا مثل] و أمّا قوله:«فلا إليه حدّ»الى آخر فالفاء فيه«فصيحة» أي كفى في الاستدلال عليه و على صفاته العليا هذه الأشياء و الاّ فليس هاهنا حدّ حتى ينسب إليه شيء ليعرف بتلك النسبة،إذ الحدّ مطلقا هو أن يكون وجود الشيء يتمّ عنده فيبتدي من ذلك الحدّ وجود شيء آخر سواء كان الحدّ مقداريّا أو معنويّا،فإذا
وجد الحدّ فقد تحقّقت النسبة.و اللّه سبحانه ليس بمحدود بحدّ خاص و ذلك لأنّ ذاته سبحانه ليس من سنخ الأشياء بوجه ما و لا يجمعه مع الأشياء أمر عام يصدق عليهما،فلا ينتهي الى شيء من الأشياء و لا نسبة له إليها.
و كذلك ليس له سبحانه مثل حتى يضرب له فيتعرّف بذلك،إذ هو متعال عن ضرب الأمثال فكل ما يتمثّل به في البحر و الموج و من الظلّ و صاحبه فهو غير سديد،و هو تعالى عنه بمكان بعيد،و للّه المثل الأعلى من ذلك التحديد.و الدّليل على ذلك أنّ المثل(بالتحريك)و المثال لا بدّ و أن يشترك مع الشيء الّذي يضرب له ذلك في أمر ما و إلاّ فكيف يكون حاكيا لذلك الشيء و قد سبق ان اللّه سبحانه لا يشركه شيء في شيء.
و أمّا قوله:«فلا شيء عنه بمحجوب»،فكأنّه معلّل بنفي«الحدّ»و«المثل»؛ و ذلك لأنّ الحدّ مطلقا هو المانع للشيء من الوصول الى شيء آخر،و ما لا حدّ له فهو يصل الى كلّ شيء و الى حدّه،فلا يحجب عنه شيء بل هو محدود بحدّ كلّ شيء،لأنّ الواصل الى الشيء بحيث لا يكون مقارنا له و مجامعا معه لا يمكن وصوله إليه إلاّ أن يتحدد بحدّ ذلك الشيء و إلاّ فيكون مقارنا له و مجامعا معه. و أيضا،تنزّهه عن المثل المضروب يدلّ على أن لا شيء محجوب عن وصوله تعالى به،إذ لو كان عنه شيء محجوبا لكان يمكن أن يضرب له المثل بأنّ مثله مثل شيء يوجد في كذا و كذا و لا يوجد في هذا.و أمّا قوله عليه السلام:«تعالى عن ضرب الأمثال»،فتنزيه عن المثل المضروب.
و أمّا قوله:«و الصّفات المخلوقة»،فتنزيه عن ثبوت الحد،إذ الوصف حدّ يحيط‍ بالموصوف و يمنعه عن غيره بوجوده فيه سواء كان عينا أو غيره و سواء كان عاما أو تحته،إذ الإحاطة المعنويّة أشدّ استحالة من الصّورية،لأنّ المحيط‍ في
الجسمانيات عسى أن يكون محاطا لما أحاط‍ به كما الأمر في الجسد و نفسه بخلاف المعنوية فانّ المحيط‍ محيط‍ ضرورة و لا يكون محاطة محيطا به.و ظاهر أنّ الوصف مطلقا يحيط‍ بالموصوف و يجمعه و يميّزه عن غيره فيتحقّق التحديد و هو ممتنع على اللّه،فلا وصف في الحضرة الأحدية و لا نعت؛و أمّا توصيف الوصف بالمخلوق فللكشف،إذ لا يوجد وصف لا يكون مخلوقا و أقلّه أن يقتضيه الذّات بذاته أو يكون الذّات بحيث ينتزع منه ذلك الوصف فانّ كلّ ذلك يستلزم عليه ما في الذّات لذلك الوصف؛فافهم.
[كلام في توحيد الأفعال] و اشهد أن لا إله الاّ اللّه ايمانا بربوبيّته و خلافا على من أنكره.و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله.
الإيمان بالربوبيّة من أعظم مراتب العبوديّة و به يتصحّح الاعتقاد بتوحيد الأفعال و صفة الإرادة و القول بالبداء و المحو و الإثبات و خلق الأفعال و نسبة الذهاب و المجيء الى اللّه الى غير ذلك و لذلك نسبه عليه السلام الى نفسه،و ذلك لما قد دريت انّ بالربوبيّة هي مرتبة أفعال اللّه من الخلق و التقدير و القبض و البسط‍ و الإعطاء و المنع و الإحياء و الإماتة و الإصابة بالخير و الشرّ و الهداية و الإضلال و الإعزاز و الإذلال و غير ذلك من الأمور التي لا تحصى و كلّ ذلك من اللّه،كما قال عزّ من قائل: قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ و لا يزاحم ذلك كون العبد فاعلا لأفعاله باختياره كما قال عزّ شأنه: مٰا أَصٰابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اَللّٰهِ وَ مٰا أَصٰابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ لأنّ العبد كما كان نفسه ذرّة من أنوار فيض كبريائه سبحانه كذلك قدرته و اختياره و فعله و جميع شئونه قطرة من بحار عوالم صفاته جلّ برهانه؛
فانتساب الفعل الى العبد بعينه كانتساب الوجود و التذوّت إليه بلا فرق و سيأتيك تحقيق ذلك إن شاء اللّه في بابه.
ثمّ اعلم،أنّ توحيد الأفعال يمكن فهمه على وجهين:
أحدهما، ما هو الشائع بين أرباب التوحيد من العرفاء المحققين و هو أنّ كلّ فعل يصدر في عالم الخلق من أيّ فاعل كان،فانّما هو بالحقيقة من اللّه سبحانه. و علّلوا ذلك بأنّ الطبيعة الإمكانية هي الطبيعة المحتاجة بالذّات مطلقا الى الغير في جميع أحوالها و أحكامها،إذ لو كان ذلك الافتقار في وجه دون وجه،لكانت مركبة مع أنّها بسيطة ضرورة و لا ريب أنّ احتياج أفرادها عين احتياج تلك الطبيعة بناء على ما تقرّر في مظانّ التحقيق أنّ الفرد هي الطبيعة بتعيّنها لا مع اعتبار قيد زائد عن الطبيعة،و لا أقلّ من أن يكون احتياجه فرع احتياجها إذ ليس احتياج الأفراد الى الغير لأجل خصوصيّاتها أو لأمر آخر غيرها و غير طبيعتها و إلاّ لكانت مستغنية الطبيعة أو كان يوجد طبيعة أخرى محتاجة بالذّات غير طبيعة الإمكان و هو محال لا يمكن؛إذ لا نعني بالطبيعة الإمكانية إلاّ الطّبيعة المحتاجة بالذّات الى غيرها و لا ميز في صرف الشيء،بل إن وجدت طبيعة محتاجة فانّما هي من أفراد تلك الطبيعة و محتاجة بواسطتها.ثم إنّه يجب أن يكون الشيء المحتاجة إليه تلك الطبيعة و أفرادها واحدا إذ لا معنى لكون الطبيعة محتاجة الى شيء الاّ كون الأفراد محتاجة الى ذلك الشيء لأنّ احتياج الطبيعة الى الغير بالذّات هو في وجودها،و وجودها هو نفس كونها فردا فلو كانت الأفراد محتاجة الى غير هذا الشيء الّذي احتاجت إليه الطبيعة لكانت تلك الأفراد ليست أفرادا لهذه الطبيعة، هذا خلف.
إذا تقرّر هذا فنقول:لا يمكن أن يكون فرد من تلك الطبيعة علّة للطّبيعة أو لفردها،لأنّ عليّة ذلك الفرد نفس عليّة الطبيعة و عينها كما أنّ احتياجه عين احتياجها و استغناؤه نفس استغنائها،فيلزم أن يكون الطبيعة علّة لنفسها فيجب أن يكون غير تلك الطبيعة علّة لها أو لفردها،و غير الممكن هو الواجب؛فظهر أن لا فعل لشيء من الأشياء الاّ باللّه سبحانه و تعالى.و إلى ما قلنا أشار من قال:«كلّ ما فيه معنى ما بالقوّة،فهو لا يكون مفيدا للوجود»و كذا يتصحّح منه قول أرباب الحكمة من أن:«لا مؤثّر في الوجود الاّ اللّه»؛فتثبّت.
و الثّاني من معنيي توحيد الأفعال هو أنّه مع كون الفاعل واحدا بالبيان المذكور،فالفعل أيضا واحد و هو أجدر بأن يكون المراد من هذا التّوحيد،فإنّ الأول كأنّه مفاد توحيد الذّات و الصّفات المتقدّمين على هذا التوحيد.بيان ذلك: أنّه قد تحقق بهذا البيان أنّ الفاعل في الكل واحد،و ثبت أيضا في مقرّه انتهاء محرّكات المواد و الموضوعات الى محرك أوّل لا يتحرك،و لا ريب أنّ هذا الفاعل الواحد المحرّك للكل انّما فعله في مادة كليّة واحدة،إذ الموادّ المتكثرة إنّما يستند تحريكها الى فواعل مختلفة فكما ينتهي تلك الفواعل الى فاعل قديم و محرّك أوّل كذلك ينتهي المواد الى مادّة واحدة يحاذي ذلك المحرّك الواحد الأوّل،و من المستبين في المباحث العقليّة و الشواهد النقليّة أنّ هذا الفاعل الّذي هو المحرّك الأول ليس له تجدّد حال و إلاّ لم يكن محرّكا غير متحرك،ثمّ من المبرهن انّ الفاعل الواحد انّما يفعل في القابل الواحد فعلا واحدا بسيطا،و هاهنا الفاعل بسيط‍ و المادة بسيطة أيضا فالفعل واحد و ليس هاهنا تجدّد حال حتى يتكثّر، فجميع الأفاعيل و التحريكات من الأزل الى الأبد فهي فعل واحد و حركة واحدة،لكن التكثّر و التجدّد إنّما هي بالنسبة إلينا و بقياس بعض تلك المتحرّكات الى بعضها لكونها واقعة في سلسلة الزّمان حادثة بالتجدّد و السّيلان،و اعتبر ذلك في خيط‍ طويل عليه أنواع الأشياء بالترتيب،و بكلّ واحد يتعلّق أشياء أخر الى ما [لا]يحصى فإنّ المبدأ المحرّك له إذا حرّكه حركة واحدة،يتحرّك جميع ذلك بتلك الحركة الواحدة،لكن لكلّ بالترتيب الّذي وقع الأوّل فالأوّل،فيرى حركات مختلفة و تحريكات شديدة و ضعيفة.ثم أنّ هذه الصنعة اللطيفة المسمّاة في هذا الزّمان«بوقت السّاعة» ،لعبرة لمن اعتبر حيث يتحرك تلك المتحركات المختلفة أنواع الحركات بحركة واحدة من مبدئها وَ فِي اَلْأَرْضِ آيٰاتٌ لِلْمُوقِنِينَ . و لعمر الحبيب!انّ هذا البيان ممّا اختصّ به هذه الأوراق.
و أمّا قوله عليه السلام:«و خلافا على من أنكره»-أي أنكره بربوبيّته- فللرّد على منكري الربوبية.و هؤلاء جماعة لا يحصى كاليهود،فانّ عندهم:انّ اللّه قد فرغ من الأمر.و الاعتقاد بالرّبوبيّة،هو أن يعتقد انّه كلّ يوم في شان من إحداث بديع؛و كذلك الجبريّة،لأنّهم يعتقدون أنّ نسبة الفعل الى العبد بالمجاز. و ذلك ينافي الربوبية إذ الحق الّذي ينبغي لمرتبة الربوبية أن يعتقد أنّ الفعل مع كونه بالحقيقة من العبد فهو من هذه الجهة بعينه منسوب الى اللّه؛و كذلك المفوّضة،فإنّهم لا ينسبون خلق الأفعال الى اللّه سبحانه أصلا و ذلك نقص لمرتبة الربوبية.
[كلام في العبودية] ثمّ اعلم،أنّ العبوديّة التامة هي التحقّق بالافتقار الذاتي و ذلك ممّا استأثر به سيّدنا و مولانا سيّد المرسلين صلوات اللّه عليه و آله و لذلك صار أخصّ أوصافه و أقدمها حيثما ذكر .و لا تحسبنّ انّ الافتقار الذاتي ثابت للكل فإنّ مقام التحقّق غير الثّابت في نفس الأمر فإنّ التحقق بعد العلم،فأكثر النّاس لا يعلمون فضلا عن أن يكونوا بذلك يتحقّقون،و العلم انّما يكون بما في نفس الأمر.
و بالجملة،فالمتحقّق بمقام العبوديّة الّتي هي الافتقار الذاتي في كلّ شيء،
إنّما يحاذي بمرآته شطر الحقّ و الغنيّ المطلق،و شأن المرآة المصيقلة الانعكاس بما يحاذيها،فلذلك تجلّى في رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ذات الحق و صفاته و افعاله جميعا فوجهه وجه اللّه«فمن رآني رأى الحق»و يده يد اللّه إِنَّ اَلَّذِينَ يُبٰايِعُونَكَ إِنَّمٰا يُبٰايِعُونَ اَللّٰهَ و كلامه كلام اللّه إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ و فعله فعل اللّه وَ مٰا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ رَمىٰ فباللّه يسمع و به يبصر و به يبطش و به يمشي،فهو وجه اللّه و عينه و يده و لسانه المعبّر عنه و جنبه-الى غير ذلك،و هو العبد المحض الّذي قد طهّره اللّه من كلّ رجس أي من كلّ ما يشينه،فإنّ الرّجس:القذر كما حكى الفرّاء؛و لذلك اختار نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله تلك المنزلة كما في الأخبار فقد ورد:«عن ابن عباس قال:بينما رسول صلّى اللّه عليه و آله و معه جبرئيل يناجيه،إذا انشقّ أفق السّماء فأقبل جبرئيل يتضاءل و يدخل بعضه في بعض و يدنو من الأرض،فإذا ملك قد مثّل بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقال:«يا محمّد!انّ ربّك يقرئك السّلام و يخيّرك بين أن تكون نبيّا ملكا و بين أن تكون نبيّا عبدا»قال عليه السلام:فأشار جبرئيل إليّ بيده: ان تواضع.فعرفت أنّه لي ناصح،فقلت:عبدا نبيّا فعرج ذلك الملك الى السّماء»
-الحديث .
[كلام في الرّسالة المطلقة] ثمّ اعلم،أنّ الرّسالة المطلقة و السّفارة المرسلة،هي الدّائرة الكليّة و الفلك العام المشتمل على أفلاك جزئية،و ذلك لأنّ الأمور الرّوحانية كلّها دوائر لبساطتها و كلّ دائرة فإنّها مشتملة على نقاط‍ و هذه الدّائرة كلّ نقطة منه مركز لدائرة حقيقيّة و أفلاك كريّة.و صاحب هذه الدّائرة الكلية،هو الرّسول الّذي بلغ الى مرتبة الجامعيّة،و جمع الأخلاق الإلهية الّتي هي مائة و تسعة عشر خلقا ،كما ورد في الأخبار العامية.و ليس ذلك الاّ نبينا صلّى اللّه عليه و آله فإنّه جمع تلك الأخلاق كلّها ذوقا و جمعت له العناية الأزلية و لأنّ آدم و من دونه تحت لوائه و لأنّ لوائه،لواء الحمد و«الحمد»،هو استجماعيّة جميع الصّفات الإلهية و المحامد الرّبانيّة.و لأنّه هو الّذي أوتي جوامع الكلم و الخلق الأعظم و هو سلطان العالمين و شفيع الكل يوم الدين فجميع الأنبياء و الرسل المكرّمين انّما هم
قوّاد حريم جلاله،و روّاد خيل كماله،و هم عليهم السلام صواحب الدّوائر الجزئية الّتي في حيطة تلك الدّائرة العظيمة.و لمّا كان هذان الوصفان أي العبوديّة المحضة التّامة و الرّسالة الكلية الإلهية،ممّا اختصّ به نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله مع أنّهما يدلاّن على مرتبة جامعيّته و مظهريّته لإمام أئمة الأسماء و هو اللّه،ذكرهما عليه السلام في هذه الخطبة في نعته صلّى اللّه عليه و آله.
[كلام في نعت النبيّ(ص)] المقرّ في خير مستقرّ،المتناسخ من أكارم الأصلاب و مطهّرات الأرحام.
مستقرّه صلّى اللّه عليه و آله قبل وجوده الكونيّ،بين يدي ربّه العليّ،ثمّ في اللّوح و القلم،ثمّ في سرادقات الجلال و حجب الكبرياء،ثمّ في العرش و الكرسي،ثمّ في السّماوات السّبع الى أن انتهى و نزل الى العالم السفلى في كلّ ذلك مدّة طويلة من سني الإلهية و الرّبوبيّة كما فصّل في الأخبار ،ثم أراد الصّعود فاستقرّ في آدم صفي اللّه و انتقل من نبيّ الى نبيّ أو وصيّ الى أن ظهر بصورته الكونية الّتي هي رحمة للعالمين و أمّا حين وجوده الكوني،ففي جوار حرم اللّه-بل عند اللّه كما قال صلوات اللّه عليه و آله:«أويت عند ربي و هو يطعمني و يسقين» و في المدينة المشرّفة الّتي هي قطعة من أراضي الجنة،و أمّا بعد ذلك ففي المقام المحمود و الحوض المورود و الشفاعة الموعودة و الشهادة المقبولة .و بالجملة،
ففي كلّ موطن من مواطن القيامة،ففي مرتبة العليا و المقام الأسنى؛ففي الخصال في خبر طويل ما ملخصه:إنّ اللّه خلق نور محمّد صلّى اللّه عليه و آله قبل أن يخلق السّماوات و العرش و الكرسي و اللّوح و القلم و قبل أن يخلق الأنبياء كلّهم بأربعمائة ألف و أربع و عشرين ألف سنة و خلق اللّه منه اثنى عشر حجابا فحبس نوره في حجاب القدرة أثنى عشر الف سنة و في حجاب العظمة احدى عشر ألف سنة و في حجاب المنّة عشر آلاف سنة و في حجاب الرحمة تسعة آلاف سنة و في حجاب السّعادة ثمانية آلاف سنة و في حجاب الكرامة سبعة آلاف سنة و في حجاب المنزلة ستّة آلاف سنة و في حجاب الهداية خمسة آلاف سنة و في حجاب النبوّة أربعة آلاف سنة و في حجاب الرفعة ثلاثة آلاف سنة و في حجاب الهيبة ألفي سنة و في حجاب الشفاعة ألف سنة،ثم أظهر عزّ و جل اسمه على اللّوح فكان على اللّوح أربعة آلاف سنة،ثم أظهر على العرش فكان على ساق العرش سبعة آلاف سنة،الى أن وضعه اللّه في صلب آدم،ثم نقله من صلب آدم الى نوح ثم من صلب الى صلب حتى أخرجه من صلب عبد اللّه».
و أمّا تناسخه صلّى اللّه عليه و آله فمن الأصلاب الكريمة و الأرحام الطّاهرة لكن حقيقة ذلك التّناسخ من المقامات العويصة و المعارف المستعضلة عند أهل العرفان.و الّذي عندي من فضل اللّه سبحانه في ذلك و تصحيحه بأفضل البيان هو أنّك قد تعرّفت أنّ النفس الكلية-لست أعني بكليّتها ما يصطلح عليه القوم من المنطقي و الطبيعي و العقلي فانّ كلّ ذلك لا وجود لها الاّ بالفرد،بل أعني بالكلية الإرسال العقليّ و الإطلاق المعنويّ بحيث يحتوي مع وحدتها العقليّة المتعينة بفاعلها على جميع أعداد النّفوس،لا كاحتواء الكليّ على أفراده،بل من قبيل
احتواء الكلّ على أجزائه،لأنّ هاهنا كلاّ و جزأ اذ لا تقدّر هاهنا و لا كميّة يعرضها بل على معنى أن لو كانت ذات كميّة لكانت كذلك.
و بالجملة،فهذه النفس الشريفة الإلهية لمّا هبطت بإذن بارئها-مع احتوائها الجملي على كثرات النفوس-الى الأرض،ارض الأجساد،حيث قيل لها و لما يشتمل عليها و يحيط‍ بها من الأنفس الّتي تحتها:اهبطوا الى الأرض، و هذا الإذن هو معنى اقتضائها الذّاتي لاستصلاح المادة و تدبيرها انطبعت في المادة بحيث صارت طبعا كما قد دريت سابقا فتكثّرت بسبب المادّة و بالعرض منها.ثمّ إنّه ليس بخاف عندك انّ كل موجود فله حظّ‍ من الكمال و حصّة من أشعة صفات الجمال و الجلال على قدر مرتبته،فلهذه النفس الشريفة الإلهية نصيب من ذلك حسب درجتها و لا سبيل للعقل الى تعداد كمالاتها الاّ بالوحي الإلهي و الكشف الرّوحي كما ورد في الأخبار:انّ للّه مائة و تسعة عشر خلقا ينبغي التخلق بها،و أن الاسم الأعظم ثلاثة و سبعون حرفا ينبغي للإنسان تحصيل جميعها،و انّ للأسماء الإلهية مظاهر في العالم،فكما انّ أسماء اللّه على كثرتها انّما يكون تحت اسم جامع لحقائقها هو إمام أئمة الأسماء،كذلك يمكن لشأن الإنسان التام أن يكون مظهرا لذلك الاسم الإمام.
و بالجملة،فلنضع وضعا ما:أنّ لهذه النفس الشريفة أن تتخلّق بمجموع هذه الأخلاق و تتحقّق بجميع هذه الأسماء و الصّفات و تحصل لها كلية هذه الأحرف و الكلمات التامات و إن كان الإجمال ممّا يكفينا في تتميم البرهان.و من المستبين انّ هذه النفس الإلهية لمّا اطمأنّت في الأرض السّافلة ناداها منادي العناية الإلهية نداء الرّجوع بقوله: يٰا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ `اِرْجِعِي إِلىٰ رَبِّكِ رٰاضِيَةً
مَرْضِيَّةً و هذا النداء هو اقتضاؤها الذّاتي لاستجماعية الكمالات المتصورة في شأنها و ميلها الى مقرّها الأصليّ و عالمها الإلهي،فتحرّكت للنّزوع الى جلب تلك الكمالات و استيقظت من نومتها الّتي في مهاد الكيانيّات،فأخذت في الطلب من كلّ جهة من أجزاء هذه المادة المنطبعة فيها،و التمست الخروج من كلّ فرجة من فرج أبدانها و لمّا لم يكن للقوى البشرية استجلاب تلك الكمالات إلاّ في المدد الطويلة و كان مزاج كلّ شخص في معرض الزوال دون مدى تلك الغاية،فكلّما حصل لها كمال في ضمن احد و سهل لها خلاص من مضيق جسد،فكأنّه حصل لحصة و إن شئت قلت:لعضو أو قوّة من تلك النفس الشريفة خلاص حتّى ارتقى الى مستوى الكمال الإنساني و عرج الى قاب قوسين من النزولي و الصّعودي و هو الإنسان الكامل،فكأنّها كملت تلك النفس الإلهية بكلية حصصها و بتمام أعضائها و قواها في ذلك الشخص و لا سبيل الى معرفة خصوص هذا الشخص الاّ بوحي إلهي و كشف ربّاني،كما ورد في الآيات و الأخبار أنّه نبيّنا و رسول الثّقلين و خاتم النّبيّين و سيّد المرسلين و لذلك ختم به السّفارة الإلهيّة و تخلّق بقاطبة الأخلاق الإلهية كما خوطب بقوله تعالى: وَ إِنَّكَ لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ و قال صلّى اللّه عليه و آله:«ادّبني ربّي فاحسن ادبي» و كان جميع حروف الاسم الأعظم عنده الاّ واحدة استأثر اللّه نفسه بها،فهو الإنسان الكامل الصّادق عليه أنّه تقلب في الصّور بالتمام،و تناسخ في الأصلاب و الأرحام،و له و لأخيه أن يقول:أنا آدم الأوّل،و أنا نوح،و أنا شيث و إبراهيم،و أنا مع الأنبياء كلّهم،و أنا معلّمهم و منجيهم،و أنا صاحب الكرّات و الدّولات،الى غير ذلك كما ورد في خطبة
البيان .و هذه هو التناسخ الحق،و لذلك قيل:ما من مذهب الاّ و للتناسخ فيه قدم راسخ؛و أمّا«التناسخ»المستحيل فهو انّما يكون في النفوس الجزئية عند من قال به،و قد أبطله علماؤنا-شكر اللّه مساعيهم-في مصنّفاتهم.و ممّا يؤكّد ذلك ما روي في الخصال عن جابر بن عبد اللّه رحمه اللّه قال:قلت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:أوّل شيء خلقه اللّه ما هو؟فقال:نور نبيّكم يا جابر!ثمّ خلق منه كلّ خير،ثم أقام بين يديه«مقام القرب»ما شاء اللّه،ثم جعل أربعة أقسام:فخلق العرش من قسم و الكرسيّ من قسم و حملة العرش من قسم و خزنة الكرسيّ من قسم،و أقام القسم الرابع في«مقام الخوف»ما شاء اللّه،ثم جعل أربعة أجزاء: فخلق الملائكة من جزء و الشمس و القمر من جزء و«العلم»و«الحلم»من جزء و«العصمة»و«التوفيق»من جزء،و أقام الجزء الرابع في«مقام الحياء»ما شاء اللّه، ثم نظر إليه بعين«الهيبة»فرشح ذلك النّور و قطرت منه مائة ألف و أربعة و عشرون ألف قطرة،فخلق من كلّ قطرة روح نبي و رسول،ثم تنفّست أرواح الأنبياء فخلق اللّه من أنفاسهم أرواح الأولياء و الصالحين و الشهداء.
[نقل كلام بعض اهل العرفان في مرتبة الإنسان الكامل و هو النبيّ(ص)] و ممّا يعجبني بعد ذلك التبيان،إيراد كلام لبعض أهل الولاية و العرفان قال
قدّس سرّه:اعلم،أنّ مرتبة الإنسان الكامل من العالم مرتبة النفس الناطقة في الإنسان و هو الكامل الّذي لا أكمل منه و هو محمّد صلّى اللّه عليه و آله،و منزلة الكمال من الأناسي النّازلين عن درجة هذا الكمال الّذي هو الغاية من العالم منزلة القوى الرّوحانية من الإنسان و هم الأنبياء صلوات اللّه عليهم،و منزلة من نزل في الكمال عن درجة هؤلاء من العالم منزلة قوى الحسيّة من الإنسان و هم الورثة رضي اللّه عنهم،و ما بقى ممن هو على صورة الإنسان في الشكل هو من جملة الحيوان فهم بمنزلة الرّوح الحيواني في الإنسان الّتي يعطي النّموّ و الإحساس.
و اعلم انّ العالم اليوم بفقد جمعية محمّد صلّى اللّه عليه و آله في ظهوره روحا و جسما و صورة و معنى نائم لا ميّت،فإنّ روحه الّذي هو محمّد صلّى اللّه عليه و آله هو من العالم في صورة المحلّ الّذي هو روح الإنسان عند النّوم الى يوم البعث الّذي هو مثل يقظة النّائم هنا؛و انّما قلنا في محمّد صلّى اللّه عليه و آله على التعيين إنّه الرّوح الّذي هو النفس النّاطقة في العالم لما أعطاه الكشف و قوله صلّى اللّه عليه و آله:أنا سيّد النّاس ،و العالم من النّاس،فانّه الإنسان الكبير في الجرم،و المقدّم في التسوية و التعديل ليظهر عنه صورة نشأة محمد صلّى اللّه عليه و آله،كما سوّى اللّه جسم الإنسان و عدّله قبل وجود روحه،ثم نفخ فيه من روحه روحا كان به إنسانا تامّا أعطاه بذلك خلقه و نفسه النّاطقه،فقبل ظهور نشأته صلّى اللّه عليه و آله كان العالم في حال التسوية و التعديل بل كالجنين في بطن أمّه.و حركته بالرّوح الحيواني منه الّذي صحّت له به الحياة؛فاجلّ ذكرك فيما ذكرته لك!فإذا كان في القيامة حيي ذلك العالم بظهور نشأته صلّى اللّه عليه و آله مكمّلة موفّرة القوى،و كان أهل النّار
في مرتبتهم في إنسانية العالم،مرتبة ما ينمو من الإنسان،فلا يتّصف بالموت و لا بالحياة،و لذا ورد فيهم النص من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:«أنهم لا يموتون فيها و لا يحيون» و الملائكة من العالم كالصّور الظّاهرة في خيال الإنسان.و كذلك الجنّ؛فليس العالم إنسانا كبيرا الاّ بوجود الإنسان الكامل الّذي هو نفسه الناطقة كما انّ نشأة الإنسان لا يكون إنسانا الاّ بنفسه النّاطقة و لا يكون هذه النفس الناطقة كاملة الاّ بالصورة الإلهية المنصوص عليها من الرسول، فكذلك نفس العالم الّذي هو محمّد صلّى اللّه عليه و آله حاز درجة الكمال بتمام الصورة الإلهية في البقاء و التنوع في الصّور و بقاء العالم به.فقد بان لك حال العالم قبل ظهوره صلّى اللّه عليه و آله انّه كان بمنزلة الجسد المسوّى،و حال العالم بعد موته بمنزلة النائم،و حال العالم ببعثه يوم القيامة بمنزلة الانتباه و اليقظة بعد النّوم -انتهى كلماته الشريفة .و كلّ ذلك انّما يتصحّح بالبرهان الّذي قلنا في تناسخه من الأصلاب و الأرحام؛فاحتفظ‍ بذلك!فانّ ذلك ممّا لم يكتب في صحيفة و لم يؤذن الى هنا في كشفه بين أرباب الحقيقة و الحمد للّه أوّلا و آخرا.
[تتمة القول في نعت النبيّ(ص)] المخرج من اكرم المعادن محتدا،و أفضل المنابت منبتا،من امنع ذروة و اعزّ أرومة.
«المحتد»(بفتح الميم و كسر التاء المثنّاة الفوقانية):الأصل و الطبع،و نقل صاحب المجمل عن الأصمعيّ انّه يقال:«عين حتد»أي ثابتة الماء و منه المحتد.
و«المنيع»:الّذي لا يصل إليه الأيدي في رفعته.و«الذّروة»(بالضمّ و الكسر) : الأعلى من كلّ شيء.و«الأرومة»(بالفتح و الضم):الأصل.و كلمة«من»في قوله:«من أمنع»للبيان:أي هذا المحتد و ذلك المنبت ليس من السفليّات إذا نسب الى العالم،و كذا ليس من الأسافل إذا نسب الى آدم،فمعدنه من العالم معدن الذّهب الّذي خلق من نور شمس عظمة اللّه،إذ له الولاية المطلقة الّتي هي معدن الذهب؛ففي الخصال ،عن جابر بن عبد اللّه قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:أول ما خلق اللّه نوري،ابتدعه من نوره و اشتقّه من جلال عظمته،و معدنه من آدم معدن الفضّة الّتي خلق من نور قمر جمال اللّه،إذ له النبوة الكلية الّتي هي معدن الفضة؛و أمّا من بني آدم فمعدنه من بني عبد المطلب سكنة بيت اللّه و حجبة حرم اللّه ذوو الشرف الأصيل و الكرم النّبيل.و أمّا منبته الأفضل،فسيجيء عند بيان قوله:«في حرم انبتت»و امّا وجه بيانية قوله:«من امنع ذروة»-الى آخره للمنبت و المعدن،فلأنّ المعادن الجسمانية إنّما يكون في الأرض و في ثخنها و في المكان البعيد من الشّمس الحسيّة،بخلاف المعادن الرّوحانية فإنّها في السماوات العقلية التي كلّ واحدة منها أرض بالنظر الى ما فوقها-كما في الخبر-و في محيطها و قريب من الشمس الحقيقية إذ الشمس المعنوية على المركز من تلك السّماوات الرّوحانية إلاّ انه ليس بين المركز و المحيط‍ منها أبعاد مساحيّة بل المركز و المحيط‍ واحد بالحقيقة.و إنّما هاهنا بطون و ظهور و علّة و معلول.و أيضا الأشجار الجرمانية يكون أصولها الثابتة انّما هي في الأرض و فروعها في السماء و أمّا الشجرة الروحانية فأصلها ثابت في الذّروة الأعلى و أغصانها متدلّية الى الأرض
السّفلى،كما ورد في حديث أشجار الجنة انّها متدلّية الى قصور أربابها،كما روي عن النّبي في صفة سدرة المنتهى عن الصّادق عليه السّلام عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال:«لمّا جاوزت سدرة المنتهى و بلغت أغصانها و قضبانها رأيت بعض ثمار قضبانها أثداءه معلقة يقطر من بعضها اللّبن و من بعضها العسل و من بعضها الدهن و يخرج من بعضها شبه دقيق السميد ، و عن بعضها الثياب و عن بعضها كالنبق فتهوي في ذلك كله نحو الأرض.فقلت في نفسي أين مقرّ هذه الخارجات عن هذه الأثداء؟و ذلك انّه لم يكن معي جبرئيل لأنّي كنت جاوزت مرتبته و اختزل دوني،فناداني ربي عزّ و جل في سرّي يا محمّد!هذه أنبتّها في هذا المكان الأرفع لأغذو منها بنات المؤمنين من أمّتك و بنيهم.فقل لآباء المؤمنات لا تضيقنّ صدوركم على فاقتهنّ فإنّي كما خلقتهنّ ارزقهنّ» و كما ورد: «انّ شجرة طوبى أصلها في دار عليّ بن أبي طالب عليه السّلام و كلّ غصن منها في دار مؤمن من أهل المشارق و المغارب» و ليست دار أمير المؤمنين عليه السلام هي التي كانت تارة في المدينة المشرّفة و أخرى في الكوفة،بل هي مرتبته العالية من الولاية الكاملة،و غصونها الّتي في بواطن كل من دونه من شيعته و محبّيه هي مرتبتهم من معرفته و حظّهم من الايمان به.
من الشّجرة الّتي صاغ اللّه منها أنبياءه و انتجب منها أمناءه.
كلمة«من»للبيان أعني أنّه بيان للرّسول المخرج من أفضل المنابت.
و لا ريب أنّ المخرج من المنبت،شجرة،فهو صلّى اللّه عليه و آله شجرة غصونها الأنبياء و ثمارها الأمناء،إذ الصياغة من الشجرة انّما يليق بالغصون.و«الانتجاب» سواء كان بالجيم أو الخاء المعجمة،انّما يليق بالثمار المعبر عنها عن الأولاد الّذين هم ثمرة فؤاده،لأنّ الثمرة هي«النخبة»من الشجرة و«النجيب»منها.و بالجملة، تلك الشجرة أصلها و جذرها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،و فروعها و جذعها أمير المؤمنين،و أغصانها و قضبانها سائر النبيين و المرسلين،و ثمارها و قطوفها الأئمة الطّاهرون و علومهم المخرجة لغذاء المستفيدين،و أوراقها شيعتهم من الأولين و الآخرين،و أمّا سائر النّاس فكالديدان و الحيوانات الكائنة في لحاء الشجرة و أوراقها و أثمارها؛و أمّا أصل تلك الشجرة فمن بذر الباري كما يسمي الحكيم الكلمة الّتي في الأشياء بذورا أبذرها فيها الباري و يسمّيها أفلاطن،المثل النّوريّة. و ذلك البذر هو جوهر النفس الإلهيّة الّتي أبذرها اللّه في المادة الكلية و أوجدها من نور العظمة الإلهية.و يقرب من هذا ما و روى صاحب بصائر الدّرجات بأسانيد معتبرة منها عن عمر بن يزيد قال:سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه تعالى: أَصْلُهٰا ثٰابِتٌ وَ فَرْعُهٰا فِي اَلسَّمٰاءِ فقال:رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و اللّه جذرها،و أمير المؤمنين فرعها،و الأئمة من ذريتهما أغصانها،و علم الأئمة
ثمرها،و شيعتهم ورقها،فهل ترى فيهم فصلا؟فقلت:لا فقال:و اللّه إنّ المؤمن ليموت فتسقط‍ ورقة من تلك الشجرة و إنّه ليولد فتورق ورقة فيها فقلت:قوله تعالى: تُؤْتِي أُكُلَهٰا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهٰا فقال:يعني ما يخرج الى النّاس من علم الإمام في كلّ حين حين يسأل عنه-الحديث.و أقول قوله:«و اللّه جذرها»،على الجرّ بواو القسم و«جذرها»بالرّفع خبر«رسول اللّه»و قوله«فصلا»(بالصّاد المهملة)أي هل ترى بين أصل الشجرة و فرعها و أغصانها فاصلة و بينونة؟!بل الكلّ شجرة واحدة و من أصل واحد البتة.
الطّيّبة العود،المعتدلة العمود،الباسقة الفروع،النّاضرة الغصون، اليانعة الثّمار،الكريمة الحشا.
فههنا فاكهتان: الأولى، اعلم،أنّ«طيب العود»إشارة الى انتشار فيض كلّ ولي في أهل زمانه من المؤمنين،بل الى قاطبة العالمين و استنشاق الأرواح الطّاهرة أراييحهم الطيبة من كلّ جهة و في كلّ حين،كما كان يعقوب عليه السلام يجد ريح يوسف مسيرة شهر أو أكثر من ذلك الزمن،و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يجد نفس الرّحمن من جانب اليمن،و كما يجد الناس ريحه صلّى اللّه عليه و آله في الطريق
الذي مرّ عليه الى ثلاثة أيّام،و كما سيكون-إن شاء اللّه-في آخر الزمان يجد الثلاث مائة و ثلاثة و عشر من المؤمنين طيب القائم من آل محمد صلوات اللّه عليهم،فيفتقدون على فرشهم و يسيرون إليه في أقلّ من ليلة.و ذلك لأنّ وليّ اللّه انّما جاء من عالم السّرور و موطن النّور،فمعه الرّوح و الرّيحان بل هو الروح و الريحان،كما أنّ سيّدي شباب أهل الجنّة كانا ريحانتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله.
و سرّ ذلك أنّ كلّ شيء في العالم الحسّي فله حقيقة روحانية في عالم القدس،و حقيقة الوليّ لها اشتمال جمليّ على كليّة الأنوار القدسيّة؛و لانّ كلّ ما في هذا العالم فانّه أثر لما في ذات النفس فالى وليّ اللّه ينتهي الأراييح الطيبة و الألوان البهيّة و الحسن و البهاء في جميع البريّة،و هو الأصل فيها بالحقيقة و هذه فروعها السّفليّة.و قد مرّ البرهان على ذلك في المقامات السابقة و لا تتعجبنّ يا أخي من ذلك!فإنّ من تنفّس الأنبياء خلق أولياء زمانهم كما مضى في حديث جابر الأنصاري،و بأنفاسهم يدور الأفلاك،بل لولاهم لما خلقت الأفلاك و الأملاك، و بإبداء أسرارهم ينبت النّبات،كما ورد في خبر ميثم أنه رأى أمير المؤمنين عليه السلام أطلع في البئر الى نصفه يخاطب البئر و البئر تخاطبه فلما أحسّ عليه السلام به،التفت إليه و أنشد:
و في الصدر لبانات #إذا ضاق بها صدري نكتّ الأرض بالكفّ#و أبديت لها سرّي فمهما تنبت الأرض#فذاك النبت من سرّي أمّا سرّ خلق الأولياء من تنفس الأنبياء صلوات اللّه عليهم،فمن طريقين حسب ما ألهمني اللّه تعالى وليّ الخير:
الأول: انّ النّفوس القويّة الشّديدة النّوريّة،إذا تنفّست من مادّة صالحة لظهورها حسب ما أراد اللّه تعالى،و النّور القويّ ممّا يلزمه الإضاءة و الإنارة، فاستنارت بسببه المواد الصّالحة للاستنارة،فخلقت منها أرواح الأولياء الّذين في حيطة ذلك النبيّ و تحت حكمه،و قد شوهد ذلك في النّفوس القويّة الغير الشريفة،كما حكي في چنگيز سلطان الترك أنّ بعد موته صارت الأراضي الّتي في أطراف قبره ذات أشجار كثيرة من غير غرس،فما ظنك بأنبياء اللّه و أوليائه في حياتهم و مماتهم!
و الثاني: أنّهم لمّا دعوا عباد اللّه إليه و ذكّروهم بأيّام اللّه و أسراره و أظهروا لهم نعماء اللّه و آلائه،رسخ بعض تلك المعارف المأخوذة من الأنبياء في قلب من شرح اللّه صدره للإسلام فصارت تلك المعرفة حبّة قلبه،فيخلق اللّه منها وليّا من أوليائه،إذ الأنبياء و الأولياء كلمات اللّه تعالى و انّما الأنبياء يتكلّمون عن وحي إلهيّ و كلام ربّاني.
و أمّا سرّ دوران الفلك من أنفاسهم فلما قد ثبت في الحكمة الحقّة و صدّق بذلك المكاشفات السّبحانيّة،أنّ حركاتها شوقيّة عشقيّة.و أصل العشق و معدنه،
انّما هي قلوب أنبياء اللّه،كما في حديث القدسي:«لا يسعني أرضي و لا سمائي بل يسعني قلب عبدي المؤمن» لأنّ هذه السّعة انّما هي بسبب العشق التام و المحبة الكاملة،و الاّ فيكون المؤمن كسائر الموجودات الغير القابلة للسعة.و انّما استدللنا بالسّعة على كون المؤمن أصلا في العشق،لأنّ السّعة عبارة عن تجلّيه سبحانه ذاتا و صفة و فعلا و تجليه ذلك انّما يكون في محلّ قابل،و المحلّ القابل هو الّذي يستدعيه أشدّ الاستدعاء،و ليس«العشق»إلاّ فرط‍ المحبّة و الاستدعاء؛و لأنّ التجلّي بهذه المراتب الثلاث انّما يكون في شيء يحبّه اللّه و يرتضيه و حبّ اللّه للشيء انّما يتسبّب عن حبّ الشيء له،كما ورد في القدسيّات:«من أحببني أحببته و من تقرّب إليّ شبرا تقرّبت إليه باعا» .
إذا تمهّد ذلك،بعد ما تقرر أنّ الإنسان هو الأول،بحسب الوجود في العوالم السّابقة،و المتأخّر في هذه النشأة،فنقول:انّ الإنسان هو الأصل في العشق و المحبة،و العشق يلزمه التأوّه و التنفّس لشدة التهاب حرارة التشوّق،فإذا ظهر منه هذا التأوّه انتشر في العالم،فيتحرك المتحركات بسببه.
و هاهنا سرّ آخر لدوران الفلك بسبب أنفاس بني آدم سيّما الأنبياء و الأولياء لأنّهم الأصل في ذلك و هو أنّ الشيخ اليوناني قال:«انّ النفس من لدن عالم العقل الى مركز الأرض فيكون الفلك موضوعا في وسط‍ النّفس على هذا الأصل» و تفصيل ذلك على ما أقول:هو انّ النفس ذات جهتين:جهة الى عالم العقل لأنّه أصلها و منبعها،و جهة الى عالم الحس لأنّه أثرها و صنعتها،و كلّ عال فهو محيط‍ بالسافل مشتمل عليه اشتمال العلّة على المعلول و لا ريب أنّ كلّ بسيط‍ سواء كان
جسمانيا أو غيره فانّما يقتضي شكلا بسيطا-سواء كان من الأشكال الرّوحانية التي لا فرق بين محيطها و مركزها،و الأشكال الجرمانيّة التي بخلاف ذلك- و الشكل البسيط‍ هي الكرة فيكون النفس كرة روحانية مشتملة على ما تحتها من الجسمانيّات بحيث تكون الكرات الجسمانية في مركز تلك الدائرة الشريفة،لأنّ نسبتها الى النّفس نسبة واحدة فلا يتخصّص بأن يكون في غير المركز إذ المركز له نسبة واحدة الى المحيط‍ فيكون على المركز للنّفس،فيصل فيضها الى الكرات الجسمانية الّتي في جوفها على نسبة سواء بتنفّسها،كما يصل فيض النفس الجزئية الّتي فينا الى القلب بتنفّسنا و باستنشاق الهواء،و لذلك يتحرك الفلك الّذي للنفس بمنزلة القلب بتنفّس تلك النّفس الشريفة أنفاسها و استنشاق الفلك ذلك الهواء الّذي يحار فيه العقول،كما ورد في الخبر:«أنّ فوق الكرات السّماويّة هو الهواء الّذي يحار فيه العقول»و ليس تلك النفس الشريفة الاّ النفس الكليّة الإلهيّة الّتي يختصّ بالأنبياء و الأولياء.
و أمّا سرّ انّ إنبات الأرض نباتها من أسرار الأنبياء و الأولياء،فهو أن تعلم انّ إنبات النّبات في هذا العالم الأرضي،انّما هو بالكلمة الّتي للأرض و بها صلاح الأرض و نباتها و سائر شئونها.و تلك الكلمة حيّة و الاّ فكيف يحصل من الأرض الميتة هذه الحيوانات الأرضيّة و الأشجار النّامية.و تلك الكلمة الموكّلة على الأرض هي التي يسمّيها لسان الشرع ب‍«الملك»حيث لا يكون ينزل قطرة من السماء الاّ بالملك الموكّل بها.و انّما عبّرنا عنه ب‍«الكلمة»لأنّها من جملة كلمات اللّه التي لا تبديل لها و لا فساد يعتريها.و وجه التّسمية ب‍«الكلمة»لأنّها عبارة عن كلمة«كن»الّتي هو الأمر الإيجاديّ بصدور كلّ مخلوق حسب مرتبته.ثمّ انّ الكلمة الموكّلة على الأرض و الماء و غيرهما،كلمة مرسلة على وفق إرسال الأرض و الماء حيث اشتملتا مع تعيّنهما الشخصيّ على جزئيات كثيرة لا يحصى، كذلك تلك«الكلمة»مع وحدتها مشتمله على كلمات شتى حسب اختلاف أجزاء الأرض و افتراق أنواع النّبات و الحيوانات الحاصلة منها فهي ربّ لنوع الأرض فلها جزئيّات بتبعيّة أجزاء الأرض،كما بيّنا سابقا انّ تكثر الأمور المدبّرة للمادة انّما يكون بالعرض منها و بالواسطة.
إذا دريت ذلك،فاعلم،انّ حقائق تلك الكلمات المدبّرات و ماهيّات أرباب أنواع الماديّات ،ليست الاّ الأنوار العقلية و المعاني الفائضة على النّفوس الشريفة، فإنّ النفس الكليّة إذا توجّهت نحو عالمها العقليّ،أفيضت عليه المعاني النورية و الجواهر العقليّة،فإذا اكتسبت تلك المعاني و الأنوار من العلو،أفاضت الى ما تحتها من عالم السفل فيوجد بتلك المعاني الفائضة و الإشراقات النّوريّة المكتسبة الأشياء السفليّة،بعد ما تنزّلت تلك المعاني من مرتبة مرتبة في سلسلة الأسباب الى أن انتهت الى المسبّبات.فإذا كان ولي اللّه الّذي له تلك النفس الشريفة أو المتّحد بها نحو اتّحاد يظهر تلك المعاني و الأنوار إلى الكلمة الموكّلة على الأرض من دون وساطة المراتب المترتبة،فإنبات النّبات يكون بالطريق الأولى و الأسهل و لذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام:
فمهما تنبت الأرض#فذاك النبت من سرّي و محصّل الكلام إن كنت من أهل هذا المقام،هو أن تعرف أنّ الأمور الكائنة الحاصلة عندنا،فانّما هي قشور للأنوار القدسيّة و المعاني العقليّة بمعنى أنّ تلك
المعاني تنزّلت الى أن انتهت الى هذه الجزئيات فاكتست ذلك اللّباس و صارت محسوسة بالحواس،فإذا كانت يوم القيامة التحقت السّفلى بالعليا و برزت الأمور من حقائقها و بواطنها؛فالكلمة الموكّلة على الأرض مثلا انّما ينتظر الإشراقات الّتي اكتسبتها النّفس من العالم العقلي بأن يفيض عليها فيظهر منها نبات أو حيوان، فإذا باشر وليّ من أولياء اللّه الّذي له النفس القدسيّة و أظهر تلك المعاني و الأنوار الى تلك الكلمة الأرضيّة فاذا استفادت منه،أظهرتها بصورة النّبات و غيره؛فكلّ ما نبت في الأرض فمن أسرار أولياء اللّه.و هذا الّذي قلنا،من جملة الأسرار الّتي لا رخصة في إفشائها أكثر مما ذكرنا؛و لذلك لست تجده في مصنّف و لا مكتوب اللّهم الاّ على سبيل الرمز الغامض،الّذي لا يطلع عليه الاّ من هو للعلوم الرسميّة رافض.
الفاكهة الثانية، اعلم أنّ«عمود الشجرة»،هو الجذع الّذي خرج من الأصل و اعتمد عليه الفروع و الأغصان.
و«اعتدال العمود» ،كناية عن كون الورثة و بالجملة،المقتبسين من مشكاة النبوّة الختمية على استواء الكمال الأحمديّ،و الخلق العظيم المحمّديّ،و الوصول الى الصّراط‍ المستقيم،و الدّين القويم،بحيث لا اعوجاج فيه من الميل الى شرق النصرانية الّتي هي الإفراط‍ لأنّهم أفرطوا في الأمر حيث زعموا انّ اللّه هو المسيح بن مريم،و غرب اليهوديّة التي هي التفريط‍ حيث زعموا أنّ عزير ابن اللّه و انّ اللّه قد فرغ من الأمر.
و أمّا«بسوق فروع الشجرة» المباركة أي طولها،فعبارة عن اشتمال الولاية المحمّديّة صلوات اللّه عليه و آله على مراتب حقائق الأولياء السّابقين و اللاّحقين
بحيث لا يخرج عن حيطته نبيّ و لا وليّ،و لا بعثوا الاّ بالإقرار لولاية محمّد و عليّ صلّى اللّه عليهما و آلهما كما مرّ البرهان عليه؛و أيضا عبارة عن وصولها الى أقصى معارج الكمال و اعتلاء ذكرها في السماوات و الأرض مع ذكر اللّه ذي الجلال حيثما ذكر في الأحوال.
و أمّا«نضارة غصونها» فإشارة الى اتّصال الفيض الإلهي إليها و سقيه سبحانه إيّاها من ماء الحياة،إذ تلك الشجرة واقعة على حافّة نهر يسمّى ب‍«الحيوان»،بل مغروسة في الحياة و لذلك اختصّت الطهارة به و أهل بيته صلوات اللّه عليهم،لأنّ هذا النهر كما ورد في الخبر :هو الّذي إذا انتهى أولياء اللّه إليه بعد ما يفرغ من الحساب فيغتسلون فيه و يشربون منه فتبيضّ وجوههم إشراقا فيذهب عنهم كلّ قذى و وعث،فأين من الّذين غرسوا فيه و أنبتوا منه و سقوا دائما منه!
و أمّا«إيناع ثمرتها»فهو عبارة عن إفاضة العلوم منه و من أغصانه الّتي هي عترته صلّى اللّه عليه و آله على الأنبياء و الأولياء السّابقين و اللاّحقين و الملائكة أجمعين.و اقتباس الأنبياء و الأولياء و غيرهم أنوار المعارف من مشكاته صلّى اللّه عليه و آله لأنّه مدينة العلم و عترته بابها ،فلا علم حقيقيّ الاّ و قد خرج منهم و غير
ذلك زخارف من الأقوال،و ترّهات مشبّهة بالكمال،و ليس على صاحبه إلاّ وبال.
و أمّا«كرامة الحشا»،أي كرامة نبات تلك الشجرة لأنّ الحشاء(بالحاء المهملة و الشين المعجمة):النّبات،فالمراد بها كرامة ما ينبت من تلك الشجرة المباركة من الأوراق و ألوان الفواكه،إذ الأوراق هي الشيعة،و الفواكه،هي أنواع المعارف الحقيقة و العلوم العقلية ففي الخبر عن الصّادق(ع)في قوله تعالى«و فاكهة مما يتخيّرون»قال ليس حيث يذهب الناس انّما هي العالم و ما يخرج منه،و قد مضى خبر آخر في هذا المعنى.
في كرم غرست،و في حرم انبتت،و فيه تشعّبت،و اثمرت،و عزّت، و امتنعت،فسمت به و شمخت.
غرس تلك الشجرة في الكرم،هو كونها مخلوقة بمحض فضل اللّه و كرمه حيث نالت مرتبة الجامعيّة لجميع فواكه حقائق الأنبياء و الأولياء و من دونهم كما قال صلّى اللّه عليه و آله:«آدم و من دونه تحت لوائي»و ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء و كونها من أكرم قبائل قريش و هم بنو عبد المطّلب حيث لا يدنسه من لدن آدم الى حين ظهوره أوساخ الكفر و الشرك،و لا يشينه أدناس اللّوم و الفرك .
و أمّا إنبات ذلك النبات السّماوي و تشعبه و غير ذلك،فقبل وجوده الكوني في حرم الكبرياء حيث كان ممسوسا في ذات اللّه ثم تشعّب منه أنوار أوصيائه المعبّر عنهم بالحجب الاثنى عشر،ثم أشرقت تلك الأنوار الى ساير الأنبياء
و الأولياء و المؤمنين الممتحنين ثم الى سائر الموجودات.
و«أثمرت»أي أظهرت منهم ثمار المعارف و العلوم الإلهية بحيث يغتذي بها المستفيدون من الملائكة و الناس أجمعين.
و«عزّت»أي غلبت أنوارهم على كلّ نور و علت كلمتهم على كلمات أهل الفجور.
و«امتنعت»أي صارت منيعة بحيث لا يصل إليها أيدي المعاندين مع ما يريدون أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اَللّٰهِ بِأَفْوٰاهِهِمْ وَ يَأْبَى اَللّٰهُ إِلاّٰ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ .
«فسمت»و علت و«شمخت»في الحرم الى عليا درجات الاعتلاء و قصيا طبقات الارتقاء،فذكروا حيث ذكر اللّه كما قيل في عليّ عليه السّلام:«أخفى فضائله أولياؤه خوفا،و أعداؤه عنادا مع انّه ملأ الخافقين».
و أمّا حين وجوده الكوني فظاهر دلالته في الحرم و اعتلاء ذكره و ارتفاع درجته الى غير ذلك فيه الى أن بلغ في السّمو،و شمخ في العلوّ،الى قاب قوسين أو أدنى و عرج الى أن فاق العوالم كلّها.و بالجملة،ابتداء ذلك النّور من اللّه قبل جميع المبتدءات فتشعّبت و نزلت الى أن بعث في الحرم ثم صارت في الرّجوع الى
اللّه و العود إليه الى أن فاق قاطبة الأنوار في الفضل و الكرم،و القرب الى اللّه العليّ الأكرم.
[وجوه إكرام اللّه تعالى النبيّ(ص)] حتّى اكرمه اللّه بالرّوح الأمين و النّور المبين و الكتاب المستبين و سخّر له البراق و صافحته الملائكة و أرعب به الأباليس و هدم به الأصنام و للآلهة المعبودة دونه.
هذا بيان لعوده الى اللّه و رجوعه إليه كما كان العبارة السّابقة بيان لبدئه من اللّه و ظهوره منه:
أمّا«الإكرام بالرّوح الأمين»من عند اللّه بالوحي و هو جبرئيل عليه السلام فقد عرفت انّ روحه صلّى اللّه عليه و آله بالنسبة الى العالم كالنفس الناطقة بالقياس الى البدن فيكون جبرئيل عليه السلام الّذي جزء من العالم قوّة من قواه الرّوحية،و يشبه أن يكون بمنزلة النفس النّاطقة بالنّظر الى العالم لأنّ شأنه إلقاء المعارف و الحكم و إلهام النّواميس الى بني آدم و تسديد الأنبياء و الأولياء و إنزال العقوبة الى الأعداء.و لا ريب أنّ ذلك كلّه من أفعال النّفس النّاطقة في الإنسان بحسب جزئيه:العمليّ و الفكريّ،فكلّ من ترقّى الى مرتبة النفس النّاطقة فله اتّصال معنوي بجبرئيل عليه السلام على اختلاف مراتب النفوس شدّة و ضعفا. و أمّا من أيّده اللّه بالنفس الكليّة الملكوتية الإلهية فجبرئيل عليه السلام من خدّامه و أنصاره بل قوّة من قوى ذاته كنبيّنا صلّى اللّه عليه و آله حيث أيّد بالنّفس القدسيّة الّتي هي عبارة عن النفس الكلية الإلهية الّتي جبرئيل قوّة من قواها،و لذلك تجاوز عن مقام جبرئيل الى ما شاء اللّه.و في كتاب عمل الكوفة عن الإمام عليّ بن موسى الرّضا عن آبائه عن عليّ عليهم السّلام قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:«ما
خلق اللّه خلقا أفضل منّي و لا أكرم منّي فقلت:يا رسول اللّه أنت أفضل أم جبرئيل؟فقال:يا علي انّ اللّه تبارك و تعالى فضّل الأنبياء و المرسلين على الملائكة المقرّبين و فضّلني على جميع النبيين و المرسلين،و الفضل بعدي لك يا علي و للأئمة من بعدك،فانّ الملائكة لخدّامنا و خدّام محبّينا.يا علي الذين يحملون العرش و من حوله يسبّحون بحمد ربّهم و يستغفرون للذين آمنوا بولايتنا.يا عليّ لو لا نحن لما خلق اللّه آدم و لا حواء و لا الجنّة و لا النّار و لا السماء و لا الأرض.
و كيف لا نكون أفضل من الملائكة و قد سبقناهم الى معرفة ربّنا و تسبيحه و تقديسه و تهليله-الحديث.
و أمّا الإكرام بالنّور المبين،فعبارة عن تأييده بأخيه أمير المؤمنين عليه السلام،لأنّه المراد بالنّور حيث ما ذكر في كتاب اللّه،بل و نور الأنوار،كما قال عليه السلام في خطبة البيان و في تفسير علي بن ابراهيم القمي في قوله تعالى«آمنوا باللّه و رسوله و النّور الّذي أنزلنا» انّ«النور»أمير المؤمنين و في الكافي عن الكاظم عليه السلام:«الإمامة هي النّور»و عن الباقر:«انّه سئل عن هذه الآية فقال:النّور و اللّه الأئمة.لنور الإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشمس المضيئة بالنّهار» و أمّا الإكرام بالكتاب المستبين الّذي ظهر فيه الحقائق الإلهية في كسوة العبارة و الكتابة،فعبارة عن إنزال القرآن الجامع لجملة الأنوار الإلهية حيث ما من رطب و لا يابس الاّ
فيه و المشتمل على جميع المعارف المنزلة في كتب اللّه السّابقة،حيث كان مصدّقا لما بين يديه من التوراة و الإنجيل.
[كلام في البراق و صفته] و أمّا تسخير البراق له صلّى اللّه عليه و آله،فيعرف بعد ما تذكر من صفة البراق:ففي الخبر عن الصّادقين صلوات اللّه عليهم :انّه«أتى جبرئيل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالبراق،أصغر من البغل و اكبر من الحمار،مضطرب الأذنين، عينه في حافره و خطاه مدّ بصره،فإذا انتهى الى جبل قصرت يداه و طالت رجلاه،فإذا هبط‍ طالت يداه و قصرت رجلاه،أهدب العرف الأيمن،له جناحان من خلفه»و في رواية عنه صلّى اللّه عليه و آله :«انّ اللّه سخّر لي البراق و هي دابّة من دواب الجنّة،ليست بالقصير و لا بالطويل،فلو انّ اللّه أذن لها لجالت الدنيا و الآخرة في جرية واحدة و هي أحسن الدّواب لونا»و في خبر آخر :جاء جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل بالبراق الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،فاخذ واحد باللّجام،و واحد بالرّكاب،و سوّى الآخر عليه ثيابه،فضعضعت البراق،فلطمها جبرئيل،ثمّ قال أسكني يا براق!فما ركبك نبيّ قبله و لا يركبك بعده مثله.قال فترقّت به و رفعته ارتفاعا ليس بالكثير،و معه جبرئيل يريه الآيات من السماء و الأرض»و من طريق العامة رواه الثعلبي في تفسيره مرفوعا الى النبي صلّى اللّه عليه و آله:«فإذا أنا البراق،دابّة فوق الحمار و دون البغل،خدّه كخدّ الإنسان
و ذنبه كذنب البعير ،و عرفه كعرف الفرس و قوائمه كقوائم الإبل و أظلافه كأظلاف البقر صدره،كأنّه ياقوتة حمراء و ظهره،كأنّه درّة بيضاء عليه رحل من رحائل الجنّة.و له جناحان في فخذيه يسير مثل البرق خطوه منتهى طرقه فقال لي اركب و هي دابّة ابراهيم عليه السلام كان يزور عليها البيت الحرام،فلمّا وضعت يدي عليه تشامس و استصعب عليّ،فقال جبرئيل:«مه يا براق!»فقال البراق:«مسّ صفرا»فقال جبرئيل:«يا براق!هل مسست صفرا؟»قال:«لا و اللّه الاّ انيّ مررت يوما على سياف و نائلة فمسحت يدي على رءوسها و قلت انّ قوما يعبدونكما من دون اللّه ضلاّل» فقال جبرئيل:«يا براق!أ ما تستحي و اللّه ما ركبك منذ كنت قطّ‍ نبيّ أكرم على اللّه عزّ و جلّ من محمّد»قال:«فارتعد البراق و انصبّ عرقا،حياء منّي،ثم خفض لي حتّى لزق بالأرض»-الخبر بتمامه.
إذا دريت ذلك،فلنمهّد لبيان حقيقة البراق و تسخيره لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مقدّمات:
أوّلها، أن تتذكّر ما قد حقق لك فيما سلف من انّ كلّ شيء في عالم الحس و الشهادة فله روح أي حقيقة مثالية في عالم النّفس الكليّة المسمّى عند بعض العلماء ب‍«عالم المثال»و كذلك كلّ ما في العالم المثالي فله حقيقة عقلية و مثال عقلي في عالم العقل و هو المراد ب‍«المثل النّورية»عند أفلاطون الإلهي و ذلك لأنّ الأمر ينزل من عند اللّه فيبتدئ من مرتبة مرتبة الى أن ينتهي الى آخر المراتب فله في كلّ مرتبة صورة مناسبة لذلك العالم و هي المراد ب‍«المثال»
أو «المثل».
و ثانيتها، أن تعلم أنّ التجزئة و التقدّر و لوازمها من تفرقة أبعاض الشيء و قواه الى غير ذلك فهو من أحكام عالم الحس حيث يكون لضيق درجته و كونه في آخر العوالم لا يسع لأحكام حقيقة روحية الاّ في موادّ مختلفة و محالّ متعدّدة و مظاهر متعدّدة ؛و أمّا العالم النّفسي فهو يسع لذلك في محلّ واحد و ذلك لسعة درجته و كونه مجرّدة نحوا ما من التجرّد عن لوازم المادة و إن لم يكن مجرّدة عن المادة مطلقا كما هو شأن النّفس؛و أمّا العالم العقلي فهو أوسع حيطة من ذلك كلّه حيث يكون جميع قوى الشيء و صفاته شيئا واحدا فيه،بل الأشياء كلّها في ذلك العالم على اتّحاد عقلي و اندماج جمليّ حيث يكون كلّ شيء في كلّ شيء و قد مرّ ذلك مندرجا في الأقوال و سيأتيك تحقيق ذلك في المآل.
و ثالثتها، أن تعرف أنّ شجرة الجنّة كما انّها مشتملة على جميع الفواكه و الثمار و قد نصّ بذلك الأخبار عن الأئمة الأطهار لأنّ الجنة هي فوق هذا العالم و بعده و قد دريت انّ العالم الّذي بعد عالمنا هذا أوسع درجة و أشمل حيطة و قد سمعت سعة الجنة و كفى في ذلك قوله تعالى: عَرْضُهَا اَلسَّمٰاوٰاتُ وَ اَلْأَرْضُ ، كذلك كلّ دابّة من دواب الجنّة مشتملة على جميع صور الدّواب و أحكامها بالبيان الّذي قلنا.
و رابعتها، انّ من المستبين عند المتتبع لأخبار المعراج الّذي كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله انّ البراق انّما سار به صلّى اللّه عليه و آله من الأرض في
ملكوت السّماوات مسيرة خمسين ألف سنة الى ما تحت العرش،و أمّا عروجه في الحجب الواقعة في ثخن العرش من فراش الذّهب و حجاب اللؤلؤ و غيرهما من الحجب السبعين فانّما يكون بإخراج الملك الموكّل على ذلك الحجاب يده من تحت الحجاب و احتماله صلّى اللّه عليه و آله الى حجاب آخر؛فلمّا جاوز الحجب دلّي له رفرف أخضر فوضع عليه حتى وصل الى ذروة العرش و في رواية عن الباقر عليه السلام قال:قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:«لمّا أسري بي الى السماء صرت عند سدرة المنتهى قال لي جبرئيل:«اخلع نعليك و أنزل عن البراق».و سدرة المنتهى،-على ما في الخبر-على حدّ السماء السّابعة مما يلي الجنّة و تحت الكرسي و في رواية :يسمّى«سدرة المنتهى»لأنّها كان ينتهي الأنبياء السّابقة في معارجهم إليها و لا يتجاوزونها و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يجوزها،فلمّا سار تحت العرش دلّي رفرف أخضر فرفعه الرفرف الى ربّه.
و بعد تمهيد هذه المقدّمات،نقول:بعون اللّه ولي الخيرات:
انّ البراق،هي مثال حقيقة الحيوان في عالم النّفس و هو بالنسبة الى الإنسان الكبير بمنزلة النفس الحيوانية التي هي معدن القوة الشوقية،و مظهره في الإنسان الصغير هي القوة المتفكّرة حيث يستعملها النّفس النّاطقه.و ذلك لأنّ منتهى سيرها الى سدرة المنتهى و هي عبارة عن«حقيقة الإنسان الكبير»و لا ريب انّ فوق المرتبة الحيوانية هي الإنسانية.و انّما قلنا انّ سدرة المنتهى هي حقيقة الإنسان لما
ورد في صفتها أنّها مشتملة على أنواع الفواكه و الطيور و العلوم و المعارف كما الإنسان مشتمل على تلك المراتب؛و لكون مقام جبرئيل-الّذي قد قلنا انّه بمنزلة النّفس النّاطقة للعالم الكبير-في وسطها كما انّ مقام النفس الناطقة و كرسي تدبيرها من الإنسان وسطه؛و لكون الأنبياء عليهم السلام لم يتجاوزوها إذ ليس لهم فوق مرتبة الإنسانية مقام بخلاف نبينا صلّى اللّه عليه و آله إذ له«مقام الجمع»المعبر عنه ب‍«المقام المحمود»و عند طائفة ب‍«المرتبة الواحدية»و لذلك جاوزها.و لمّا كانت هذه الدّابة المباركة من دوابّ الجنّة المثالية النفسية،كانت مشتملة على جملة الحيوانات كما سبق في الخبر.
أمّا كونها أصغر من البغل و اكبر من الحمار،فإشارة الى توسّط‍ مرتبة وجودها المثالي بل الى كونها مجرّدة من جهة،مادّيّة من وجه،كما سبق في قوله صلّى اللّه عليه و آله«ليست بالقصير و لا بالطويل».
و أمّا اضطراب أذنيها،فكناية عن عدم قرارها،كما القوة المتخيّلة فينا لا قرار لها في حين من الأحيان.
و أمّا سرّ كون عينها في حافرها،فهو انّ الحيوان انّما يكتسب الأمور من المواد الحسية بالقوى الظّاهرة و الباطنة،كما انّ شأن القوة المتخيلة منّا هو التصرف في مكتسبات الحواس الظاهرة و الباطنة فيكون العين الّتي يبصر بها الأمور انّما يكون من الجهة السّفلية لا من جهتها العلويّة.
و امّا ما وقع في الأخبار العامية من كون خدّها كخدّ الإنسان،فذلك إشارة الى توجّهها نحو الوصول الى الإنسان و كمالها بأن يخدم هذا البنيان فوجهها بالكلية الى الإنسان و وجهتها هذه الجوهر العظيم الشأن.
و كون ذنبها كذنب البعير و هكذا قوائمه،و كون عرفها كعرف الفرس
و أظلافها كأظلاف البقر،فعبارة عن اشتمالها على الجزء الأشرف و الأقوى من كلّ حيوان و إن كان لكلّ واحد وجه.
و أمّا ياقوتيّة صدرها،فإشارة الى امتزاج تجرّدها و مادّيتها و غلبة جهة المادّة فيها اذا توجّه الى عالم السّفل.
و أمّا كون ظهرها درّة بيضاء،فإشارة الى غلبة تجرّدها حين صعدت الى عالمها البرزخي.
و أمّا استصعابها و تشامسها،فإشارة الى عدم ميلها الذّاتي الى عالم السّفل و عدم خضوعها و انقيادها لكلّ أحد.
و أمّا مسّ الصفر الّذي نسبت الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،فإشارة الى انّ عدم انقيادها لكلّ أحد،انّما هو لمحبّتهم للدّنيا الدّنية و زخارفها سيّما محبة الأحمرين.
و أمّا قول جبرئيل عليه السلام لها:«أ ما تستحي»فكأنّه ردع لها عن اعتقاد أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يحبّ زينة الدّنيا و شهواتها.
و أمّا معنى كون جناحيها من خلفها-كما في الخبر الخاص-فإشارة الى أنّ سيرها و طيرانها،انّما هو من الجنة العالية الّتي لها لا من الجنة السافلة إذ بهذه الجهة محبوسة في قفس المادة مقيّدة بعلائقها و لذلك كان التعبير ب‍«الخلف» أحسن و إن كان لكون الجناح في الفخذ-كما في الخبر العامي-وجه أيضا و هو انّ ذلك إشارة الى أنّها باستكمال قوّتيها-الفكرية و الشوقية-في العالم السفلي من تحصيل الإدراكات و الأعمال تطير الى ما فوقها.
و أمّا وجه مجيء جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل بالبراق،فلكون جبرئيل الّذي قلنا انّه بمنزلة النفس الناطقة تستخدم قوى الحيوانية،و ميكائيل الّذي له سلطان النماء و التغذية،و إسرافيل الذي له سلطان الحياة،يجب أن يكونا مع هذا الحيوان الذي من دوابّ الجنّة،فعلى هذا ينبغي أن يكون القائد جبرئيل،و الذي على الركاب إسرافيل،لأنّ قوة الحياة انّما يكون من الجنب و الذي كان يسوّي الثياب ميكائيل، إذ التسوية و التعديل شأن القوة النباتية التي هي محلّ سلطنة ميكائيل صاحب الرّزق.
فصل [في وجه مصافحة الملائكة له(ص)و إرعاب الأباليس ببعثته و هدم الأصنام بظهوره] و لنرجع الى شرح الحديث فنقول:
و أمّا مصافحة الملائكة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله،فهو إشارة الى ما وقع له صلّى اللّه عليه و آله ليلة المعراج من ملاقاة الملائكة و تسليمهم عليه و خضوعهم له و احتمالهم إيّاه من سماء الى سماء و من حجاب الى حجاب و صلاتهم خلفه و بالجملة،عبارة عن مصافاتهم إيّاه و كونهم من خدمه و أعوانه؛بل إشارة الى ما وقع له صلّى اللّه عليه و آله من موافاة الملائكة في كلّ يوم و ساعة حيث يخدمون أهل بيته و يباشرون أمور داره و يعالجون سائر شئونه و أحواله فقد ورد في الخبر:«انّ الملائكة في كلّ يوم لتصافح وجوه شيعتنا كلّ يوم»فكيف ظنّك بهم صلوات اللّه عليهم.
و أمّا إرعاب الأباليس و الشياطين ببعثته صلّى اللّه عليه و آله،فاعلم،انّ تقابل الأسماء الإلهية من الجلالية و الجماليّة اقتضت وجود الخيرات و الشرور في العالم كما صرّح بذلك حديث الماء العذب و المالح و امتزاجهما.و لمّا كانت النشأة
الدنياوية الّتي هي مرتبة الخلط‍ و الامتزاج منهما،طبيعتها طبيعة مشحونة بالشرور و الخيرات ممتلئة من الماء المالح و الفرات،و اقتضت العناية الإلهية أن يغلب الحقّ على الباطل و يسبق الرّحمة على الغضب و جرت سنّة اللّه الّتي لا تبديل لها بأنّ كلّ ما هو سابق في العناية فهو متأخّر الوجود في النشأة الكائنة كما الأمر في الإنسان بالنظر الى سائر الموجودات و في تفاوت أفراده خسّة و شرفا الى ما لا أشرف منه كذلك،فمن ذلك سبق الوجود الكونيّ للبواطل و الشرور على الحقوق و الخيرات ليحق اللّه الحق و يبطل الباطل بكلماته وَ قُلْ جٰاءَ اَلْحَقُّ وَ زَهَقَ اَلْبٰاطِلُ ،فلذلك جرى الأمر على أنّه إذا ملأت الأرض ظلما و جورا جاء اللّه بحق يبطله كما ورد في علة خلق آدم أنّه بعد فساد الشياطين و الأبالسة في الأرض و الظلم و الجور فيها خلق اللّه آدم لإرعابها و خراب بنيانها الباطلة فيها، و كذا الأمر و مجرى السّنة في كلّ نبيّ و وصيّ و وليّ فيكون بظهوره ترعب أبالسة زمانه و الشياطين،و بجهاده يقتل بعضهم و يقيّد بعضا و يعذّب آخرين،و بهذا الّذي قلنا صرّح قوله تعالى: جَعَلْنٰا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيٰاطِينَ اَلْإِنْسِ وَ اَلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ اَلْقَوْلِ غُرُوراً .و ممّا يجب أن تعلم انّ قوة كلّ نبي انّما هو بحسب ما يغلب على شياطين زمانه و أبالسة أوانه،و لا شك انّ النشأة الدنياوية كلّما مضت فيها الدّهور تكثّرت البواطل و الشرور،حسب تلاحق أوهام شياطين الإنس و الجنّ و تظاهرها و ازديادها يوما فيوما،فعلى هذا يكون الشياطين الّذي الإنس و الجنّ و تظاهرها و ازديادها يوما فيوما،فعلى هذا يكون الشياطين الّذي
كانوا حين بعثة رسول اللّه في إشاعة الباطل و إماطة الحق أقوى من كلّ شيطان، فيكون نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله أقوى و أغلب و أشرف و أرفع من كلّ نبيّ و لذلك كان في بعثته صلّى اللّه عليه و آله أرعب الأباليس بالقتل و الأسر بحيث لا يظهرون لأحد،و عقد عليهم بذلك الميثاق بخلاف الأزمنة السّابقة حيث كانوا يظهرون للنّاس و يخاطبونهم و يعاملونهم و يحملونهم على الغيّ و الضّلال و يضلّونهم عن طريق الكمال و يهدونهم الى صراط‍ الجحيم و الى عذاب أليم.
و أمّا هدم الأصنام و الآلهة المعبودة دون اللّه،بوجوده و ظهوره صلّى اللّه عليه و آله،فأشهر من أن يذكر،و أعرف من أن يستخبر.و أعظم من ذلك هدم أصنام العقائد الباطلة و أوثان الآراء الفاسدة في حرم القلوب و كنائس النفوس، بأيدي المعارف و الحقائق المنتشرة منه و من أوصيائه صلوات اللّه عليهم على مرور الدّهور الى يوم ينفخ في الصور،و إظهار التوحيد الخاصّ المختصّ به و بورثته صلّى اللّه عليه و آله،و هداية العباد الى اللّه الواحد بالذّات و الأسماء و الأفعال،و الى نفسه الّذي هو الرّسول على الكلّ من السّابقين و اللاّحقين،و الى أخيه إمام الكل من لدن آدم الى يوم الدين.
[كلام في سنته(ص)و سيرته و علوّ درجته] سنّته الرّشد،و سيرته العدل،و حكمه الحقّ،صدع بما أمره ربّه،و بلّغ ما حمّله حتّى أفصح بالتّوحيد دعوته و أظهر في الخلق أن لا إله الاّ اللّه وحده لا شريك له حتّى خلصت له الوحدانيّة،و صفت له الرّبوبيّة و أظهر اللّه بالتّوحيد حجّته و أعلى بالإسلام درجته و اختار اللّه عزّ و جلّ لنبيّه ما عنده من الرّوح و الدّرجة و الوسيلة،صلّى اللّه
عليه عدد ما صلّى على أنبيائه المرسلين و آله الطّاهرين.
أي سنّته هي التي ترشد الى اللّه و توصل الى جواره و تهدي الى المحبوبية الكاملة،كما ورد في القدسيّات :«ما تقرّب العبد إليّ بالنّوافل حتى أحبّه» و تسلك بالعبد سبيل السير باللّه،كما ورد فيها«فإذا أحببته كنت سمعه و بصره و يده و رجله»و كان صلّى اللّه عليه و آله مقيم السّنة و محييها لأنّه أحيى سنّة إبراهيم و موسى بعد الفترة و سنّ سننا أخرى شريفة كاملة مما لا يقع تحت الحصر و الإحصاء. و سيرته العادلة هي«التوسّط‍»بين طرفي«الإفراط‍»و«التفريط‍»في الأخلاق، و«الاقتصاد»في الأعمال لأنّ أمّته هم«الأمّة الوسط‍» و أوصياؤه«النمط‍ الأوسط‍» و هم خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ و انّما اختص ذلك به صلّى اللّه عليه و آله مع كون الأنبياء و الأولياء السّابقين كانت سيرتهم العدل،لأنّه صلّى اللّه عليه و آله على استواء الكمال في ذلك كما قال تعالى: وَ إِنَّكَ لَعَلىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ و في رواية عن عائشة«كان خلقه القرآن» و القرآن عبارة عن جملة الحقائق الإلهيّة، و حكمه أي ما يحكم به من الأحكام الإلهية و يخبر به فهو حق لأنّه مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ*`إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ .
و قوله عليه السلام:«صدع بما أمر ربّه»-الى آخره،فالصّدع إمّا بمعنى الشقّ أي شق جماعاتهم بإظهار التّوحيد و إمّا بمعنى الإجهار و الإظهار أي أجهر
بالدّعوة و أظهر الحق.روي انّ الوليد بن المغيرة و العاص بن وائل و الأسود بن المطلب و الأسود بن عبد يغوث و الحارث بن طلاطلة الخزاعي قالوا:يا محمّد!ننتظر بك الى الظّهر فان رجعت عن قولك و الاّ قتلناك؛فاغلق صلّى اللّه عليه و آله بابه مغتمّا فأتاه جبرئيل من ساعته فقال:يا محمّد!السّلام يقرئك السّلام و هو يقول: فَاصْدَعْ بِمٰا تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ اَلْمُشْرِكِينَ يعني اظهر أمرك لأهل مكّة و ادعهم الى الإيمان.و أخبره صلّى اللّه عليه و آله بأنّ اللّه قتلهم كلّ واحد بغير قتله صاحبه.
و قوله:«و بلّغ ما حمّله»-الى آخره،إشارة الى تبليغه صلّى اللّه عليه و آله الأحكام من اللّه الى العباد أو تبليغ ما انزل إليه في عليّ عليه السلام حيث نزل: يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعني في عليّ.
و قوله:«حتى أفصح بالتوحيد دعوته»متعلّق بالصّدع و التبليغ.و الإفصاح، إمّا لازم بمعنى الوضوح و الاستبانة،فيكون الدّعوة فاعلا و الباء للملابسة و المعنى ظهرت و استبانت دعوته متلبّسة بالتوحيد،أو الظرف متعلّق بالإفصاح أي أفصح عن التوحيد دعوته فكأنّما دعوته ناطقة بالتوحيد فقط‍ لأنّه علّمهم التوحيد من الأزل و شرع لهم سلوك طريق التوحيد بكل عمل؛و إمّا متعدّ بمعنى التبيين و التوضيح فالدّعوة مفعول و الباء للتعدية و الظرف متعلّق بالدعوة أي بيّن دعوته النّاس بالتوحيد و الى الإقرار به و أظهرها أو للملابسة.و التوحيد،هو التوحيد
الخاصّ به صلّى اللّه عليه و آله و هو توحيد الذّات و الأسماء و الأفعال المختص بهذه الأمّة المرحومة.و قوله:«و أظهر في الخلق»عطف على قوله«بلّغ»لا على«أفصح» لأنّه عليه السلام ذكر جملتين ثم فرّع على كلّ واحد منهما حكما ففرّع على الصّدع و التبليغ،الإفصاح بالتوحيد و فرّع على إظهاره في الخلق أن لا إله الاّ اللّه، خلوص الوحدانية و صفاء الرّبوبيّة،و المراد بخلوص الوحدانية أن لا ينسب الى شيء من الأشياء ذات و صفة الاّ باللّه،و بصفاء الرّبوبيّة أن لا ينسب الى شيء فعل و لا حول و لا قوة الاّ باللّه.
و قوله:«و أظهر اللّه»-الى آخره،كالجواب للجمل السابقة أي لمّا كان شأنه صلّى اللّه عليه و آله الإفصاح بالتّوحيد و إظهار أن لا إله الاّ اللّه،فإنّ اللّه عزّ و جلّ أعانه على ذلك حيث أظهر حجّته و برهانه على التوحيد؛ بل جزاه خير الجزاء حيث أعلى بدين الإسلام الّذي هو ملة أبيه ابراهيم عليه السّلام درجته فلا يذكر اللّه في منسك من المناسك الاّ و يذكر هو صلّى اللّه عليه و آله معه و اصطفاه بالرّوح القدسي الّذي عنده و هو عبارة:«عن النفس الكلية الإلهية»على ما عرفت سابقا و اعطاه الدرجة الرفيعة فوق جميع الدرجات و المقام المحمود الذي هو المرتبة الجامعة حيث يكون آدم و من دونه تحت لوائه و أسداه الوسيلة أي أعطى الإمامة في أولاده الأطيبين كما ورد في الخبر في تفسير قوله تعالى: وَ اِبْتَغُوا إِلَيْهِ اَلْوَسِيلَةَ انّ الأئمة هم الوسيلة أو أعطاه أعلى درجات الجنة كما ورد في خبر آخر«أنّ الوسيلة أعلى درجة في
الجنة» أو جعله شفيعا للأوّلين و الآخرين و وسيلة يتوسل به الكلّ الى ربّ العالمين في حوائج الدنيا و الدين و في النشأة الدنيا و يوم الدّين صلّى اللّه عليه عدد ما صلّى على أنبيائه المرسلين و آله الطاهرين بل أضعاف ذلك بما لا يحصى و فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى.

divider