شناسه حدیث :  ۳۱۰۱۶۰

  |  

نشانی :  التوحيد  ,  جلد۱  ,  صفحه۴۴  

عنوان باب :   2 باب التوحيد و نفي التشبيه

معصوم :   امام صادق (علیه السلام) ، پيامبر اکرم (صلی الله علیه و آله)

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ اَلْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ اَلْوَلِيدِ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ اَلْحَسَنِ اَلصَّفَّارُ وَ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ جَمِيعاً عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى وَ اَلْهَيْثَمِ بْنِ أَبِي مَسْرُوقٍ اَلنَّهْدِيِّ وَ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي اَلْخَطَّابِ كُلِّهِمْ عَنِ اَلْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي اَلْمِقْدَامِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ غَالِبٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ فِي بَعْضِ خُطَبِهِ: اَلْحَمْدُ لِلَّهِ اَلَّذِي كَانَ فِي أَوَّلِيَّتِهِ وَحْدَانِيّاً وَ فِي أَزَلِيَّتِهِ مُتَعَظِّماً بِالْإِلَهِيَّةِ مُتَكَبِّراً بِكِبْرِيَائِهِ وَ جَبَرُوتِهِ اِبْتَدَأَ مَا اِبْتَدَعَ وَ أَنْشَأَ مَا خَلَقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ كَانَ سَبَقَ بِشَيْءٍ مِمَّا خَلَقَ رَبُّنَا اَلْقَدِيمُ بِلُطْفِ رُبُوبِيَّتِهِ وَ بِعِلْمِ خُبْرِهِ فَتَقَ وَ بِإِحْكَامِ قُدْرَتِهِ خَلَقَ جَمِيعَ مَا خَلَقَ وَ بِنُورِ اَلْإِصْبَاحِ فَلَقَ فَلاَ مُبَدِّلَ لِخَلْقِهِ وَ لاَ مُغَيِّرَ لِصُنْعِهِ وَ لاٰ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَ لاَ رَادَّ لِأَمْرِهِ وَ لاَ مُسْتَرَاحَ عَنْ دَعْوَتِهِ وَ لاَ زَوَالَ لِمُلْكِهِ وَ لاَ اِنْقِطَاعَ لِمُدَّتِهِ وَ هُوَ اَلْكَيْنُونُ أَوَّلاً وَ اَلدَّيْمُومُ أَبَداً اَلْمُحْتَجِبُ بِنُورِهِ دُونَ خَلْقِهِ فِي اَلْأُفُقِ اَلطَّامِحِ وَ اَلْعِزِّ اَلشَّامِخِ وَ اَلْمُلْكِ اَلْبَاذِخِ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ عَلاَ وَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ دَنَا فَتَجَلَّى لِخَلْقِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ يُرَى وَ هُوَ بِالْمَنْظَرِ اَلْأَعْلَى فَأَحَبَّ اَلاِخْتِصَاصَ بِالتَّوْحِيدِ إِذِ اِحْتَجَبَ بِنُورِهِ وَ سَمَا فِي عُلُوِّهِ وَ اِسْتَتَرَ عَنْ خَلْقِهِ وَ بَعَثَ إِلَيْهِمُ اَلرُّسُلَ لِتَكُونَ لَهُ اَلْحُجَّةُ اَلْبَالِغَةُ عَلَى خَلْقِهِ وَ يَكُونَ رُسُلُهُ إِلَيْهِمْ شُهَدَاءَ عَلَيْهِمْ وَ اِبْتَعَثَ فِيهِمُ اَلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ - لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ لِيَعْقِلَ اَلْعِبَادُ عَنْ رَبِّهِمْ مَا جَهِلُوهُ فَيَعْرِفُوهُ بِرُبُوبِيَّتِهِ بَعْدَ مَا أَنْكَرُوا وَ يُوَحِّدُوهُ بِالْإِلَهِيَّةِ بَعْدَ مَا عَضَدُوا .
زبان شرح:

شرح توحید الصدوق / قاضی سعید قمی ; ج ۱  ص ۲۲۵

أي توحّد بالأوليّة و استأثرها لنفسه،و كان في كمال العظمة بسبب استجماعه للأسماء الحسنى و الصّفات العليا في أزليّته.و لمّا كانت العظمة هي كمال الذّات،علّلها بالألوهيّة التي هي مرتبة الأسماء و الصّفات.و كبرياؤه سبحانه بنفس ذاته،لا بصفة قائمة به،فمعنى«التّكبّر بالكبرياء»،هو التّكبّر بذاته.و«الجبروت» (فعلوت)من«الجبر»و هو القهر و الغلبة و الاقتدار بحيث يتصرّف في الأشياء حسب ما يشاء.
[انه تعالى ابتدع ما خلق على غير مثال سبق] ابتدأ ما ابتدع و أنشأ ما خلق على غير مثال سبق لشيء ممّا خلق
اعلم،انّا قد أسلفنا لك انّ التحقيق هو انّ للأشياء وجودا إبداعيّا في عالم الإله؛ثمّ لها وجودا خلقيّا في عالم الشّهادة و قلنا أنّ قول بعض العرفاء:«انّها شئون يبديها لا شئون يبتديها» ،لا يصحّ على الإطلاق بل،إنّما يصحّ في الموجودات الكونية.إذا دريت ذلك،فاعلم،أنّ قوله صلى اللّه عليه و آله:«ابتدأ ما ابتدع»إشارة إلى الوجود العقليّ في العالم الإلهيّ لأنّ كلّ ما ابتدع في ذلك العالم الشّريف فهو ابتدائيّ.و قوله:«أنشأ ما خلق»إشارة إلى الوجود الكونيّ في العالم الجسماني،إذ الإنشاء إنّما هو الإظهار و الإبداء.
ثمّ،بيّن انّ هذا الإبداع و الخلق،ليس على انّ للأشياء مثالا قبل الوجود الإبداعيّ كما يقوله أهل الجهل:من ثبوت المعدومات،أو الأعيان الثابتة أو الصّور العلميّة،إذ على هذه الأقوال يلزم أن يكون مع اللّه شيء في أزليّته و قد سبق انّه متوحّد بالأزليّة فَتَعٰالَى اَللّٰهُ عَمّٰا يُشْرِكُونَ .
[إشارة الى الوجود العقلي و النفسي و الحسّي] ربّنا القديم بلطف ربوبيّته و بعلم خبره فتق،و بإحكام قدرته خلق جميع ما خلق،و بنور الإصباح فلق
قوله صلى اللّه عليه و آله:«ربّنا»مبتدأ و جملة«فتق»خبره و«بلطف ربوبيته» متعلّق بها و كذا في نظائرها.و يمكن أن يكون الجملة الأولى لبيان الوجود العقلي؛
و الثانية للوجود النفسي؛و الثالثة للوجود الحسيّ.و«الخبر»بالضمّ،إمّا بمعنى العظمة كما في بعض كتب اللّغة انّ«الخبير»بمعنى العظيم فيكون المعنى بعلمه العظيم،على أن يكون المصدر بمعنى الفاعل؛و إمّا بمعنى العلم فيكون المعنى بعلمه العليم ك‍«ليل الليل»و في بعض النّسخ ب‍«الجيم»بمعنى الإحكام فالمعنى:بعلمه المحكم.و«الفتق»بمعنى الشقّ أي بربوبيّته اللّطيفة الخالقة للأشياء اللطيفة و بعلمه المحكم،فتق العدم الصّريح،و شقّ الليس الصّرف،و أخرج الأشياء من القوّة الإمكانية إلى حضرة العلم و فعليّة العقل،و بقدرته المحكمة خلقها في العالم النّفسي؛اذ جميع الجواهر العقليّة لمّا سلك العقل سبيل الشّوق إلى إظهارها، صارت في المرتبة النفسيّة و حملت بها النّفس و صارت كالمخاض.ثمّ،بنور إصباح الوجود في عالم الشّهود فلق باطن النفس،و أخرج الماهيّات من ظلمة رحم الأمّهات،كما فلق الصبح عن ظلمة اللّيل و أنارها بشعاع شمس وجود الكونيّ و أظهرها في نهار الشّهود الحسيّ،ليكتسبوا ما يعيشون به في دار القرار و محل الأبرار و يسّر كلا لما خلق له ليمتاز الأخيار من الأشرار؛فعلى هذا لا يخفى فصاحة«الفتق»و«الخلق»و«الفلق»و كذا بلاغة التعبير بالعلم عن العالم العقلي،و القدرة عن العالم النفسيّ.و نور الإصباح المتبادر منه النّور الحسيّ بقرينة الإصباح إذ«ليس عند ربّك صباح و لا مساء».
فلا مبدّل لخلقه،و لا مغيّر لصنعه،و لا معقّب لحكمه،و لا رادّ لأمره، و لا مستزاح من دعوته،و لا انقطاع لمدّته
«المستزاح»(بالزّاء المعجمة و الحاء المهملة)،اسم مكان من الاستفعال مأخوذ من«الزّوح»مصدر«زاح»عن مكانه:إذا تنحّى.و المعنى،ليس مكانا خاليا منه حتّى يمكن التنحي إلى ذلك المكان للتخلّص عن دعوته.فالعبارات
السّتّ،نشر للأحكام الثلاثة بغير ترتيب اللفّ فلذا فرّعها عليها:فقوله:«لا مبدّل لخلقه و لا مغيّر لصنعه»تفريع على قوله:«و بنور الإصباح فلق»[و]كما قلنا،انّه إشارة إلى الوجود الكوني إذ لا تبديل لخلق اللّه و لا تغيير لصنعه لأنّه خلق حسب ما يعلمه من اقتضاء ذلك الشيء هذا النّحو من الحصول،و إلاّ يلزم انقلاب الماهيّة؛ و قوله:«لا معقّب لحكمه و لا رادّ لأمره»تعقيب لقوله:«و بإحكام قدرته خلق جميع ما خلق»و قد حقّقنا لك انّ ذلك إشارة إلى الوجود النّفسي الّذي هو عالم القدرة و الرّحمة فلا شيء يقابل قدرته و يقهر سلطانه إذ الكلّ خاضع لديه وَ خَشَعَتِ اَلْأَصْوٰاتُ لِلرَّحْمٰنِ ؛ و قوله:«لا مستزاح من دعوته و لا انقطاع لمدّته»متعلّق بقوله «بلطف ربوبيّته و بعلم خبره فتق»؛و قد عرفت انّه إشارة إلى الوجود العقلي في العالم الإلهيّ المعبّر عنه«بلطف الربوبيّة»إذ الألوهية ألطف و أشرف من مرتبة الرّبوبيّة فهي لطف الرّبوبيّة؛فافهم.
و ظاهر أنّ في هذا العالم يدعو اللّه تعالى الأشياء القابلة للظهور إلى الوجود في ذلك العالم فكلّ ما من شأنه أن يظهر في عالم الشّهود،فقد ظهر أوّلا في تلك المرتبة و أجاب هذه الدعوة.و لا انقطاع لمدّة هذا العالم إذ ليس في زمان،بل هو خارج عن الأكوان؛فتبصّر.
و هو الكينون أوّلا و الدّيموم ابدا
هذا دليل على قوله:«لا انقطاع لمدّته»إذ الكائن أوّلا قبل الأوّلية و قبل كلّ أوّل و كذا الدائم أبدا بعد كلّ شيء حتّى بعد الآخرية ،لا انقطاع له أصلا فقوله: «لا انقطاع لمدّته»إمّا بمعنى لا انقطاع لبقائه إذ قد قلنا انّ المراد بها مرتبة الألوهية
و هي باقية ببقاء الذات الأحدية؛و إمّا بمعنى لا مدّة له حتى ينقطع كما قلنا في: «لا حدّ لوصفه».
[وجه احتجابه تعالى بنوره] المحتجب بنوره دون خلقه في الأفق الطّامح و العزّ الشّامخ و الملك الباذخ
قد سبق ان لا حجاب بين اللّه و بين خلقه غير خلقه.و هاهنا ذكر عليه السّلام انّه:«المحتجب بنوره»لا بخلقه،فالتوفيق بينهما:انّ الأوّل بالنظر إلى سير العارف أو باعتبار معنى الجعل و الإيجاد،و هذا بالنظر إلى الواقع و منتهى سير السّالكين و ذلك لأنّك عرفت مرارا:أنّ الأشياء على عدمها الأصلي و اللّيس الحقيقي و أنّ الظاهر بآثاره و آياته و الموجود الحقيقىّ بأسمائه و صفاته،هو اللّه لا غير.و العدم المحض و اللاّشيء الصّرف،كيف يكون ساترا لشيء فضلا عن أن يستر الظّاهر الّذي لا ظاهر فوقه؛و مع ذلك فهو سبحانه باطن مخفي محجوب عن كلّ شيء. فلا محالة يكون احتجابه بنفس ظهور نوره،حيث كان في ظهوره«في الأفق الطّامح»أي الرّفيع أو البعيد الّذي لا يصل إليه إدراك الأبصار،«و العزّ الشّامخ»أي العالي الّذي لا تدركه النّفوس،«و الملك الباذخ»الشريف الأعلى الّذي لا تحيط‍ به العقول.
و بالجملة،فهو من كمال ظهوره صار خفيّا،و من غاية شروق نوره صار مخفيّا كما في الأدعية:«يا خفيّا من فرط‍ الظّهور»و في دعاء عرفة لسيّد الشهداء: «إلهي علمت من تنقّلات الأطوار و اختلاف الأحوال أنّ مرادك منّي أن تتعرّف إليّ في كلّ شيء حتى لا أجهلك في شيء» و قال عليه السّلام أيضا في
هذا الدّعاء:«تعرّفت إلى كلّ شيء فما جهلك شيء»-انتهى.فالظاهر هو اللّه بعين ما بطن و هو الباطن بعين ما ظهر؛فيا من لا هو الاّ هو و كُلُّ شَيْءٍ هٰالِكٌ إِلاّٰ وَجْهَهُ .
[وجه تجلّيه تعالى لخلقه] فوق كلّ شيء علا،و من كلّ شيء دنا،فتجلّى لخلقه من غير ان يكون يرى و هو بالمنظر الأعلى
علوّه تعالى فوق كلّ شيء،هو كونه ظاهرا في كلّ شيء بحيث لا يرى الاّ نوره و على كل شيء بحيث استهلك الكلّ دونه.و دنوّه من كلّ شيء، هو انّه بطن كلّ شيء بعلمه و كان أقرب من الشيء إلى نفسه.و«الفاء» في«فتجلّى»فصيحة أي أنّ علوّه و دنوّه،هو انّه تجلّى في مرايا خلقه و أظهر ذاته من غير أن يرى رؤية عيان،بل إنّما يرى آثار أسمائه و صفاته التي هي أفعاله لأنّ ذاته بالمنظر الأعلى فلا تراه النّواظر السّافلة،بل هو يدرك النواظر و الأبصار الخلقية فلا يرى اللّه غير اللّه بمعنى انّه لا يرى ذاته بذاته الاّ هو، و أمّا نحن،فنرى من خلقه آثاره و صفاته تعالى لا غير؛و أمّا قبل الخلق فانّه و إن علم ذاته فلا يحتاج إلى أن يرى ذاته بمعنى انه لا شيء يدعوه إلى ذلك كما ورد في الخبر .
هذا الّذي قلنا من معنى كونه تعالى بالمنظر الأعلى إنّما مفاده،العليّة لكونه تعالى لا يرى .و يخطر بالبال معنى آخر لكونه تعالى بالمنظر الأعلى،فيكون
حينئذ تلك الجملة قيدا للجملة الأولى،و هو أنّ معنى كونه تعالى بالمنظر الأعلى،هو أنّه لا يرى شيء من الأشياء الاّ و يرى هو تعالى قبل هذا الشيء و لكنّ أكثر الناس لا يعلمون و من هذا ورد:«ما رأيت شيئا الاّ و رأيت اللّه قبله» و هذا معنى لطيف شريف ما رأيت أحدا تفطّن به.فمعنى العبارة:انّه عزّ شأنه تجلّى لخلقه من غير أن يراه الخلق بحيث يعلمون أيّ شيء يرون مع كونه جلّ برهانه منظورا بالنّظر الأوّل و الأعلى بالنسبة إلى الأشياء،لاستهلاك الكلّ لديه تعالى؛ فتبصّر.
[وجه حبّه تعالى الاختصاص بالتوحيد] فاحبّ الاختصاص بالتّوحيد اذ احتجب بنوره و سما في علوّه و استتر عن خلقه
أي انّ هذا الاحتجاب بنور الظّهور و علوّه فوق خلقه و بطونه و استتاره عن خلقه بحيث صار هو الظاهر و الباطن و هو بكلّ شيء محيط‍،إنّما هو لكونه تعالى أحبّ الاختصاص بالتّوحيد،حتى لا يظهر غيره و لا يكون اثر في الوجود لما سواه؛إذ التوحيد الخالص هو أن يكون لا شيئيّة لشيء الاّ به و لا ظهور لأمر الاّ بنوره و لا عين لأحد سواه و لا أثر لما عداه فَتَعٰالَى اَللّٰهُ عَمّٰا يُشْرِكُونَ إذ لو كان شيء و هويّة دون اللّه،لكان يحجبه عن بعض الأشياء و أقلّه أن يكون غير ظاهر في ذلك الغير.
[فوائد الرسالة] و بعث الرّسل لتكون له الحجّة البالغة على خلقه و تكون رسله
إليهم شهداء
ذكر صلّى اللّه عليه و آله للرّسالة فائدتين:
إحداهما،إتمام الحجّة على الخلق و لتصير حجّتهم داحضة.
و الثانية،انّ الرّسل صلوات اللّه عليهم شهداء على أمّتهم.
بيان ذلك:انّك ستعرف -إن شاء اللّه-أنّ الأرواح مخلوقة قبل الأجساد بألفي عام على ما ورد في الخبر و قد كانت النفوس في عالمها النّوري كلّها آمنت باللّه و رسله و خلفائه و ملائكته و اليوم الآخر حسبما اقتضت طبيعة ذلك العالم من العلم باللّه و طاعة المقرّبين لحضرته و قد اخذ اللّه عليهم الميثاق على ذلك وَ أَشْهَدَهُمْ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ حيث جعل في كلّ طبقة من الأمم إماما من جنسهم يشهد عليهم بذلك الميثاق و هذا الإمام هو الذي أجاب أوّلا تلك الدّعوة أي قول اللّه تعالى: أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ فأوّل من صدّق بذلك من الأوائل،هو نبيّنا سيّد المرسلين و إمام العالمين،فلذلك صار هو الشّهيد على الكلّ كما قال عزّ من قائل: وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنٰا بِكَ شَهِيداً عَلىٰ هٰؤُلاٰءِ فكما أنّ هؤلاء شهداء على أممهم و رسولنا صلى اللّه عليه و آله شهيد عليهم بما أقرّوا في ذلك العالم الرّبوبيّ،كذلك يكونون شهداء عليهم يوم القيامة بما فعلوا في هذا
العالم الجسمانيّ؛لأنّ أعمالهم تعرض على رسلهم و الكلّ يعرض على رسولنا في كلّ أسبوع.و سرّ هذا انّ كلّ رسول فانّما يحيط‍ بحقائق كلّ من كان من رعيّته و يجعله تحت سلطانه،حتّى كأنّ المجموع إنسان واحد و ذلك الرّسول بمنزلة القلب منه،و كأنّهم أعضاء ذلك الإنسان و قواه و لا شكّ انّ كلّ ما تفعله الجوارح فانّما يصل إلى القلب خبره و يرجع إليه أثره.
و بالجملة،فلمّا اقتضت العناية الإلهية أن تصير النفوس إلى هذا العالم الجسماني ليمتحنوا و لِيَمِيزَ اَللّٰهُ اَلْخَبِيثَ مِنَ اَلطَّيِّبِ لأنّه كانت في باطن بعض النفوس دواعي لا يعلمها الاّ اللّه و لم يكن ذلك العالم الرّبوبيّ موضع بروز هذه الكوامن في جبلّة هذه الطائفة من النّفوس حسب ما اقتضت طينتهم،فلذلك امروا بالمصير إلى هذا العالم لأنّه دار ابتلاء؛و لأنّ كلّ عالم أسفل فهو ظهور ما في باطن العالم الفوقاني،بناء على ما هو الحقّ من انّ المعلول هو باطن العلة التي ظهر،و لا محالة هذا العالم السّفلى هو مظهر دواعي النفوس من الخيرات و الشّرور،كما انّ عالم الآخرة هو محلّ بروز كوا من ما في هذه النشأة الدّنياوية.
و مما يجب أن تعلم،هو انّ النّفس حقيقتها،هي أنّها إذا توجّهت شطر شيء،فكأنّه صار ذلك الشيء و هكذا خلقتها و جبلّتها فلمّا فارقت العالم النوريّ و صارت إلى هذا العالم الظّلماني،و زيّنت ظواهر الأجسام بأنواع الزينة، و زخرفت ذلك البيت الخراب بأصناف الجواهر العقلية ،و عمّرت هذه النّشأة أحسن عمارة،و[بنت] فيها قصورا مشيّدة،و تنعّمت فيها بالفواكه الطّيبة
و الأراييح البهيّة و الحسان الجميلة إلى غير ذلك من النّعم الشهيّة،اطمأنّت بالحياة الدّنيا و ركنت إليها،و صارت كأنّها زهقت أنفسها و نسيت عالمها،فوجب في الحكمة الإلهيّة إرسال ذلك الإمام الشّهيد عليهم في الميثاق بأن يجيء إليهم و يذكّرهم ايّام اللّه و شدّ الوثاق فيقول لهم:يا عباد اللّه!إنّي رسول اللّه إليكم، اذكركم آيات اللّه لعلّكم تذكّرون،و ابيّن لكم سبل الرّشاد لعلّكم تهتدون، و اوصلكم إلى عالم الأنوار و إلى ما كنتم عليه من نعيم دار القرار، و أدعوكم إلى العزيز الغفّار،و أخلّصكم من ظلمة هذه الدّار.فلذلك الرّسول، يبلّغ عن اللّه ما يناسب نشأة هذه الأمة من الخلاص عن هذه الغربة.فمن تداركته العناية الأزلية،أطاع و أجاب و جاهد في استخلاص نفسه و يفوز بحسن المآب. و من لم يجب داعي اللّه و لم يطع رسول اللّه فقد خسر خسرانا مبينا.و للّه الحجة البالغة حيث بشّرهم و أنذرهم بلسان المرسلين و ذكّرهم بالمواثيق في زبر الاوّلين لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيىٰ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ و الى ذلك أشار صلّى اللّه عليه و آله بقوله:
و ابتعث فيه النّبيّين مبشّرين و منذرين«ليهلك من هلك عن بيّنة و يحيى من حىّ عن بيّنة
لأنّه بعد إرسال الرّسل و إراءة الطّرق،فلا يسع لأحد أن يحتجّ على اللّه و يكون له عذر فيما اجتناه.ثمّ،انّه صلى اللّه عليه و آله ذكر فائدة ثالثة لبعث الأنبياء و هو ما أشار إليه بقوله صلى اللّه عليه و آله:
و ليعقل العباد عن ربّهم ما جهلوه،فيعرفوه بربوبيّته بعد ما انكروا، و يوحّدوه بالألوهيّة بعد ما عضدوا
و ذلك لأنّ النفوس لمّا صارت في عالم الطبيعة و ركنت إليها،بحيث صارت طبيعة و نسيت ما ألفت به من عالم النّور و التجرّد إلى أن أنكرت وجود أمر خارج عن الطبيعة،فلذا أكثر النفوس المرتاضة بالعلم،تراها تجحد وجود الأنوار المفارقة و الأمور العالية عن المادّة حتّى انّه حكم بعضهم بأنّ كلّ موجود فهو محسوس؛فالأنبياء صلوات اللّه عليهم يعرّفون الخلق أوّلا مرتبة الرّبوبية حتى يعرف الخلق خالقهم بربوبيّته و ذلك لأنّ مرتبة الرّبوبيّة هي عالم أفعال اللّه و صنعه و إيجاده الكلّ بالوجود الخلقي في العالم الجسماني بأن يستدلّ الأنبياء عليهم السّلام باختلاف الأحوال و تنقّلات الآثار و وجود هذه الأشياء المعلومة،سيّما أنفسهم بعد العدم و اختلاف الليل و النّهار و مجرى الشّمس و القمر إلى غير ذلك من الأفعال المحكمات على وجود فاعل لهذا الخلق و التدبير،قادر على إيجادها و إعدامها و أصناف التغيير.
ثمّ إذا تنبّهت بعض النفوس بذلك الإيقاظ‍ و اتّعظت بعض الاتّعاظ‍،يعرّفونهم أحدية الألوهيّة-و هو فوق الرّبوبية إذ هي مرتبة الأسماء و الصفات التي هي مبدأ تلك الأفاعيل التي في مرتبة الرّبوبية-حتّى«يوحّدوه بالألوهيّة بعد ما عضدوا»أي بعد انقطاعهم عن ذلك العالم و عن المعرفة به بأن يدلّوهم على الألوهية بأنّ هذا، الربّ الّذي صحّت نسبة مربوبية الخلق إليه،و بتلك النسبة أمكنت للخلق
معرفته،و الاّ فلا نسبة لهم إلى الذات و لا معرفة لهم بها بجهة من الجهات إذ لا جهة هاهنا و لا يقتضي الهويّة الأحديّة نسبة إلى ما سواها و ما لم يكن نسبة و ارتباط‍ لم يتحقّق معرفته تعالى .
و بالجملة،فالنّبيّ عليه السّلام:يعرّف الخلق نعت ذاته الغنيّة عن العالمين بالألوهية و ما يتبعها من الأسماء و الصفات و استجماع قاطبة الكمالات؛و يوقفهم على سرّ التضايف-و ارتباط‍ المألوه بالإله-المنبّه على توقّف كلّ واحد من المتضايفين على الآخر و إن كان أحدهما علّة من حيث ذاته و الآخر معلولا؛ و يريهم أيضا،انّ هذا الإله الخالق له الأسماء الحسنى و الصّفات العليا بأن يدلّهم بظهور كلّ صفة من الصفات-كالعلم و القدرة و اللّطف و الرّحمة و غيرها-على انّ لهذه الكمالات مبدأ يعطيها و إلها يهبها لمن يشاء.

divider