شناسه حدیث :  ۳۱۰۱۵۸

  |  

نشانی :  التوحيد  ,  جلد۱  ,  صفحه۳۴  

عنوان باب :   2 باب التوحيد و نفي التشبيه

معصوم :   امام رضا (علیه السلام)

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ اَلْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ اَلْوَلِيدِ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو اَلْكَاتِبُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ اَلْقُلْزُمِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ اَلْجُدِّيِّ صَاحِبِ اَلصَّلاَةِ بِجُدَّةَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا اَلْحَسَنِ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَتَكَلَّمُ بِهَذَا اَلْكَلاَمِ عِنْدَ اَلْمَأْمُونِ فِي اَلتَّوْحِيدِ قَالَ اِبْنُ أَبِي زِيَادٍ وَ رَوَاهُ لِي أَيْضاً أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ اَلْعَلَوِيُّ مَوْلًى لَهُمْ وَ خَالاً لِبَعْضِهِمْ عَنِ اَلْقَاسِمِ بْنِ أَيُّوبَ اَلْعَلَوِيِّ -: أَنَّ اَلْمَأْمُونَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ اَلرِّضَا عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَلَى هَذَا اَلْأَمْرِ جَمَعَ بَنِي هَاشِمٍ فَقَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْتَعْمِلَ اَلرِّضَا عَلَى هَذَا اَلْأَمْرِ مِنْ بَعْدِي فَحَسَدَهُ بَنُو هَاشِمٍ وَ قَالُوا أَ تُوَلِّي رَجُلاً جَاهِلاً لَيْسَ لَهُ بَصَرٌ بِتَدْبِيرِ اَلْخِلاَفَةِ فَابْعَثْ إِلَيْهِ رَجُلاً يَأْتِنَا فَتَرَى مِنْ جَهْلِهِ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَيْهِ فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ بَنُو هَاشِمٍ يَا أَبَا اَلْحَسَنِ اِصْعَدِ اَلْمِنْبَرَ وَ اِنْصِبْ لَنَا عَلَماً نَعْبُدُ اَللَّهَ عَلَيْهِ فَصَعِدَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ اَلْمِنْبَرَ فَقَعَدَ مَلِيّاً لاَ يَتَكَلَّمُ مُطْرِقاً ثُمَّ اِنْتَفَضَ اِنْتِفَاضَةً وَ اِسْتَوَى قَائِماً وَ حَمِدَ اَللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى نَبِيِّهِ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ ثُمَّ قَالَ أَوَّلُ عِبَادَةِ اَللَّهِ مَعْرِفَتُهُ وَ أَصْلُ مَعْرِفَةِ اَللَّهِ تَوْحِيدُهُ وَ نِظَامُ تَوْحِيدِ اَللَّهِ نَفْيُ اَلصِّفَاتِ عَنْهُ لِشَهَادَةِ اَلْعُقُولِ أَنَّ كُلَّ صِفَةٍ وَ مَوْصُوفٍ مَخْلُوقٌ وَ شَهَادَةِ كُلِّ مَخْلُوقٍ أَنَّ لَهُ خَالِقاً لَيْسَ بِصِفَةٍ وَ لاَ مَوْصُوفٍ وَ شَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ وَ مَوْصُوفٍ بِالاِقْتِرَانِ وَ شَهَادَةِ اَلاِقْتِرَانِ بِالْحَدَثِ وَ شَهَادَةِ اَلْحَدَثِ بِالاِمْتِنَاعِ مِنَ اَلْأَزَلِ اَلْمُمْتَنِعِ مِنَ اَلْحَدَثِ فَلَيْسَ اَللَّهَ عَرَفَ مَنْ عَرَفَ بِالتَّشْبِيهِ ذَاتَهُ وَ لاَ إِيَّاهُ وَحَّدَ مَنِ اِكْتَنَهَهُ وَ لاَ حَقِيقَتَهُ أَصَابَ مَنْ مَثَّلَهُ وَ لاَ بِهِ صَدَّقَ مَنْ نَهَّاهُ وَ لاَ صَمَدَ صَمْدَهُ مَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ وَ لاَ إِيَّاهُ عَنَى مَنْ شَبَّهَهُ وَ لاَ لَهُ تَذَلَّلَ مَنْ بَعَّضَهُ وَ لاَ إِيَّاهُ أَرَادَ مَنْ تَوَهَّمَهُ كُلُّ مَعْرُوفٍ بِنَفْسِهِ مَصْنُوعٌ وَ كُلُّ قَائِمٍ فِي سِوَاهُ مَعْلُولٌ - بِصُنْعِ اَللَّهِ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ وَ بِالْعُقُولِ يُعْتَقَدُ مَعْرِفَتُهُ وَ بِالْفِطْرَةِ تَثْبُتُ حُجَّتُهُ خَلْقُ اَللَّهِ اَلْخَلْقَ حِجَابٌ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُمْ وَ مُبَايَنَتُهُ إِيَّاهُمْ مُفَارَقَتُهُ إِنِّيَّتَهُمْ وَ اِبْتِدَاؤُهُ إِيَّاهُمْ دَلِيلُهُمْ عَلَى أَنْ لاَ اِبْتِدَاءَ لَهُ لِعَجْزِ كُلِّ مُبْتَدَأٍ عَنِ اِبْتِدَاءِ غَيْرِهِ وَ أَدْوُهُ إِيَّاهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ لاَ أَدَاةَ فِيهِ لِشَهَادَةِ اَلْأَدَوَاتِ بِفَاقَةِ اَلْمُتَأَدِّينَ وَ أَسْمَاؤُهُ تَعْبِيرٌ وَ أَفْعَالُهُ تَفْهِيمٌ وَ ذَاتُهُ حَقِيقَةٌ وَ كُنْهُهُ تَفْرِيقٌ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ خَلْقِهِ وَ غُبُورُهُ تَحْدِيدٌ لِمَا سِوَاهُ فَقَدْ جَهِلَ اَللَّهَ مَنِ اِسْتَوْصَفَهُ وَ قَدْ تَعَدَّاهُ مَنِ اِشْتَمَلَهُ وَ قَدْ أَخْطَأَهُ مَنِ اِكْتَنَهَهُ وَ مَنْ قَالَ كَيْفَ فَقَدْ شَبَّهَهُ وَ مَنْ قَالَ لِمَ فَقَدْ عَلَّلَهُ وَ مَنْ قَالَ مَتَى فَقَدْ وَقَّتَهُ - وَ مَنْ قَالَ فِيمَ فَقَدْ ضَمَّنَهُ وَ مَنْ قَالَ إِلاَمَ فَقَدْ نَهَّاهُ وَ مَنْ قَالَ حَتَّامَ فَقَدْ غَيَّاهُ وَ مَنْ غَيَّاهُ فَقَدْ غَايَاهُ وَ مَنْ غَايَاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ وَ مَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ وَصَفَهُ وَ مَنْ وَصَفَهُ فَقَدْ أَلْحَدَ فِيهِ لاَ يَتَغَيَّرُ اَللَّهُ بِانْغِيَارِ اَلْمَخْلُوقِ كَمَا لاَ يَتَحَدَّدُ بِتَحْدِيدِ اَلْمَحْدُودِ أَحَدٌ لاَ بِتَأْوِيلِ عَدَدٍ ظَاهِرٌ لاَ بِتَأْوِيلِ اَلْمُبَاشَرَةِ مُتَجَلٍّ لاَ بِاسْتِهْلاَلِ رُؤْيَةٍ بَاطِنٌ لاَ بِمُزَايَلَةٍ مُبَايِنٌ لاَ بِمَسَافَةٍ قَرِيبٌ لاَ بِمُدَانَاةٍ لَطِيفٌ لاَ بِتَجَسُّمٍ مَوْجُودٌ لاَ بَعْدَ عَدَمٍ فَاعِلٌ لاَ بِاضْطِرَارٍ مُقَدِّرٌ لاَ بِحَوْلِ فِكْرَةٍ مُدَبِّرٌ لاَ بِحَرَكَةٍ مُرِيدٌ لاَ بِهَمَامَةٍ شَاءٍ لاَ بِهِمَّةٍ مُدْرِكٌ لاَ بِمِجَسَّةٍ سَمِيعٌ لاَ بِآلَةٍ بَصِيرٌ لاَ بِأَدَاةٍ لاَ تَصْحَبُهُ اَلْأَوْقَاتُ وَ لاَ تَضَمَّنُهُ اَلْأَمَاكِنُ وَ لاَ تَأْخُذُهُ اَلسِّنَاتُ وَ لاَ تَحُدُّهُ اَلصِّفَاتُ وَ لاَ تُقَيِّدُهُ اَلْأَدَوَاتُ سَبَقَ اَلْأَوْقَاتَ كَوْنُهُ وَ اَلْعَدَمَ وُجُودُهُ وَ اَلاِبْتِدَاءَ أَزَلُهُ بِتَشْعِيرِهِ اَلْمَشَاعِرَ عُرِفَ أَنْ لاَ مَشْعَرَ لَهُ وَ بِتَجْهِيرِهِ اَلْجَوَاهِرَ عُرِفَ أَنْ لاَ جَوْهَرَ لَهُ وَ بِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ اَلْأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لاَ ضِدَّ لَهُ وَ بِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ اَلْأُمُورِ عُرِفَ أَنْ لاَ قَرِينَ لَهُ ضَادَّ اَلنُّورَ بِالظُّلْمَةِ وَ اَلْجَلاَيَةَ بِالْبُهَمِ وَ اَلْجَسْوَ بِالْبَلَلِ وَ اَلصَّرْدَ بِالْحَرُورِ مُؤَلِّفٌ بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا مُفَرِّقٌ بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا دَالَّةً بِتَفْرِيقِهَا عَلَى مُفَرِّقِهَا وَ بِتَأْلِيفِهَا عَلَى مُؤَلِّفِهَا ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ - وَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنٰا زَوْجَيْنِ - لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فَفَرَّقَ بِهَا بَيْنَ قَبْلٍ وَ بَعْدٍ - لِيُعْلَمَ أَنْ لاَ قَبْلَ لَهُ وَ لاَ بَعْدَ شَاهِدَةً بِغَرَائِزِهَا أَنْ لاَ غَرِيزَةَ لِمُغَرِّزِهَا دَالَّةً بِتَفَاوُتِهَا أَنْ لاَ تَفَاوُتَ لِمُفَاوِتِهَا مُخْبِرَةً بِتَوْقِيتِهَا أَنْ لاَ وَقْتَ لِمُوَقِّتِهَا حَجَبَ بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ لِيُعْلَمَ أَنْ لاَ حِجَابَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهَا غَيْرُهَا لَهُ مَعْنَى اَلرُّبُوبِيَّةِ إِذْ لاَ مَرْبُوبَ وَ حَقِيقَةُ اَلْإِلَهِيَّةِ إِذْ لاَ مَأْلُوهَ وَ مَعْنَى اَلْعَالِمِ وَ لاَ مَعْلُومَ وَ مَعْنَى اَلْخَالِقِ وَ لاَ مَخْلُوقَ وَ تَأْوِيلُ اَلسَّمْعِ وَ لاَ مَسْمُوعَ لَيْسَ مُنْذُ خَلَقَ اِسْتَحَقَّ مَعْنَى اَلْخَالِقِ وَ لاَ بِإِحْدَاثِهِ اَلْبَرَايَا اِسْتَفَادَ مَعْنَى اَلْبَارِئِيَّةِ كَيْفَ وَ لاَ تُغَيِّبُهُ مُذْ وَ لاَ تُدْنِيهِ قَدْ وَ لاَ تَحْجُبُهُ لَعَلَّ وَ لاَ تُوَقِّتُهُ مَتَى وَ لاَ تَشْمَلُهُ حِينٌ وَ لاَ تُقَارِنُهُ مَعَ إِنَّمَا تَحُدُّ اَلْأَدَوَاتُ أَنْفُسَهَا وَ تُشِيرُ اَلْآلَةُ إِلَى نَظَائِرِهَا وَ فِي اَلْأَشْيَاءِ يُوجَدُ فِعَالُهَا مَنَعَتْهَا مُنْذُ اَلْقِدْمَةَ وَ حَمَتْهَا قَدِ اَلْأَزَلِيَّةَ وَ جَنَّبَتْهَا لَوْ لاَ اَلتَّكْمِلَةَ اِفْتَرَقَتْ فَدَلَّتْ عَلَى مُفَرِّقِهَا وَ تَبَايَنَتْ فَأَعْرَبَتْ عَنْ مُبَايِنِهَا لَمَّا تَجَلَّى صَانِعُهَا لِلْعُقُولِ - وَ بِهَا اِحْتَجَبَ عَنِ اَلرُّؤْيَةِ وَ إِلَيْهَا تَحَاكَمَ اَلْأَوْهَامُ وَ فِيهَا أُثْبِتَ غَيْرُهُ وَ مِنْهَا أُنِيطَ اَلدَّلِيلُ وَ بِهَا عَرَّفَهَا اَلْإِقْرَارُ وَ بِالْعُقُولِ يُعْتَقَدُ اَلتَّصْدِيقُ بِاللَّهِ وَ بِالْإِقْرَارِ يَكْمُلُ اَلْإِيمَانُ بِهِ وَ لاَ دِيَانَةَ إِلاَّ بَعْدَ اَلْمَعْرِفَةِ وَ لاَ مَعْرِفَةَ إِلاَّ بِالْإِخْلاَصِ وَ لاَ إِخْلاَصَ مَعَ اَلتَّشْبِيهِ وَ لاَ نَفْيَ مَعَ إِثْبَاتِ اَلصِّفَاتِ لِلتَّشْبِيهِ فَكُلُّ مَا فِي اَلْخَلْقِ لاَ يُوجَدُ فِي خَالِقِهِ وَ كُلُّ مَا يُمْكِنُ فِيهِ يَمْتَنِعُ مِنْ صَانِعِهِ لاَ تَجْرِي عَلَيْهِ اَلْحَرَكَةُ وَ اَلسُّكُونُ وَ كَيْفَ يَجْرِي عَلَيْهِ مَا هُوَ أَجْرَاهُ أَوْ يَعُودُ إِلَيْهِ مَا هُوَ اِبْتَدَأَهُ إِذاً لَتَفَاوَتَتْ ذَاتُهُ وَ لَتَجَزَّأَ كُنْهُهُ وَ لاَمْتَنَعَ مِنَ اَلْأَزَلِ مَعْنَاهُ وَ لَمَا كَانَ لِلْبَارِئِ مَعْنًى غَيْرُ اَلْمَبْرُوءِ وَ لَوْ حُدَّ لَهُ وَرَاءٌ إِذاً حُدَّ لَهُ أَمَامٌ وَ لَوِ اُلْتُمِسَ لَهُ اَلتَّمَامُ إِذاً لَزِمَهُ اَلنُّقْصَانُ كَيْفَ يَسْتَحِقُّ اَلْأَزَلَ مَنْ لاَ يَمْتَنِعُ مِنَ اَلْحَدَثِ وَ كَيْفَ يُنْشِئُ اَلْأَشْيَاءَ مَنْ لاَ يَمْتَنِعُ مِنَ اَلإِنْشَاءِ إِذاً لَقَامَتْ فِيهِ آيَةُ اَلْمَصْنُوعِ وَ لَتَحَوَّلَ دَلِيلاً بَعْدَ مَا كَانَ مَدْلُولاً عَلَيْهِ لَيْسَ فِي مُحَالِ اَلْقَوْلِ حُجَّةٌ وَ لاَ فِي اَلْمَسْأَلَةِ عَنْهُ جَوَابٌ وَ لاَ فِي مَعْنَاهُ لَهُ تَعْظِيمٌ وَ لاَ فِي إِبَانَتِهِ عَنِ اَلْخَلْقِ ضَيْمٌ إِلاَّ بِامْتِنَاعِ اَلْأَزَلِيِّ أَنْ يُثَنَّى وَ مَا لاَ بَدْأَ لَهُ أَنْ يُبْدَأَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اَللَّهُ اَلْعَلِيُّ اَلْعَظِيمُ كَذَبَ اَلْعَادِلُونَ بِاللَّهِ وَ ضَلُّوا ضَلاٰلاً بَعِيداً وَ خَسِرُوا خُسْرٰاناً مُبِيناً وَ صَلَّى اَللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ اَلنَّبِيِّ وَ آلِهِ اَلطَّيِّبِينَ اَلطَّاهِرِينَ .
زبان شرح:

شرح توحید الصدوق / قاضی سعید قمی ; ج ۱  ص ۱۸۶

يعني الخلافة و ولاية العهد.
جمع بني هاشم فقال:إنّي اريد ان أستعمل الرّضا على هذا الأمر من بعدي فحسده بنو هاشم و قالوا أ توليّ رجلا ليس له بصيرة بتدبير الخلافة؟!فابعث إليه يأتنا فنري من جهله ما تستدلّ به عليه.
في بعض النسخ«يأتك»و هو مجزوم لكونه بعد الأمر،«فنري» من باب الإفعال على التكلّم و هو منصوب بتقدير«أن»و في بعض النّسخ«فترى»على الخطاب من المجرّد.
فبعث إليه فأتاه فقال له بنو هاشم:يا أبا الحسن اصعد المنبر و انصب لنا علما نعبد اللّه عليه،فصعد عليه السّلام المنبر فقعد مليّا لا يتكلّم مطرقا.
«المليّ»بتشديد الياء من غير همز،صفة استعملت استعمال الأسماء و هو الساعة الطّويلة و عن أبي علي:المليّ:المتّسع يقال:انتظرته مليّا من الدّهر أي متّسعا منه.و بالجملة،التركيب دالّ على السّعة و الطّول.منه:الملأ:المتّسع من الأرض و الجمّ الغفير من القوم.
ثمّ انتفض انتفاضة و استوى قائما
«الانتفاض»بالفاء و الضّاد المعجمة معروف.
[وجه انّ معرفة اللّه أوّل عبادته] و حمد اللّه و أثنى عليه و صلّى على نبيّه و اهل بيته ثمّ قال:أوّل عبادة اللّه معرفته .
و ذلك لأنّ اللّه سبحانه ليس له مقوّم الوجود و لا مقوّم الماهيّة لتقدّسه عن المعلوليّة و التركيب فلا يعرف بهما؛فما يتحصّل به معرفته و يتأصّل به هو أن يوحّده ممّا سواه و يفرّده ممّا عداه،بأن لا يحكم عليه بالتّشريك و التشبيه مع شيء من الأشياء،و أنّه لا شريك له و لا شيء يشبهه ؛إذ الشركة و الشّبه يستلزم الكثرة في حقيقته أو صفاته.و ذلك أي هذا التوحيد إنّما ينتظم بأن ينفي الصّفات عنه تعالى عينا و زيادة،بمعنى انّه ليس ذاته سبحانه مصداقا لتلك المفهومات كما انّ
غيره كذلك،بل صفاته جلّ سلطانه«صفات إقرار»لا«صفات إحاطة»و انتزاع و الى هذا أشار عليه السلام بقوله:
[معنى نفي الصفات عنه تعالى] و نظام توحيد اللّه نفي الصّفات عنه
أي الّذي ينتظم به التوحيد الحقيقيّ و يصير به العارف باللّه موحّدا حقيقيّا،هو نفي الصّفات عنه بمعنى إرجاع جميع صفاته الحسنى إلى سلب نقائضها و نفي مقابلاتها لا انّ هاهنا ذاتا،و صفة قائمة بها أو بذواتها،أو انّها عين الذّات بمعنى حيثيّة كونها ذاتا هي بعينها حيثية كونها مصداقا لتلك الصفات بأن يكون كما انّها بنفسها فرد من الوجود كذلك يكون فردا من العلم و القدرة و غيرها فردا عرضيا.
[وجوه إبطال القول بالصفات العينية و الزائدة] بشهادة العقول أنّ كلّ صفة و موصوف مخلوق
هذا إبطال للقول بالصّفات العينيّة و الزائدة العارضة أي العقل الصريح الغير المشوب بالشّبه و الشّكوك،يحكم بمخلوقيّة الصفة و الموصوف سواء كانت الصفة عينيّة أو زائدة قائمة بذاته تعالى.
بيان ذلك على القول بالزيادة:انّ تلك الصّفة لما كانت عارضة و كلّ عارض إمّا أن يكون واجبا أو ممكنا و من البيّن انّه يمتنع وجوبه لأنّ الصفة حقيقتها الشيء المحتاج و ذلك يناقض الوجوب الذّاتي،فتعيّن أن يكون ممكنا و كل ممكن عارض،لا بدّله من علّة لكونه و لعروضه، فلا محالة تكون تلك العلّة هي الذات فالذّات لا محالة علة لعروض تلك الصفة لنفسها فيكون الصفة و الموصوف كلاهما متعلّق الجعل أمّا الصفة فظاهرة معلوليّتها و أمّا الموصوف فلأنّ كونه موضوعا لهذا العارض معلوليّة له و إن كان من نفسه و هذا معنى ما نقوله من انّه يلزم كون الشيء فاعلا و قابلا.
فإن قيل:لعلّ علة العروض نفس الصفة بمعنى انّها بنفسها تقتضى العروض لتلك الذّات.فنقول:ننقل الكلام إلى علّة نفس الصفة:فإمّا إن تكون هي الذات
فيرجع إلى ما قلنا آنفا؛و أمّا أن تكون غير الذّات فيلزم معلوليّة الصفة و الموصوف للغير،و هو الذي أردناه.
و أمّا على القول بالعينيّة،فبأنّه مع تسليم اتّحاد حيثيّة الذّات و الصفات لا شك من انّ اعتبار كون تلك الحيثية،حيثية الذات متقدّم على اعتبار كونها حيثية الصفات اعتبارا واقعيّا نفس أمرىّ؛لأنّ الذّات متقدّم بالذات على الصفات و منع هذا مكابرة صريحة إذ الوصف،مفهومه،الشيء المحتاج المتأخّر عن الموصوف لامتناع كونه متقدّما أو معا،بديهة.فإذا تحقّقت القبليّة و البعدية الذّاتيتين اتّضحت العليّة و المعلوليّة بين الذات و الصفة و إذ قد فرضت العينيّة فالذّات باعتبار علّة و باعتبار معلول و هذا واضح بحمد اللّه لكن مَنْ يُضْلِلِ اَللّٰهُ فَمٰا لَهُ مِنْ هٰادٍ .
و بوجه آخر انّ القائلين بالعينيّة يقولون انّ الذّات كما انّها فرد عرضيّ للوجود كذلك بنفس حيثية انّها ذات فرد عرضيّ للعلم و القدرة و غير ذلك و عندهم انّ هذه الصفات موجودة بطبائعها في الخلق أيضا،و من البيّن انّ كل ما
في الخلق فهو معلول؛فيلزمهم-بناء على ما هو الحقّ المبرهن عليه عند أهل المعرفة من جعل الطّبائع بالذّات و الحقيقة-أنّ جميع تلك الطّبائع العرضيّة مجعولات الحقيقة فيلزم مجعوليّة الذّات و الصفات بالبديهة؛إذ جعل الطبيعة إنّما يكون بجعل الأفراد و إن كان ذلك للأفراد بالعرض.هذا كلّه مع قطع النّظر عن استحالة العينية و امتناع اتّحاد الذّات و الصفة و الاّ فذلك أفحش ما يقال؛اذ الذّات هو المحتاج إليه المستغني بذاته،و الصفة هي المحتاج المفتقر إلى الموصوف.و من البيّن امتناع اتّحاد هما للزوم كون المحتاج،محتاجا إليه و بالعكس المستلزم لاحتياج الشيء إلى نفسه.
و شهادة كلّ مخلوق أنّ له خالقا ليس بصفة و لا موصوف
هذا كبرى القياس و صورة القياس هكذا:كلّ موصوف و صفة مخلوق و كلّ مخلوق،فله خالق غير صفة و موصوف.
أمّا بيان الصّغرى،فبما ذكرنا و بأنّ الحكم بكون الشيء موصوفا بصفة كذا،إنّما يصدق بأن يتعلّق العلم به و يحصل المعرفة بأنّ ذاته يقتضي تلك الصفة بل يستدعي العلم بذاته إذ الكلام في الصّفات الذّاتيّة أي الّتي تقتضيها الذّات بذاتها من دون حيثية اخرى.و العلم بالشيء إنّما يكون بالإحاطة،إذ ما لم تحط‍ النفس بالشيء،لم يتحقّق العلم سواء كان العلم بطريق الحصول أو الحضور أو الاتّحاد كما لا يخفى و هذا معنى قولهم عليهم السّلام:انّ الوصف جهة الإحاطة كما سيجيء.و الإحاطة بالشيء تستلزم معلوليّته للعاقل إذ النّفس إنّما تعقل عند رجوعها إلى ذاتها فما ليس له سنخ في ذات النفس يمتنع تعقّل النفس
إيّاه.و هذا من علم الرّاسخين و لا رخصة في ذكره أكثر ممّا ذكرناه.
و بالجملة،المحيط‍ بالشيء فوق الشيء،و فوق الشيء فوقيّة عقليّة لا محالة علّة له،بل لا معنى للعليّة الاّ الفوقية العقليّة و الإحاطة الحقيقيّة.
و أمّا الكبرى،فلأنّ كلّ مخلوق لا بدّ له من خالق و ذلك ظاهر،إذ وجود احد طرفي الإضافة يستلزم وجود الطّرف الآخر بالضّرورة؛و أمّا كون ذلك الخالق غير صفة و لا موصوف:فلأنّه لو كان كذلك لكان له أيضا خالق و يتسلسل؛و لأنّ الموصوف عبارة عن الذات الّتي له الصفة.و الذّات بمحض انّه ذات من دون اعتبار صفة،متقدّمة على الذات مع الصفة على ما هو حكم الهليّات ؛و لأنّ الموصوف له اثنينية و إن كانت اعتباريّة،و كلّ اثنينيّة فانّما يتقدّمها الوحدة الذّاتية،إذ الواحد متقدّم بالطّبع على الاثنين؛و لأنّ كلّ مركّب فانّما علّتها بسائطها و ينتهي برهان انتهاء العلل إلى ما لا أبسط‍ منه و هو الذّات الأحديّة الصّرفة الّتي لا شيء فوقها و لا يسع فيها اسم و لا رسم و لا نعت و لا وصف كما في حديث مكالمة عمران الصّابي على ما في آخر الكتاب من انّه سبحانه«لم يزل واحدا لا شيء معه،فردا لا ثاني معه،لا معلوما و لا مجهولا و لا محكما و لا متشابها و لا مذكورا و لا منسيّا و لا شيئا يقع عليه اسم
شيء غيره» -انتهى.فتبارك اللّه ربّ العالمين؛فاحتفظ‍ بذلك البيان و اللّه المنّان.
و شهادة كلّ موصوف و صفة بالاقتران
هذا تعميم في البرهان ليشمل بطلان الصّفات القائمة بذواتها و إن كان الدّليل الأوّل جار فيه بأدنى عناية و معناه ظاهر و ذلك لأنّ كلّ صفة من حيث هي صفة و كذا كلّ موصوف من حيث انّه كذلك يلزمهما اقتران كلّ منهما لصاحبه سواء في ذلك العينيّة و غيرها و هو صغرى القياس.
و شهادة الاقتران بالحدث
هذا كبرى الدّليل:أمّا دلالة الاقتران على حدوث نفسهما فظاهرة لأنّه نسبة بين الشيئين يتفرّع على وجودهما؛و أمّا حدوث الصّفة،فلأنّها فرع الذات الموصوفة بها على ما هو مفاد الهليّات و سواء في ذلك الصّفات العينيّة و غيرها بالاعتبار الّذي بيّنا؛و أمّا على حدوث الموصوف،فلأنّ ما لا ينفكّ عن الحادث حادث و الاّ لزم وجود الملزوم بدون اللاّزم و لأنّ محلّ الحوادث لتغيّره بها لا يكون قديما.
و شهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع عن الحدث
هذا واضح بحمد اللّه و حاصله انّ الحدوث هو المسبوقيّة بالعدم مطلقا و الأزل هو اللاّمسبوقيّة به،فكلّ حادث يمتنع أن يكون أزليّا و كل أزليّ يمتنع أن يكون حادثا بوجه من الوجوه و من ذلك قيل:انّ أفلاطون الإلهي أنكر وجود حوادث
لا إلى نهاية للزوم التّناقض الّذي ذكرنا؛فافهم.
فليس اللّه عرف من عرف بالتّشبيه ذاته
هذا تفريع على النتيجة الّتي هي رجوع الصفات إلى سلب النقائض لإبطال من يدّعي معرفته سبحانه بصفاته.و ذلك لأنّه يستلزم التشبيه إذ الوجود المطلق و العلم و غير ذلك من الصفات إنّما يتحقّق في غيره سبحانه على ما يدّعونه فإذا عرفه عزّ شانه لا بصفة من هذه الصفات يلزم أن يشبّه به و البارئ القيّوم لا يشبه شيئا و لا يشبهه شيء لمنافاته التوحيد الّذي حقّقناه و سيجيء زيادة بسط‍ لذلك في فصل الصّفات.
[معقوليّة الشيء تنافي الوحدة الحقيقية] و لا ايّاه وحّد من اكتنهه
«الاكتناه»،هو البلوغ إلى كنه الشيء.
اعلم،انّ الواحد الحقيقي هو الّذي لا ثاني له و لا يمكن تكثّره بوجه من الوجوه لا في الخارج و لا في التعقّل و التوهّم.فمن ادّعى الوصول إلى كنهه سبحانه فقد تصوّره و جعله متكثّرا و أثبت له ثانيا،إذ كل شيء يصير معقولا فانّما يكون له بهذا الاعتبار صورة في التعقّل لا محالة إمّا حادثة أو ثابتة في ذات العقل
و ذلك ينافي الوحدة المحضة الحقيقية؛فاعرف.
[المعرفة بالمثل لا تؤدّي الى الحقيقة] و لا حقيقته اصاب من مثّله
إذ ليس له سبحانه مثال في العقل و لا في الخيال،و لا مثال له في الخارج حتّى يعرف به.فمن زعم انّه عرفه بالمثل و المثال،فلم يصب حقيقته.على انّ المعرفة بالمثل،لا يؤدّي إلى الحقيقة؛إذ المثل،هو المماثل إمّا في الذّات أو في الأعراض و الصّفات،فلو كان له سبحانه مماثل في الماهيّة فبمعرفة مثله-و إن أمكن معرفة ماهيته لكن-لا يمكن معرفة حقيقته الخارجية و كذا لو كان له عزّ شأنه مماثل في الأعراض؛إذ معرفة الشيء بالعوارض لا يؤدّي إلى معرفة حقيقته و ذاته.
و لا به صدّق من نهّاه
«نهّى»تنهية:بلغ منتهاه و ذلك لأنّ التّصديق اليقينيّ و الإيمان الحقيقيّ باللّه جلّ مجده،هو انّه لا يبلغه العقول و انّه لا نهاية له سبحانه كما ورد:لا منتهى لغايته، فمن زعم انّه وصل إليه فلم يصدق به،و إنّما وصل إلى غيره.و يحتمل أن يكون المعنى ليس التصديق بانّه بلغ إلى منتهاه،تصديقا؛إذ يمتنع حصول هذا التّصديق لأحد غيره عزّ شأنه.
[لا يكون هو سبحانه مقصودا بالإشارة] و لا صمّده من اشار إليه
«صمّده»،بمعنى قصده.و لا يمكن أن يكون هو سبحانه مقصودا بالإشارة الحسّية و العقليّة.أمّا الحسّيّة،فظاهرة لاستلزامها الجسميّة؛و أمّا العقليّة،فلأنّها إنّما يمكن إذا أمكن تعقّله و لا يدركه سبحانه وهم و لا عقل فهو جلّ ثناؤه يمتنع أن يكون مشارا إليه بالإشارة العقليّة و لا مخبرا عنه بالأحكام الثبوتيّة و ذلك لأنّ الإخبار عن الشيء إشارة إليه و هو سبحانه يمتنع أن يقصد بالإشارة.هذا هو التوحيد الحقيقي و«ليذهب الحسن يمينا و شمالا فليس العلم الاّ هاهنا» .
و لا إيّاه عنى من شبّهه
لأنّ اللّه سبحانه لا يشبه شيئا و لا يشبهه شيء؛إذ التشبيه في الحقيقة يستلزم التركيب لوجوب ما به الامتياز و كذا في الأعراض و الصّفات إذ العرضي لا بدّ و أن يستند إلى الذّاتي المشترك كما هو المبرهن عليه؛فمن شبّهه سبحانه بغيره فلم يعن إيّاه؛إذ ما لا شبه له يمتنع تشبيهه.
و لا له تذلّل من بعّضه
أي جعله ذا أبعاض و أجزاء.
اعلم،انّ مبدأ الأول أحديّ الذّات،أحديّ المعنى و الممكن زوج تركيبيّ
و كلّ مزدوج الحقيقة،متذلّل لما هو بسيط‍ الذّات أحديّ الماهيّة و القائل بالأبعاض و الأجزاء في اللّه سبحانه،إنّما جعله مثل نفسه في التأليف و التركيب بأيّ نحو كان في الذات أو في الصّفات،و ذلك ينافي التذلّل و الخضوع لوجود المماثلة بينه و بين اللّه سبحانه.
و أيضا،من قال بالأبعاض فقد جعل أبعاضه أولى بالتذلّل من المركّب منها، لأنّ البسيط‍ هو الأصل«فما تذلّل له من بعّضه».
[انه تعالى لا يدخل في وهم و لا عقل] و لا إيّاه أراد من توهّمه
لأنّه سبحانه لا يدخل في وهم و لا عقل.أمّا الأول،فلأنّ الإدراك الخيالي كما قد ثبت في مظانّه ،إنّما يكون بالانتزاع من الحسّ و قد سبق معنى الانتزاع و ذلك يستلزم المادية؛و الإدراك العقليّ:أمّا للبسائط‍ العامّة فبالانتزاع من الأفراد و ليس هو سبحانه بكلّي ذي أفراد و أمّا الحقائق العقليّة فمعرفتها:إمّا بأجزائها أو بعللها الذّاتية أو بأعراضها اللاّزمة و كل ذلك مستحيل عليه سبحانه على ما علمت غير مرّة
كلّ معروف بنفسه مصنوع
هذا دليل على استحالة توهّمه سبحانه و«التوهّم»في اصطلاح الأخبار،قد يطلق على التعقّل؛و قد يطلق على الإدراك الباطني مطلقا و هو برهان شريف
و أصل عظيم في تنزّه الإله تعالى عمّا يقول الخائضون في معرفته،العادلون به. بيان ذلك:انّ كلّ ما يمكن أن يعرف نفسه فمعرفته إنّما هو بمعرفة أسبابه؛ إذ العلم اليقينيّ الضّروريّ بالشيء،إنّما يحصل من جهة وجوبه،إذ لو عرف بجهة إمكانه،لم يحصل العلم بضرورة وجوده.و الشيء مع علّته بالوجوب، و مع غيرها بالإمكان،فما لا علّة له لا يمكن معرفة نفسه بالضرورة،بل إن كان فمن جهة آثاره و علاماته أو من طريق آخر ستعرف إن شاء اللّه بعيد ذلك.
و أيضا قد عرفت أنّ كلّ ما هو معقول للشيء،فهو من تلك الجهة معلول له.و من هذا،فليتحدّس اللّبيب انّ هذا الوجود العام و كذا العلم و غيرهما لا سبيل لها إلى الحضرة الأحدية لانّها كلّها معلومات الحقيقة،معروفات الهوية، فهي معلولات الذّوات،مخلوقات السّمات،فلا يليق أن يوصف بها فاعل الحقائق و الوجودات.
و كلّ قائم في ما سواه معلول
ضمير«سواه»،يرجع إلى القائم،و ذلك لانّ كلّ قائم بغيره،فانما يقوم بذلك الغير،إمّا لذات ذلك الغير أو لغيره،فيجب أن يكون معلولا فالوجود و العلم
و غيره كلّها قائمة بغيرها،إذ حقيقتها ذلك،فلا يوصف بها صانعها فإنّ اللّه لا يوصف بخلقه و لم يخلق الخلق لنيل شرف أو درجة لا يصل الاّ به.
[طرق العلم باللّه] بصنع اللّه يستدلّ عليه
لمّا ظهر من الكلمات الشريفة السابقة انّه يمتنع تعلّق المعرفة به سبحانه من جهه الذّات و الصّفات،بيّن عليه السّلام بهذا الكلام و ما بعده طرق العلم باللّه و السّلوك إليه بقدم المعرفة فأفاد:انّ الاستدلال بوجوده عزّ شأنه ينحصر في الاستدلال بمصنوعاته عليه سبحانه؛إذ كلّ موجود برأسه لسان ناطق على ثبوت صانعه و خالقه و على وحدته و سائر صفاته الحسنى عزّ و علا و الكلّ بلسان طبائع الإمكان يدلّ عليه؛إذ الإمكان هو الطبيعة الفاقرة الحقيقة.و الفقر الحقيقي يستدعي الغناء الحقيقي و المحتاج لا بدّله من محتاج إليه،و القوة لا محالة تحتاج إلى شيء هو بالفعل المحض يخرجه عن قوته.
و بالعقول يعتقد معرفته
ثمّ أفاد صلوات اللّه عليه أنّ ما يمكن للبشر هو أن يعتقدوا بالعقول،الإقرار بمعرفته،لا العلم به،إذ لا يحيطون به علما و معنى الكلام انّ اللّه لا يعرف من طريق الحسّ و لا الخيال،بل من طريق العقل،و هو أيضا لا بأن تحيط‍ به سبحانه العقول فانّه مستحيل-كما بيّنا-بل بأن يحصل العقد القلبي من جهة الصّنع على
انّ لهذا العالم مبدأ ليس كمثله شيء و لا يشبهه شيء و هذا هو حدّ معرفتهم باللّه. و شاع في اصطلاح الأخبار أن يسمّوا ذلك«بالمعرفة بطريق الإقرار»و نحن نسمّيها «بالمعرفة بطريق المقايسة»أي المعرفة باللّه بالقياس إلى طبيعة الإمكان إذ لا يمكن معرفتها من سبيل العقل الاّ بهذا الحدّ،و من رام غير ذلك فقد ركب شططا .
نعم،طريق آخر للخلّص من المحمديّين خصّهم اللّه بذلك من بين سائر الأمم تفضّلا منه لنبيّه صلى اللّه عليه و آله و لمن أبصر بنور ذلك و هو طور وراء هذه الأطوار-رزقنا اللّه و إيّاكم مشاهدة نور الأنوار-.
[و من طرق معرفته تعالى الفطرة] و بالفطرة تثبت حجّته
لمّا ذكر عليه السّلام انّ التصديق الإقراري بمعرفته سبحانه إنّما هو بالعقول، أراد أن يبيّن انّ ذلك ليس بصنع من العقل بل هو فِطْرَتَ اَللّٰهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنّٰاسَ عَلَيْهٰا لو لم تكن تلك الفطرة،لما عرف أحد خالقه؛إذ ما للتّراب و ربّ الأرباب!
و معنى«الفطرة»،انّ اللّه لمّا خلق الخلق من نوره و أبدعهم على مقتضى علمه،فبذلك النور الّذي اقتبس منه كلّ موجود على حسب مرتبته،يعرف كلّ خالقه،و بذلك العلم الّذي صدر كلّ شيء عن جاعله القيّوم،صدر التصديق
عنهم بربوبيّته؛لكن لمّا كان الغرض و القصد الأوّل من ذلك هو الإنسان،فله مزيد اختصاص بالعقل و العلم،و إلاّ فكلّ الموجودات شاعرون باللّه يسبّحون بحمد ربّهم وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّٰ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ و في الأدعية المأثورة:«و بنورك و عظمتك أبصر العالمون».
و من طريق آخر:اعلم،انّه ما من خلق يوجد الاّ و قد تعلّق بالقصد الثاني منه بوجود الإنسان الّذي هو الخليفة و إنّما قلنا القصد الثاني،إذ القصد الأوّل،هو معرفة الحق تعالى و عبادته التي خلق لها العالم.و تلك الغاية أي المعرفة إنّما تتحصّل من ذلك الخليفة ففطرته على المعرفة و للمعرفة.و بالجملة،فالمعرفة فطرة لا صنع للعبد فيها كما في الأخبار.
[وجه انّ الحجاب بينه و بين الخلق،نفس الإيجاد] خلقة اللّه الخلق حجاب بينه و بينهم
يجب أن يعلم انّ الموجودات إنّما خلقت و صدرت عن علم اللّه سبحانه. و علمه عزّ شأنه،ليس بطريق الحصول و الحضور لبطلانهما-و قد بسطنا الكلام في ذلك في مقامه-بل من طريق آخر،لا يعرفه كلّ أحد و قد أشار إلى لمعة منه معلّم الحكمة شكر اللّه سعيه بقوله:«فذاته سبحانه كأنّه مثال كلّ شيء و المثال لا يتمثل»
انتهى.فالأشياء عنده سبحانه قبل الإيجاد ليست من حيث انّها أشياء،إذ ليس في تلك المرتبة الاّ الذّات الأحديّة الصّرفة البسيطة من جميع الوجوه المقدّسة عن قاطبة أنحاء التركيب الّذي يتصوّر في المألوه،بل من حيث انّها هالكة الذّوات، فانية الهويّات أزلا و أبدا و جاعلها القيّوم قائم مقامها،نائب منابها،سادّ مسدّها. فإذا صدرت عن جاعلها القيّوم،احتجبت عن الذّات و برزت عن كمون الهويّات بمعنى:صارت محجوبة عن ربّ الأرباب و ضرب بينها و بين الذات حجاب و امتازت بعضها عن بعض و اكتنفت بالإبرام و النّقض؛فصحّ انّ «الحجاب»هو نفس الصدور و الإيجاد لا أنّ اللّه سبحانه يمكن أن يكون بينه و بين خلقه حجاب إذ الحجاب أيضا خلقه و أيّ حجاب يمنع نوره و يقهر سلطانه عزّ شأنه!
و لعمري!انّ ما قلنا غاية ما يمكن أن يقال و فوق ذلك أسرار لا مجال فيها للمقال.و على اللّه التّوكّل في جميع الأحوال.
[وجه مباينته تعالى عن الخلق] و مباينته ايّاهم مفارقته إنّيتّهم
«الإنّية» ،بتقديم النّون المشدّدة على المثنّاة التحتانيّة و في بعض النّسخ [الأينيّة]بتوسّط‍ النون بين المثنّاتين التحتانيّتين.
و المعنى على الأوّل،انّ مباينة اللّه سبحانه من الخلق،إنّما هو بكونه مفارقا
مقدّسا عن صدق الوجود الصّادق عليهم،عليه،و منزّها عن تطرّق شركة وجوداتهم بوجه من الوجوه،إليه،كما قال المعلّم الثاني:«وجوده سبحانه خارج عن وجودات سائر الأشياء»و لو لم يكن كذلك،لم يصدق انّه«مع كلّ شيء لا بمقارنة و غير كلّ شيء لا بمزايلة»كما ورد في نهج البلاغة .
و على الثاني،معناه:انّ مباينته سبحانه إيّاهم إنّما هو بتقدّسه عن كونه ذا أين، كما هم كذلك و لذلك لا يخلو عنه مكان.
فإن قيل:يلزم من هذا مباينته عن الماديّات دون المجرّدات؛قلنا:«المكان»العام يشمل المجردات العقليّة أيضا.و هذا غريب أظنّك لم تسمع مثله من أحد و ذلك لأنّ المكان هو الشيء المحيط‍ سواء كان سطحا أو غيره و كلّ واحد من الأمور العالية المترتّبة في مقام معلوم إنّما يحيط‍ بما تحته.و في خطبة أمير المؤمنين عليه السلام -الّتي ستجيء- :«انّ كل شيء منها بشيء محيط‍ و المحيط‍ بما أحاط‍ منها هو اللّه» و نقل عن الشيخ اليوناني«انّ الفلك موضوع في وسط‍ النفس»لكن لمّا كان اللّه سبحانه عليّته للأشياء بطريق الإمساك و القيّوميّة فهو و إن كان محيطا بكلّ محيط‍،لم يلزم من ذلك أن يكون هو أيضا جلّ شأنه مكانا لها،إذ هو سبحانه خارج عن أجناسها منزّه عن أوصافها.
و من طريق آخر انّ اللّه خلق أوّلا الجوهر المسمّى«بنفس الرّحمن»و«بالعماء» أيضا،و ذلك هو الجوهر المرسل الّذي قبل جميع الصّور المجرّدة و الماديّة«بالفيض
الأقدس»و أوّل من قبل ذلك الجوهر من الصّور،هو الحقيقة المحمديّة المسمّاة بالعقل الأوّل لأنّ تلك الحقيقة لشدّة نوريّتها يَكٰادُ زَيْتُهٰا يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نٰارٌ ؛ بخلاف سائر الصّور النوريّة فانّها تحتاج إلى ذلك الزّيت في استنارتها و استضاءتها.
و بالجملة،هذا الجوهر هو مكان الأمكنة و هو البعد الّذي قال به أفلاطون الإلهيّ و لم يفهم من تلاميذه الاّ المعلّم الأوّل للحكمة،حيث أودعه في سرّه؛فضنّه أنت أيضا عن غير أهله.و اللّه الهادي و له الحمد.
[وجه انّه لا ابتداء له تعالى] و ابتداؤه إيّاهم،دليل على ان لا ابتداء له لعجز كلّ مبتدأ عن ابتداء غيره
هاهنا ثلاث مقامات :
الأول،انّه كيف يكون ذلك دليلا؟
و الثاني،لم صار يعجز الشيء الّذي له ابتداء،عن ابتداء غيره؟
الثالث،كيف يجتمع هذا مع القول بالأسباب و الوسائط‍ و العلل المتوسطة من المبادي العالية و السافلة؟
أمّا المقام الاول،فالبرهان عليه،هو المقام الثاني.بيان ذلك:انّه قد تحقّق ببراهين إثبات المبدأ الأوّل جلّ شأنه و تناهي العلل إلى علّة فاعليّة لا علّة لها،انّه مبدأ المبادي و علة العلل فنقول:
«الابتداء»،هو إيجاد الشيء الّذي ليس له أثر في الوجود بوجه من الوجوه.و انّ المبدأ الأوّل هو الذي ابتدأت منه الموجودات و انتهت إليه سلسلة المبتدئات و ذلك عن علم منه بها و إرادة دعت إليها.و حينئذ لا يمكن أن يكون شيء مبتدأ من الموجودات سببا لابتداء غيره،إذ كلّ ما فرض انّه ابتدأ من هذا المبتدأ فله صورة في علم الإله تعالى لا أنّ العلم بمعنى حصول الصّورة،إذ ما عند اللّه هي الحقائق المتأصّلة الباقية و كل ما في الكون فهي أشباح و أمثلة لتلك الصّور العالية مٰا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ مٰا عِنْدَ اَللّٰهِ بٰاقٍ فإذا كان كذلك فما فرض انّه مبتدأ من ذلك المبتدأ فليس بمبتدإ.و لا ريب انّ الموجودات لها ابتداء فكلّها ابتدأت من البارى تعالى.نعم،إنّما المبادي العالية و العلل المتوسطة شأنها الإبداء و الإظهار و أين الابتداء من الإبداء مع أنّ الإبداء أيضا منه سبحانه على الحقيقة إذ الكلّ هالك دون وجهه الكريم و لا يملكون لأنفسهم نفعا و لا ضرّا و لا حياة و لا نشورا فكيف لغيرهم و هو المبدئ و المعيد و في هذا المقام قيل:«شئون يبديها لا شئون يبتديها» و من ذلك ظهر تحقيق المقام الثالث .
[وجه انّه لا أداة فيه تعالى]
و أدوته إيّاهم دليل على ان لا أداة فيه لشهادة الأدوات بفاقة المتآدّين
«الأدوة»،بفتح الهمزة و سكون الدّال و فتح الواو،اسم للإيداء على مصدر الإفعال و هو جعل الشيء ذا أداة.و المتآدّين(على المدّ)من باب التفاعل من الأداة. في(القاموس):تأدّى:أخذ للدّهر أداته
و المعنى انّ اللّه جعل الخلق بحيث لا يمكن أن يفعلوا ما يصدر عنهم الاّ عن أداة و آلة لذلك الفعل و احتاجوا في تمشية أفعالهم إلى الأدوات و ذلك دليل على أن لا أداة فيه سبحانه إذ ذلك يستلزم الاحتياج و هو سبحانه منزّه عن الإمكان الّذي هو مبدأ الاحتياج.
و أيضا،لو كان كلّ فعل بآلة و أداة،لكان إيجاد الأدوات،يحتاج بأدوات اخرى و يتسلسل و هو مستحيل.
و أسماؤه تعبير
أي أسماؤه الّتي تداولت في الألسنة و كذا معانيها التي تناولتها الأفهام الدقيقة، إنّما هي عبارات عن حقائق متأصّلة و كلمات تامّة يفعلون بأمره ما يؤمرون يُسَبِّحُونَ اَللَّيْلَ وَ اَلنَّهٰارَ لاٰ يَفْتُرُونَ كما في المأثورات«باسمك الّذي خلقت به»كذا و كذا.و قد سبق فيما مضى و من ذلك قيل:انّ التي هاهنا هي أسماء الأسماء.
[وجه انّ أفعاله تعالى«تفهيم»] و افعاله تفهيم
إذ الموجودات الّتي هي آثار اللّه و علامات ربوبيّته،يوصل كلّ منها إلى العلم بوجود صانعها و صفاته الحسنى و الدّار الأخرى؛و لأنّ السعادة التّامة هي معرفة الوجود على ما هو عليه و هي إنّما تحصل بأن يعرف نظام الوجود المبتدئ من اللّه سبحانه على ترتيب الأسباب و المسبّبات و اتّصال كلّ واحد بصاحبه و اشتمال كلّ سابق على لاحقه؛و لأنّ العالم عبارة عن أفعال اللّه تعالى و هي إنّما تدلّ على أسمائه الحسنى و صفاته العليا لأنّها آثار تلك الأسماء و الصّفات-كما عرفت مرارا-و كذا الأسماء يدلّ على مسمّى واحد أحديّ الذّات و المعنى.
و أيضا،لأنّ هذا العالم الحسيّ إنّما هو مثال و صنم للعالم الأعلى العقلي و الاستدلال على ما هناك لا يكون الاّ بما هاهنا و لهذا ورد عن الرّضا عليه السّلام في مكالمة عمران الصّابي في قوله وَ مَنْ كٰانَ فِي هٰذِهِ أَعْمىٰ فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمىٰ وَ أَضَلُّ سَبِيلاً قال عليه السّلام:«يعني أعمى عن الحقائق الموجودة» .
قيل:المحسوسات أساس كل عطيّة صورة و معنى أمّا الصّورة فظاهرة و أمّا المعنى فلأنّه لو لا أحسّت النّفس أوّلا بالمحسوسات لما اهتدت إلى أسماء الصفات و لا أحاطت بالعطايا المعنويّة من المعارف الحقيقيّة و من ذلك قال معلّم الحكمة:«من فقد حسّا فقد علما» و رأس ذلك كلّه معرفة النفس قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آيٰاتِنٰا فِي اَلْآفٰاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ اَلْحَقُّ و عن المسيح عليه السلام:«من لم
يعرف نفسه ما دامت في جسده،فلا سبيل له إلى معرفتها بعد مفارقته».
و ذاته حقيقة
أي ذاته هي الحقيقة الثابتة التي تتحقق بها سائر الحقائق و يؤتى كلّ ذي حقّ حقّه و ما سواه باطل هالك أزلا و أبدا و عن النبيّ صلى اللّه عليه و آله:«أصدق قيل قالته العرب،قول لبيد:ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل» .
[كنه معرفته تعالى مباين لما سواه] و كنهه تفريق بينه و بين خلقه
لمّا امتنع إدراكه سبحانه بطريق من طرق الإدراك-إذ الحسّ لا يناله و العقل لا يحيط‍ به فمعرفة كنهه،ممّا لا سبيل لأحد إليه؛بل ما يمكن لهم هو كنه معرفته لا كنهه عزّ شأنه فكنه معرفته أن يعرف أنّ وجوده خارج عن سائر الوجودات أو ذاته مباين لجميع الذّوات و انّه ليس في خلقه كما هم ليسوا فيه،مع انّه لا يعزب عنه شيء و هو بكلّ شيء محيط‍ .
[وجه بقائه تعالى] و غبوره تحديد لما سواه
«التحديد»(بالمهملة):جعل الشّيء ذا حدّ و في بعض النّسخ بالجيم مع الضمير.
أمّا المعنى،على النسخة الأولى،:فانّ الغبور،بالغين المعجمة ثمّ الموحّدة، و إن كان من الأضداد لأنّه بمعنى الذهاب و المكث ،الاّ انّ المراد هو الثاني حيث
قال الأزهري :المعروف الكثير انّ«الغابر»بمعنى الباقي فيصير المعنى انّ بقائه سبحانه هو الذي يحدّد وجود ما سواه و يجعل كلّ واحد في درجته و يعيّن له مرتبة وجوده إذ ببقائه يستبقي كلّ شيء على حسب استعداده،بدوامه دامت السّماوات و الأرضون.و في الخبر:«لا يتقدّم متقدّم إلاّ باللّه و لا يتأخّر متأخر الاّ به».و المثال الحسّي لذلك-و إن كان هو مقدّسا عن الأمثال و الأشباه-الخيط‍ الممتدّ المحاذي لألف خردلة متتالية،فانّه يعيّن درجات وجود كلّ واحد من الخرادل و اللّه سبحانه محيط‍ بالأشياء و ليس فيه عزّ شأنه امتداد و انبساط‍،تعالى عن ذلك علوّا كبيرا.
و أمّا على النسخة الثانية،فالمعنى انّ بقائه عبارة عن تجديده الخلق في كلّ آن لأنّه كل يوم في شأن و لا يتكرّر الشأن في آنين .بيان ذلك:انّ العالم منذ ابتدأ من المبدأ الأوّل فهو في الحركة الذاتيّة و السّيلان السّرمديّ إلى أن يصل إلى جوار اللّه و يعود إلى ما بدأ منه «أَلاٰ إِلَى اَللّٰهِ تَصِيرُ اَلْأُمُورُ» .
و التبيان العلميّ لذلك،أنّ للعالم جهتين:
جهة إلى نفسه و هو موطن الهلاك و الزّوال و مبدأ البطلان و الاضمحلال؛ و جهة إلى جاعله القيّوم الّذي منه استنار كلّ موجود و به ظهر الوجود،فله في كلّ آن عدم من نفسه و وجود من فاعله و لو لا ذلك لاستغنى هو عن جاعله.
و لعمري انّ إجراء هذا السّيلان في الجسمانيّات ظاهر لكن يشكل الأمر في الأمور العالية الاّ أن يقال بالحركة المعنوية.و فهم ذلك عسير جدّا و لهذا ترى
أكثر أرباب النظر ينكرون هذا.
فقد جهل اللّه من استوصفه
لمّا بيّن عليه السّلام في الجمل السّابقة أنّ وصفه سبحانه ينافي كمال توحيده، ذكر انّ طالب وصفه جاهل به،إذ ليس له وصف حتّى يمكن طلبه؛بل وصفه هو انّه لا يمكن وصفه،و انّه ليس له وصف؛إذ جميع أوصافه راجعة إلى سلب نقائضها كما دريت .و يحتمل أن يكون معنى«استوصفه»جعله ذا وصف بإثبات الأوصاف له كما قيل في حديث العقل:انّ«استنطقه» بمعنى جعله ذا نطق.
و قد تعدّاه من اشتمله
أي تجاوز عنه و لم يرده من جعله مشمولا لشيء إذ المحرّك الأوّل على المحيط‍ دون المحاط‍ و هو بكلّ شيء محيط‍.أو المعنى:تعدّى عنه و توهّم غيره من ظنّ انّه أحاط‍ به معرفة؛إذ لا يحيطون به علما و في الخبر :«كلّما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه فهو مخلوق مثلكم».
و قد أخطأه من اكتنهه
«أخطأه»ضدّ«أصابه»أي من زعم انّه بلغ كنهه فلم يصل إليه أصلا؛إذ البلوغ إلى كنهه مستحيل لخلقه.
[وجه انّه لا يقال فيه تعالى:«كيف؟»،«لم؟»،«متى؟»،«فيم؟»،و أمثالها] و من قال:«كيف؟»فقد شبّهه
إذ الكيفيّة من خواصّها و لوازمها الشبيه و اللاّشبيه كما قال المعلّم الأوّل في منطقه و هذا القول منه عليه السّلام تأييد لتلك المقدّمة المنطقيّة.
و من قال:«لم؟»فقد علّله
إذ الكيفيّة من خواصّها و لوازمها الشبيه و اللاّشبيه كما قال المعلّم الأوّل في منطقه و هذا القول منه عليه السّلام تأييد لتلك المقدّمة المنطقيّة.
و من قال:«لم؟»فقد علّله
أي جعله ذا وقت،لأنّ«متى؟»سؤال عن الزّمان و كان اللّه و لم يكن معه شيء و ذلك ثابت له أزلا و أبدا،فقول من قال«الآن كما كان»قول شعريّ لأنه فهم من«كان»المضي،و ذلك يخالف استعمال أهل اللّسان فضلا عن أهل العلم فانهم استعملوا هذه الأفعال الوجودية لمحض الرّبط‍ فقط‍.و قد وقع مثل ذلك في القرآن المجيد كثيرا كما قال عزّ شأنه وَ كٰانَ اَللّٰهُ غَفُوراً رَحِيماً ، وَ كٰانَ اَللّٰهُ عَزِيزاً حَكِيماً إلى غير ذلك.
و من قال:«فيم؟»فقد ضمنه
أي جعله في ضمن شيء بحيث يتضمّنه ذلك الشيء و«فيم؟»سؤال عن المكان و أصله«فيما»و كلمة«ما»للاستفهام:يعني من سأل عن مكانه فقد أثبت له مكانا يتضمّنه إذ المكان سواء كان سطحا أو بعدا فانّه يجعل المتمكّن في ضمنه و يحيط‍ بجميع أقطاره.
و من قال:«الى م؟»فقد نهّاه
أي جعله ذا نهاية لأنّ«إلى»لانتهاء الغاية و ليس له،سبحانه ابتداء حتى يكون له انتهاء،فما لا بدء له لا نهاية له و قد ثبت انّه لا ابتداء له فكذا لا انتهاء له و الاّ لزم
وجود أحد المتضايفين بدون الآخر.
و من قال:«حتّى م؟»فقد غيّاه
أي نسبه إلى غاية كما انّ«فسّقته»بمعنى نسبته إلى الفسق.و لعلّ الفرق بين «إلى م؟»و«حتّى م؟»انّ النهاية في الأولى هي الشيء الخارج عن ذي النهاية فمعنى العبارة الأولى:انّه من قال:«إلى أيّ شيء ينتهي حتى يكون بعده ذلك الشيء»،فقد جعله ذا نهاية.و الغاية في الثانية هي الأمر الدّاخل كما هو معنى «حتّى»فمعنى العبارة الثانية:من قال:«انّ وجوده إلى أيّ حدّ يتمّ و ينتهي حتى يكون تمام وجوده في ذلك الحدّ»،فقد نسبه إلى ذلك الحدّ و الغاية.و بذلك ظهر الفرق بين الغاية و النهاية و يحتمل أن يكون الأولى لنفي الانتهاء في جهة الأبد، و الثانية ،لإبطال الانتهاء في طرف الأزل كما يشير إلى ذلك قولهم:«سرت من البصرة إلى الكوفة»و قولهم:«أكلت السّمكة حتّى رأسها»و بالجملة،قد عرفت انّه تعالى لا ثاني له و انّ الأشياء ليست معه بالوجود،بل بالهلاك و البطلان،بل هو مع الأشياء،و فرق ما بينهما فليس له عزّ شأنه نهاية.و لا ينتهي وجوده إلى وجود شيء بعده أو الى مرتبة و حدّ يقف عنده،بل هو سبحانه محيط‍ بجميع الأشياء العالية و السافلة،منزّه عن الحدّ و المرتبة.
و من غيّاه فقد غاياه
المفاعلة على أصلها:أي من نسبه إلى غاية فقد جعل نفسه في حدّ-إذ هو من الموجودات-و الباري سبحانه في حدّ آخر ،فقد جعل اللّه تعالى ذا حدّين إذ
وجود أحد الحدّين يستلزم وجود حدّ الآخر ،كما قلنا انّ البداية تستلزم تحقّق النهاية و بالعكس و ذلك في الأجسام ظاهر و أمّا في الحقائق العقلية فكلّ ما ابتدأ من علّة فقد انتهي إليها أيضا إذ العلّة محيطة بأوّل الشيء و آخره و لأنّ معاد كلّ معلول إلى علّته أَلاٰ إِلَى اَللّٰهِ تَصِيرُ اَلْأُمُورُ فظهر انّ وجود أحد الحدّين،يستلزم وجود الآخر؛فافهم.
و من غاياه فقد جزّأه
أي جعله ذا أجزاء اذ الحدّ و الغاية ما يصحّ معه فرض شيء دون شيء و هو يستلزم وسطا و طرفا لا محالة.
و من جزّأه فقد وصفه
أي«وصفه»بصفة المخلوق لأنّ الممكن زوج تركيبي و أجزاء مجزّى،أو «وصفه»بأوصاف مختلفة إذ كلّ جزء له وصف يخصّه.
و من وصفه فقد الحد فيه
«ألحد»في دين اللّه:حاد عنه و عدل إذ من وصف اللّه تعالى باختلاف صفة كما هو صفة المخلوقين فقد عدل عن اللّه و هو سبحانه منزّه عن ذلك.و يعمّ هذا الحكم الوصف بالعينيّة و الزيادة و غيرهما إذ كلّ ذلك يستلزم في النّظر الأدقّ اختلاف الصفة و قد نبّهناك عليه فيما سبق.
[وجه انّه تعالى لا يتغير و لا يتحدّد] لا يتغيّر اللّه بانغيار المخلوق
«انغيار المخلوق»،عبارة عن تغيّره الّذي له حين الخلق إذ الخروج إلى الوجود
حركة.و ذلك المعنى مستفاد من الإضافة إلى صفة المخلوق،كما في نظيرته الّتي سيجيء و هي قوله:«بتحديد المحدود»و معناه:لا يحصل التغيّر فيه عزّ شأنه بخلقه المخلوق الّذي هو عبارة عن تغيّر ذلك المخلوق.و ذلك لأنّ كل فاعل غيره سبحانه فانّما يتغير بإيجاده معلوله؛لأنّه لو لا استفاضته عمّا فوقه يستحيل إفاضته على ما تحته و اللّه سبحانه لمّا كان مبدأ المبادى و فوق الكلّ،فهو لا يستفيض و إنّما فاعليّته بذاته فقط‍ فلا تغيّر.
و أيضا،كلّ فاعل غير الأوّل سبحانه،ففاعليّته على سبيل«الرّشح»منه إلى غيره.و الباري تعالى إنّما فاعليّته على سبيل الإمساك و القيّوميّة و الإحاطة الحقيقيّة.و ظاهر انّ«الرّشح»يستلزم التغيّر لا محالة.و ليس يخرج عن سلطانه شيء و لا يعزب عنه مثقال ذرّة فكيف يتحقّق هناك الرّشح؟!فلا يتغيّر.فظهر من ذلك انّ ما في بعض أقاويل العلماء من القول بالرّشح عنه سبحانه،قول شعريّ خارج عن الحق و التحقيق،و انّ القول بأنّه سبحانه فاعل بإيجابه على نفسه أو بإيجاب الغير عليه،يوجب التغيّر؛فتدبّر.
كما لا ينحدّ بتحديد المحدود
هذه«الكاف»هي التي في قوله«كأفضل ما صلّيت»و ليس للتّشبيه،بل لبيان ثبوت مثل هذا الحكم و وقوع نظير هذه الدّعوى و هذا هو التحقيق في معنى «الكاف»الواقعة في أمثال هذه المقامات.و«تحديد المحدود»،هو تعيين درجة
وجوده و تشخيص أوّله و آخره و تقدير أجله و لكلّ أجل كتاب.و المعنى:انّه جلّ مجده لمّا كان هو المعيّن لدرجات كلّ موجود؛إذ به يبتدئ الوجود و إليه يصير بالكمال كلّ موجود و ليس له ابتداء و لا انتهاء فلا حدّ له بذاته و لا ينحدّ بذلك التحديد.
أيضا،لأنّه خارج عن أجناس الماهيات و حقائق الموجودات،فلا يتّصل بوجوده شيء و ليس بعده شيء كما لم يكن قبله شيء.و ليس تحديده الشيء بأن يجعله في ثاني مرتبته،كما الأمر في جميع العلل الّتي سواه،ذلك،حتى ينحد بتحديد ذلك الشيء،بل هو محيط‍ بكلّ شيء و لا يخرج عن ملكه شيء فكيف يكون له ثان.
[أحديّته تعالى ليست عدديّة] أحد لا بتأويل عدد
أي أحديّته ليست عدديّة بأن يؤول و يرجع إلى العدد و يصير مع فرض واحد آخر معه اثنين؛إذ الاثنان من حيث هما اثنان،لا بدّ و أن يشتركا في ذاتيّ أو عرضيّ و أقلّ ذلك صدق العدد العارض،لهما.و العرضيّ يجب أن يستند إلى الذّات فيلزم كون البسيط‍ فاعلا و قابلا أو إلى الذاتيّ المشترك فيلزم التركيب. و سرّ ذلك ما قلنا مرارا من انّ الكلّ بالنسبة إليه عزّ شأنه مستهلك باطل،فليس معه شيء حتى يكون ثانيا له ،فليست وحدته عدديّة يتألف منها الأعداد و سيجيء زيادة بسط‍ لذلك إن شاء اللّه.
[وجه ظهوره تعالى و تجلّيه] ظاهر لا بتأويل المباشرة
ظهور الأشياء:إمّا بالمباشرة الحسّيّة كما في الجسمانيّات،أو بالمباشرة المعنويّة كما في اتّصال العلل الممكنة إلى معلولاتها فانّها متّصلة من حيث اشتراكها في الأجناس البعيدة أو الأعراض المشتركة،و من حيث أنّ أفق كلّ عالم فانّما يتّصل و ينتهي إلى عالم فوقه إلى أن ينتهي إلى الأفق المبين الّذي في العالم الأعلى العقليّ؛و أمّا الباري سبحانه فلمّا كان مباينا من جميع الجهات لكلّ ما سواه،و ليس بخارج و لا داخل في العالم فهو ظاهر لا بمباشرة حسيّة أو اتّصال معنويّ.و إنّما ظهوره بأن لا ظاهر غيره و كلّ شيء فهو ظاهر به سبحانه.قال بعض أهل المعرفة : اعلم أنّ اللّه ظاهر ما غاب قط‍ و العالم غيب ما ظهر قط‍!و الناس على عكس ذلك حيث يزعمون انّ اللّه غيب و العالم ظاهر.
متجلّي لا باستهلال رؤية
في النهاية:أهلّ و استهلّ:إذا أبصر.و لعلّ هاهنا وقع التجريد في الكلمة عن بعض أجزاء المعنى.و اللّه سبحانه متجلّ على خلقه بإشراق نوره كلّ ما في ظلمات الإمكان،و إضاءة كلّ ما في السّماوات و الأرض من الملائكة و الإنس و الجانّ،لا بأن يرى رؤية عيان،أو ينتهي البصر إليه في مكان،و في الخبر:«انّ اللّه تجلّى لعباده من غير أن رأوه» .
[وجه انّه تعالى«باطن»،«مباين»و«قريب»] باطن لا بمزايلة
«المزايلة»:المفارقة.و المعنى:انّه جلّ جلاله باطن لا بمفارقة عن الظواهر و لا بجهة أخرى غير انّه ظاهر،بل هو باطن بعين ما هو ظاهر و الاّ لاختلفت فيه الجهات و تكثّرت فيه الحيثيات.
مباين لا بمسافة
مباينته سبحانه عن الخلق،لا بمسافة و حدود حسّيّة،و لا بمراتب و درجات عقليّة،إذ كلّ ذلك يستلزم التحديد-يعني كونه سبحانه في حدّ،و الأشياء في حدودها-بل مباينته بنفس ذاته القيّوميّة و بصفاته الحسنى الإلهيّة بمعنى انّه لا شيء يشبهه في شيء و لا يشبه هو شيئا في شيء.
قريب لا بمداناة
قد عرفت انّ قرب الأشياء بعضها من بعض إمّا بالاتّصال الحسّي أو العقليّ و اللّه سبحانه،لمّا كان مباينا عن كلّ ما سواه،فتلك المباينة صارت علة لقربه من كلّ شيء لا بمداناة و اتصال حسّي أو عقليّ،فانّ بذلك يختلف القرب و اللّه سبحانه لا يقرب منه قريب و لا يبعد منه بعيد بل جميع العوالم الوجودية المختلفة الدرجات في أنفسها،بالنّسبة إليه سواسيّة في القرب.و نفي صيغة المفاعلة ،لبيان انّه سبحانه قريب من الأشياء دان منها،لا انّه دان منها و هي أيضا دانية منه، و الاّ يلزم تحديده سبحانه بأن يقاس هو الى شيء و يقاس شيء إليه و يكون
الأشياء ذوات مستقلّة دونه،إذ المفاعلة إنّما تكون بين الاثنين و قد عرفت و سيجيء انّه لا يصير مع شيء من الأشياء معروضا للاثنينيّة.
لطيف لا بتجسّم
سيجيء -إن شاء اللّه-في خبر«الفتح»معنى«اللطيف»و نفي التجسّم على أبلغ وجه.
موجود لا بعد عدم
اعلم،انّ طبيعة الموجود من حيث هو موجود يقتضي المسبوقيّة بالعدم،إذ تلك الطبيعة من حيث هي هي معلوم الحقيقة و قد مضى انّ كلّ معروف بنفسه مصنوع و كل مصنوع فقد سبقه عدم صريح لا محالة،فكلّ ما يصدق عليه تلك الطبيعة المعلومة الحقيقة فهو بعد عدم واقعيّ بلا مرية؛فاللّه سبحانه موجود لا كالموجودات و لم يسبقه عدم بجهة من الجهات،فهو موجود لئلاّ يدخل في حدّ النفي لكن لا بعد عدم كالموجودات،و شيء لا كالأشياء.
[وجه انّه تعالى فاعل لا باضطرار] فاعل لا باضطرار
اعلمن أنّ كلّ علة من العلل العقليّة و الطبيعيّة،فانّما تفعل بقضاء حتم حكم عليه و وجوب سابق سبق من اللّه إليه،و كذلك جرت سنّة اللّه الّتي لا تبديل لها
وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللّٰهِ تَحْوِيلاً «تقديره» سبحانه للأشياء هو صدورها عنه ذوات أقدار و آجال،و وجودها
عنه أولات أحمال و أثقال،لا أنّ ذلك بجولان فكرة أو خلجان خواطر .
مدبّر لا بحركة
«المدبّر»،هو الذي يضع الأمور مواضعها بحيث ينتهي إلى حسن عواقبها و يتفرّع عليها الكمالات المتصوّرة في حقّها.و كلّ مدبّر غير اللّه فانّما يحتاج في فعله و تدبيره إلى حركة في نفسه حركة عقليّة أو حسّيّة،إذ ترتيب الأمور بحيث ينتج الخير هو معنى الحركة كما لا يخفى.و اللّه سبحانه يدبّر الأشياء لا بحركة منه سبحانه،و لا بحركة من الأشياء بالنسبة إليه عزّ شأنه؛إذ الحركة عنده دفعيّ الوجود فكيف حال المتحرّكات.و أمّا قوله سبحانه يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ مِنَ اَلسَّمٰاءِ إِلَى اَلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كٰانَ مِقْدٰارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ ،فهو شأن الرّوح الّذي من أمر اللّه و من عالم الأمر و أفق الرّبوبيّة:أي يبتدئ الأمر الّذي هو الرّوح بتدبير السّماء إلى أن ينتهي إلى الأرض ثمّ يعرج إلى اللّه.
[وجه انّه تعالى مريد و شاء] مريد لا بهمامة،شاء لا بهمّة
«الهمة»(بالكسر و يفتح):ما همّ به من أمر.و المصدر:الهمومة و الهمامة،كذا في القاموس.و«الإرادة»هي الرّوية و القصد إلى حصول مطلوب.و«المشيّة»: هي الميل و الشوق إلى شيء مقصود.و لا شكّ انّ الثاني متقدّم على الأوّل إذ الميل إلى الشيء سابق على قصد حصوله لأنّ الأوّل عامّ و الثاني خاصّ و هذا هو وجه
تقدّم المشيّة على الإرادة حيث جاء في«حديث أسباب الفعل» :«انّه شاء و أراد»و لذلك نسب في هذه العبارة«الهمامة»التي هي القصد،إلى الإرادة، و«الهمّة»التي هي المقصود،إلى المشيّة.
و بالجملة،هذا الميل و ذلك القصد في المخلوق عبارة عن الضمير و خطور المقصود بالبال و التّفكر لحصوله في المآل،و أمّا في اللّه سبحانه فليست الإرادة بهمّة و لا المشيّة بالميل إلى المقصود،بل الأولى ،عبارة عن نفس وجود الأشياء عنه مرادا له؛و الثانية،عبارة عن نفس صدورها عنه سبحانه من حيث لا ينافيه و سيأتي إن شاء اللّه في بيانها تحقيق آخر خصّنا اللّه بفهمه؛و له الحمد.
[وجه انّه تعالى مدرك] مدرك لا بمجسّة،سميع لا بآلة،بصير لا بأداة
ذكر عليه السّلام الإدراكات الثلاثة:
أحدهما،إدراك الملموسات المعبّر عنه«بالإدراك المطلق»و ذلك بقرينة ذكر المجسّة.
و الثّاني،إدراك المبصرات.
و الثّالث،إدراك المسموعات.
و«المجسّة»:موضع الجسّ و هو المسّ باليد.و«المسّ»،عبارة عن اتّصال المجسّة أي الشيء الّذي فيه القوة اللاّمسة إلى الملموس سواء كان مساسا حسّيا أو معنويّا، و اللّه سبحانه لا يتّصل بشيء و لا ينتهي إلى حدّ فإدراكه الملموسات هو أنّه لا يغيب عنها شيء و لا يفوته شيء و أنّه وهب تلك القوّة لأربابها؛و كذا هو سميع،بمعنى أنّه لا يخفي عليه الأصوات و يسمع دبيب النملة السوداء في اللّيلة الظّلماء على الصّخرة الصّماء و أنّه وهب السّمع للسّامعين؛و بصير،بمعنى أنّه يرى ما في السّماوات العلى و الأرضين السّفلى،و لا يخفى عليه خافية في الأرض و السّماء، و أنّه وهب البصر و الأبصار للمبصرين؛لا أنّه مدرك للملموسات بمجسّة و لا انّه سميع بآلة أو بصير بأداة،إذ قد دريت شهادة الأدوات بفاقة المتآدّين و انّه متعال عن صفات خلقه أجمعين.
و لا تصحبه الأوقات
معنى مصاحبة الشيء للوقت،هو انطباق وجوده على حصّة من الزّمان و محاذاته لها و لو في آن.
[إشارة الى الزمان و طبقاته الثلاثة و انّه تعالى منزّه عن مصاحبته] اعلم،انّ الزمان على طبقات ثلاث:
الأولى، الزّمان الكثيف و هو زمان الكائنات الماديّة و مدّة الحركات الحسّية.
و الثانية، الزمان اللّطيف و هو مدّة حركات الرّوحانيات المدبّرة للعالم الجسماني،المحرّكة للموادّ بالتسخير السّلطاني،و فيه حركة الملائكة بالوحي
و الإلهام و النصرة و الانتقام و كذا حركات الجنّ و الأرواح المتعلّقة بالأجسام و ظهور معجزات الأنبياء و الأولياء،و عليه خرج قوله سبحانه: فِي يَوْمٍ كٰانَ مِقْدٰارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّٰا تَعُدُّونَ .
الثالثة، الزّمان الألطف و هو زمان الأرواح العاليّة و الأنوار القادسة،و عليه قوله عزّ شأنه: تَعْرُجُ اَلْمَلاٰئِكَةُ وَ اَلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كٰانَ مِقْدٰارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ،و فيه تمام أمر الدنيا و الآخرة.و لعلّه إلى هذه المراتب اشير ما في اصطلاح«الحكمة القديمة»من أنّ نسبة المتغيّر إلى المتغيّر،زمان و الى الثابت،دهر و نسبة الثابت إلى مثله،سرمد.و ذلك لأنّ أصول العوالم ثلاثة و كما أنّ كلّ عالم هو باطن الّذي دونه و من اللّوازم انطباق الظّاهر للباطن،فكلّ عالم مشتمل على جميع ما في العالم الّذي تحته لكن بنحو ألطف و بجهة أعلى و أشرف،فيجب من ذلك أن يكون الأزمنة ثلاثة على محاذاة العوالم على ما هو مقتضى المضاهاة و في الحديث النبوّي«و لكلّ مثل مثال» .و ليس هاهنا مقام شرح ذلك أكثر ممّا ذكرناه.
و بالجملة،فالباري جلّ مجده منزّه عن مجانسة الحقائق الواقعة في العوالم الثلاثة،و عن أن يحاذي وجوده مرتبة من المراتب العالية و السافلة،بل هو محيط‍ بقاطبة العوالم الوجودية فلا يصحبه وقت من الأوقات الثلاثة فالزّمان و الزّمانيات بالنّظر إلى ساحة جلال ملكه كنقطة و آن،بل لا نسبة لها إليه سبحانه كما ثبت بالبرهان.
و لا تضمّنه الأماكن
الظاهر،انّها على المضارع من التّفعّل بحذف أحد التّائين.و أمر المكان يجري
على محاذاة الزّمان و قد سبق منّا ما يليق بهذا البيان و سيأتي زيادة توضيح لذلك في باب نفي الزمان و المكان.
[وجه انّه تعالى لا تأخذه سنة] و لا تأخذه السّنات
«السّنة»،حالة بين النوم و اليقظة و إنّما تعرض لمن يلحقه نوم أو غفلة.
و اعلم،انّ جميع الموجودات إنّما تأخذها السّنة و النوم،و لذلك وقع في القرآن و الأدعية و الخطب من تقديس اللّه تعالى عنهما أكثر من غيرهما:أمّا نوم الحيوانات في الأيّام و اللّيالى،و كذا النّبات في أيّام الشتاء،فظاهر و كذا المعادن على ما يراه أرباب المعرفة بها؛و أمّا نوم النّفوس فبتعطيل قواها العقلية و غفلتها عن عالم الأنوار الإلهية و انغمارها في المحسوسات و قعودها عن القيام بوظائف العبادات؛و أمّا نوم العقول فانّما هو بخفاء أحكامها و استتار آثارها حين غلبة أحكام عقل آخر من جنسه،فإنّ للأسماء الإلهيّة اتّصالات عقلية و امتزاجات أحكاميّة يعرفها أهل المشارب الذوقية؛فإذا غلب سلطان بعضها حسبما قدر اللّه برهة من الزمان اختفى آثار البعض الآخر في ذلك الأوان إلى أن يرجع الإمارة إليه و يئول الأمر إلى ما عليه و هكذا جرت سنّة اللّه التي لا تبديل لها فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اَللّٰهِ تَبْدِيلاً و اللّه عزّ شأنه متعال عن أن يشبه أحدا من مخلوقاته أو يجري عليه ما هو أجراه في غيره لاٰ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لاٰ نَوْمٌ بل، كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
«و لا يشغله شأن عن شأن» وَ هُوَ اَلْقٰاهِرُ فَوْقَ عِبٰادِهِ وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ . [وجه انّه تعالى لا تحدّه صفة] و لا تحدّه الصّفات
قد عرفت أنّ الوصف هو جهة الإحاطة و هي تستلزم التحديد فليس له عزّ شأنه صفة حتّى تحده الصّفات:و ذلك لأنّ الموصوف من حيث هو موصوف غير الصفة من حيث هي صفة،و الاّ لما كان موصوف و وصف،فإذا ثبت الغيرية و قيل بثبوت الصّفة فقد صار الموصوف في حدّ و الصفة في آخر؛تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا.
[وجه انّه تعالى لا تقيّده أداة] و لا تقيّده الأدوات
الأداة،هي التي بها يتأتّى فعل الفاعل و يتمكّن من الفعل-سواء كانت آلة جسمانية كآلات الصّانعين،أو قوّة جسمانية كقوى الحيوان و النّبات و الآدميّين،أو ملكة راسخة كملكات الشّعراء و الكاتبين،أو حيثية ذاتية كما للملائكة المهيمنين -و لا ريب انّ هذه الأمور هي قيودات للفاعل بها،حيث لا يقدر كلّ واحد من هؤلاء الفواعل على فعل ليس فيه أداته،كما انّ الكاتب لا يقدر من جهة ملكة الكتابة على الشّعر،و لا بالقوّة الباصرة على ما هو شأن القوى الأخر،و لا النّجار على فعل الخياطة من حيث ملكة النجارة،و هكذا الأمر في سائر المبادي
بلا تفرقة.و الله سبحانه فاعل بالإطلاق و فعله مطلق:بمعنى انّه ليس فيه عزّ شأنه حيثيّة أو جهة هي صدور فعل دون آخر،و الاّ لكان فيه جهة دون جهة و ذلك ممتنع لاستلزام ذلك إختلاف جهاته بالنسبة إلى الأشياء بالقرب و البعد و الاقتدار و عدمه؛فهو جلّ سلطانه لا يقيّده الأدوات بهذا المعنى.و أظنّك ما سمعت هذا التحقيق من غيرنا فليضنّ به.
[وجه سبقه تعالى الأوقات و العدم و الابتداء] سبق الأوقات كونه
كما انّ العوالم محيط‍ بعضها ببعض و المحيط‍ بما أحاط‍ منها هو اللّه تعالى، كذلك الأزمنة التي هي مقادير حركات الموجودات الّتي في تلك العوالم و مدد أعمارها و آجالها و نسب بعضها إلى بعض و بالجملة،تلك الأزمنة الثلاثة،محيطة سابقتها بتاليتها.
و«الإبداع»سابق للكلّ.و اللّه سبحانه سابق للإبداع.و لم يزل كذلك، و هو الآن كما كان سابقا على الكلّ.فهذه العبارة كأنّها دليل على نفي مصاحبة الأوقات له عزّ شأنه.
و العدم وجوده
يمكن أن تكون تلك العبارة دليلا على نفي تضمّن الأماكن إيّاه.و ذلك،لأنّ هذا الفضاء الممتدّ-الّذي وسع جميع العوالم الوجوديّة،المفارقة منها و المقارنة المسمّى في الشرع ب‍«العماء» و في الحكمة القديمة ب‍«البعد»-قد يسمّى
ب‍«العدم»،و هو العدم السّابق على وجود جميع ما سوى اللّه.و يمكن أن يكون العدم على معناه المعروف،إذ الموجودات كلّها مسبوقة بالعدم الصّريح،بل طبيعة هذا الوجود المنضمّ إليها،ممّا يلزمها سبق العدم المقابل لها،إذ لا شكّ أنّ أفرادها مسبوقة بذلك العدم،لما تقرّر من حدوث ما سوى اللّه و كون وجود الباري خارجا عن سنخ هذا الوجود،فتكون الطبيعة حادثة إذ لا معنى لحدوث الفرد الاّ حدوث الطبيعة متعيّنة في هذا الفرد.
و أيضا،إنّ هذا الوجود على ما هو الحق عندنا إنّما هو أمر انضمامىّ و صفة للماهيّة متأخّرة عنها فتكون مسبوقة بالعدم الصّرف؛فتفطّن.
و الابتداء أزله
هذا استدلال لقوله:«و لا تحدّه الصّفات»و ذلك،لأنّ الصّفات إنّما ابتداؤها من موصوفها-إذ لا صفة بلا موصوف-و الموصوف من حيث هو هو متقدّم على الصفة و على الموصوفيّة بتلك الصفة.و الأزل هو اللاّمسبوقيّة بالغير و التّقدّم على كل شيء حتّى على القبليّة نفسها،فلا مسبوقيّته عزّ شانه متقدّم على الابتداء و المبتدئات و القبل و القبليّات،إذ القبل إنّما يصير به جلّ جلاله قبلا و الابتداء ابتداء كما الأشياء كلّها به صارت أشياء؛فسبحان من هو قبل القبل بلا قبل و تبارك اللّه ربّ العالمين.
[وجه انّه لا مشعر له تعالى] بتشعيره المشاعر عرف ان لا مشعر له
هذا و ما بعدها من الفقرات إنّما يبتني على قاعدة شريفة و أصل أصيل.
أمّا القاعدة،فهي انّ الفاعل المستغني بذاته عن كلّ شيء،لا يوصف بالشيء المعلول له،إذ الوصف يدلّ على الكمال و الوجود كما في الخبر:«فيستكمل هو بخلقه»و ذلك ينافي الغنى الذاتيّ.
و أمّا الأصل،فهو انّ فاعل الشيء،يجب أن لا يكون فيه شيء من معلوله بأن يكون هو سنخا له و ذلك لأنّ الحقّ في«الجعل»إنّما هو جعل الطّبائع كما هو صريح قوله:«بتشعيره المشاعر»أي بجعله المشاعر جعلا بسيطا حتّى توجد مشاعر.فجاعل الطبيعة النّوعيّة إنّما يجعل جنسها متقيّدا بالفصل،إذ لا وجود له الاّ بذلك الفصل لأنّه تعيّن الجنس .فإذا كان ذلك الجنس المعلول حاصلا في العلّة،يلزم عليّة الشيء لنفسه.و لا مجال هاهنا للقول بانّه علّة لذلك الجنس في ضمن هذا الفرد،إذ قد قلنا انّ المجعول بالذّات هو الطبيعة،و الفرد مجعول بالعرض ببراهين ليس هاهنا محلّ ذكرها.و بالجملة،لو كان من المعلول سنخ في العلّة لزم كون الشيء معلولا لنفسه و ذلك ممتنع.فبتشعير اللّه المشاعر و جعله إيّاها،عرف العارفون باللّه ان لا مشعر له-لا جنسه و لا سنخه-فالعلّة مباينة للمعلول بتمام ذاتها و حقيقتها«و ليذهب الحسن يمينا و شمالا فليس العلم الاّ هاهنا» ، .
[وجه انّه لا جوهر له تعالى] و بتجهيره الجواهر عرف ان لا جوهر له
«التجهير»،جعل الشيء جوهرا.و في العبارة تجريد للكلمة عن بعض أجزاء المعنى أي بجعله الجواهر جعلا بسيطا حتى توجد جواهر،عرف أن لا جوهر له
كما قلنا في البيان السّابق.و من ذلك يظهر انّ المبادي العالية و العلل المفارقة لا يجعل جواهر معلولاتها بل صورها الجوهريّة،أي المنسوبة إلى الجوهر الّذي هو الموجود لا في موضوع و هو المعنى العام للجوهر الأصل و فصوله .و صدق ذلك المعنى على الكلّ صدق عرضيّ بخلاف الجوهر بمعنى الموضوع لسائر المحمولات،بحيث إذا انضمّت إليه تجعله نوعا حقيقيّا،فانّه بهذا المعنى جنس أعلى و هو الأمر الّذي كان محلّ صور العالم بأسرها-جواهرها و أعراضها-.
[وجه انّه لا ضدّ له تعالى] و بمضادّته بين الأشياء عرف ان لا ضدّ له
جعل اللّه سبحانه لكلّ شيء مقابلا ليظهر أن لا ضدّ له(بالبيان المذكور)لأنّ فاعل المضادّة لا يوصف بالضدّيّة.و المراد بالمضادّة هي المقابلة مطلقا فمقابل الوجود العدم،و مقابل الجوهر العرض،و مقابل العقل الجهل،و مقابل النفوس الملكيّة هي النفوس الشريرة و الشّيطانية.و التضاد في الطبيعيّات أظهر من أن يبيّن بالبيانات.
فإن قيل:فعلى هذه التّوسعة التي ذكرت في التّقابل يمكن أن يقال انّ العدم مقابل لوجوده.
فنقول:انّ العدم الّذي نحن نعرفه إنّما هو مقابل الوجود المعروف المعلوم لنا،و قد عرفت انّ وجوده سبحانه سبق ذلك العدم المعقول لنا،فلا عدم غير الّذي نعرفه حتّى يكون مقابلا لوجوده؛فتحفّظ‍ فانّ ذلك من علم الرّاسخين و الحمد للّه
ربّ العالمين.
[وجه انّه لا قرين له تعالى] و بمقارنته بين الأمور عرف ان لا قرين له
لأنّه قرن الوجود بالماهيّة،و الفصل بالجنس،و الصّورة بالمادة،و المعلولات بعللها،و النفوس بالأجسام،و في المركبات ظاهر لا يخفى،فدلّ ذلك على أن لا قرين له بالبيان المذكور؛و لأنّ المقارنة تدلّ على الحدث الممتنع من الأزل كما ذكرنا ؛و لأنّ كلّ شيء بالنسبة إليه هالك فكيف تتحقّق المقارنة؛و أيضا،هي تستلزم الاشتراك في أمر لا محالة،و هو سبحانه لا يشاركه شيء في شيء.
ضادّ النّور بالظّلمة و الجلاية بالبهم و الجسو بالبلل و الصّرد بالحرور
بيان لمضادّته بين الأشياء بذكر أمثلة منها.و النّور أعمّ من النّور المعقول و المحسوس و كذا مقابله.و الجلاية:الوضوح.و البهم:ضدّها.و الجسو:الصّلابة. في القاموس:جسا كدعا جسوا:صلب،فيكون المراد بالبلل،اللّينة.و في نهج البلاغة:«و الجمود بالبلل»و قد عبّر بالجمود عن اليبوسة،و بالبلل عن الرطوبة و هذا أظهر.و«الصّرد»:البرد و هو معرّب.
مؤلّف بين متعادياتها
كالحرارة مع البرودة و الرّطوبة مع اليبوسة.
مفرّق بين متدانياتها
كالحرارة مع البرودة و الرّطوبة مع اليبوسة.
مفرّق بين متدانياتها
يحتمل الرّفع،على انّ«دالّة»خبر مبتداء محذوف أي هذه الأشياء؛أو النصب على الحالية.و إضافة«التفريق»إلى الضمير،و كذا«التأليف»إليه ،إضافة الصفة إلى مفعولها أي هي دالة بتفريق اللّه تعالى إيّاها على مفرّقها.و دلالة المتفرّق على المفرّق،هي مثل دلالة المؤلّف على المؤلّف و ذلك يفيد العلم اليقيني كما حقّقه رئيس مشائيّة الإسلام في الشفاء.
ذلك قوله عزّ و جلّ: وَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنٰا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ .
ذلك إشارة إلى دلالة المتفرّق على المفرّق و المؤتلف على المؤلّف.فالزّوجان أعمّ من أن يكونا:ضدّين-إذ كمال التّباين من أنحاء التّشاكل-أو يكونا جنسا و فصلا،أو ماهيّة و وجودا،أو إمكانا و وجوبا،أو قوّة و فعليّة،أو عقلا و نفسا،أو صورة و مادّة،أو ذكرا و أنثى،إلى غير ذلك من الازدواجات الواقعة بين الأشياء الممكنة،إذ الممكن زوج تركيبيّ،و التركيب مؤذن بالفقر،و اللّه جعل الممكن كذلك ليتذكّر أولو الألباب انّه سبحانه منزّه عن جميع أنحاء التّركيب،مقدّس عن اتّخاذ الصّاحبة و الشريك.
[وجه انّه لا قبل له تعالى و لا بعد] ففرّق بها بين قبل و بعد ليعلم ان لا قبل له و لا بعد
«الباء»،إمّا للظّرفيّة أي فرق في الأشياء بين قبل و بعد و إمّا للسّببيّة أي بسببها لأنّها محلّ تحقق القبليّة و البعديّة و المعنى:انّ اللّه تعالى بسبب إيجاده
الموجودات ميز بين القبل و البعد إذ لو لم يوجد الأشياء على الترتيب السّببي و المسبّبي و النّظم الطبيعي لم تتحقّق القبلية و البعدية،فتحقّق القبل و البعد إنّما يكون بوجود الأشياء و أمّا هو سبحانه فهو قبل القبل بلا قبل بمعنى انّه موجد القبل في الأشياء فلا أثر للقبليّة فيه و لذلك دلّت القبليّة و البعديّة انّه سبحانه لا يوصف بهما إذ فاعل الشيء لا يوصف به؛فكما انّه موجود لا كالموجودات و شيء لا كالأشياء فهو قبل لا كالشيء الّذي هو قبل و بعد لا كالّذي هو بعد و كذلك في سائر الأحكام و هذا هو«التّوحيد الحقيقيّ»-فافهم.هذا الّذي قلنا، إنّما هو على أن يكون«قبل»و«بعد»في المقامين بمعنى القبليّة و البعديّة و هو حقّ المعنى.
و يحتمل أن يكون بمعنى الشيء ذي القبليّة و البعدية فالمعنى:انّه فرّق بين المتقدّم و المتأخّر بأن جعل الأوّل قبل الثاني و الثاني بعد الأوّل فيعلم أن لا شيء قبله و لا شيء بعده؛إذ لو كان كذلك لزم أن يكون لذلك علّة،فإن كانت العلّة هو عزّ شأنه فهو المتقدّم هذا خلف،و إن كانت ذلك المتقدّم فهو أولى بالألوهيّة،و إن كانت ثالثا فكذلك،مع انّه ثبت بالبراهين انتهاء العلل إليه سبحانه.
[وجه انّه لا غريزة له تعالى] شاهدة بغرائزها ان لا غريزة لمغرّزها
«الغريزة»:الطبيعة،و هي الّتي بها يصير الشيء ذا آثار مخصوصة أعمّ من أن يكون مزاجا أو غيره.و كلّ شيء سواه جلّ برهانه فانّما له شيء بسببه يصير مبدئا للآثار المختصّة به ما خلا اللّه سبحانه،فإنّه الفاعل المطلق و فعله مرسل لا يختصّ
بشيء دون شيء؛إذ العالم صنعه بكلّه و هو خالق كلّ شيء و لا يفوته شيء و لا يؤده حفظ‍ شيء فالأشياء بطبائعها الخاصّة بها،حيث لا يتجاوز عن الأفاعيل المأمورة بها.و المقامات المعلومة لها شاهدة على انّ مغرّزها-أي جاعلها ذوات غرائز-ليس له غريزة و إلاّ لاختصّ فعله بشيء دون شيء و ليس كذلك إذ العقل الّذي هو أوّل شيء من أفعاله سبحانه مشتمل على كلّ شيء و هكذا إلى أن ينتهي الأمر إلى ما لا أسفل منه فهو فعله و صنعه و سيأتي زيادة توضيح لذلك-إن شاء اللّه-.
[وجه انّه تعالى لا يوصف بالتفاوت] دالّة بتفاوتها ان لا تفاوت لمفاوتها
المفاعلة،على معنى الجعل و التّصيير،كالتّفعيل،فيما سبق من«المغرّز»و في ما سيأتي من المباين و غيره.و المراد«بالتفاوت»إنّما هو تفاوت الشيء الواحد: بالنّقص إلى أن يستكمل؛و بالقوة إلى أن يخرج إلى الفعل؛و بالضعف إلى أن يشتدّ؛و بالنّقصان إلى أن يزيد.و لا يخلو من واحد منها ممكن مفارق أو مقارن. و أقلّ ذلك،انّ القوة إلا مكانية يحتاج إلى أن يخرج إلى فعليّة الوجوب و اللّه سبحانه هو المخرج إيّاها من قوّتها إلى فعلها و من نقصها إلى كمالها إلى غير ذلك؛فلا يوصف«بالتّفاوت»بالقاعدة المذكورة.
و أيضا،لو كان هو كذلك لاحتاج إلى مخرج آخر و هو محال:إمّا للخلف، لأنّه قد فرض انّ جميع ما هو بالقوّة فانّما يحتاج إلى مخرج هو بالفعل من جميع الوجوه و إلاّ لكان هو من جملة هذا المجموع و إمّا لاستحالة التّسلسل،كما هو
المشهور.
[وجه انّه لا أجل له تعالى] مخبرة بتوقيتها ان لا وقت لموقّتها
إضافة«التوقيت»إلى ضمير المفعول.و الموقّت هو الذي يعيّن وقت الشيء و مدّة أجله.
اعلم،انّ اللّه جعل لكلّ صورة أجلا ينتهي إليه في الدّنيا و الآخرة-فانّ في الآخرة أيضا ترقّيات لا يتناهى و ذلك للتّوسّع الإلهي و الرّحمة الواسعة كلّ شيء-و كذا للموادّ القابلة للصّور فانّها و إن خرجت بنفسها عن هذا الحكم لكونها لا أجل لها إلاّ انّ لها باعتبار قبول تلك الصّور أجلا ينتهي إليه فإذا وصل الأجل المعلوم عند اللّه إلى هذا الارتباط‍،انعدمت تلك الصّورة و حصلت صورة اخرى،فكان لها أيضا أجلا مسمّى فالكلّ يجري لأجل مسمّى و قس على ما قلنا،الأمور العالية الفاعلة و غيرها.
[وجه انّه لا حجاب بينه تعالى و بين الخلق الاّ الخلق] حجب بعضها عن بعض ليعلم ان لا حجاب بينه و بينها غيرها
قد سبق أنّ الأشياء ثابتة عند اللّه قبل صدورها عنه سبحانه-لا على انّها أشياء بل على انّها هالكة دون وجهه الكريم-و هو قائم مقام كل شيء و لا شيء غيره عزّ شأنه فإذا صدرت عنه جلّ مجده في مرتبة العلم،وقع الحجاب الّذي هو كونها أشياء معقولة لعقله بذاته،و هكذا احتجبوا إلى أن يحصل سبع حجب ثم
إلى سبعين ثم إلى سبعين ألف،على ما ورد في الأخبار.و الحجاب الأوّل،هو نبيّنا سيّد المرسلين صلى اللّه عليه و آله،كما في الخبر:و محمّد الحجاب .و في آخر :بقى بينه و بين اللّه حجاب واحد.و في معناه أخبار كثيرة متظافرة .هذا هو معنى كون الخلق حجابا.
و أمّا وجه الاستدلال في العبارة الشريفة فهو انّ للخلق هويّات مختلفة،بها احتجب بعضها عن بعض و امتاز كلّ واحد عن الآخر،لم يمكن لأحد أن يتعدّى هويّته،أو ينقلب إلى غيره،أو يختلط‍ و يشتبه إلى ما سواه،بل لكلّ واحد مقام معلوم و الكلّ يجري على قضاء محتوم.و لا شكّ أنّ تعيّن الأمور العالية و الصّور المفارقة حتّى المادّة الأولى إنّما هو بفاعلها لا غير؛و أمّا الأمور المادّية فبفاعلها و قابلها كما حقّقنا ذلك بالبراهين القاطعة.و من ذلك ظهر أنّ الله حجب بعضها عن بعض.و أمّا انّ ذلك كيف يدلّ على أن لا حجاب بينه و بينها،فلأنّه إذا كان احتجاب الأشياء و امتياز بعضها عن بعض بفاعلها القيّوم بأن يعيّن هو سبحانه لكلّ واحد منها درجة معلومة و مرتبة محدودة،فلو كان له حجاب غير نفس شيئيّة الأشياء لم يمكن أن يكون تعيّنها به تعالى،لأنّ ما يحجب عن الشيء و يستر عنه بواسطة أو وسائط‍ كيف يتعيّن به الشيء؟!
و أيضا،هو سبحانه مبدأ التعيّن و الاحتجاب،فكيف يوصف بما هو أجراه على خلقه؟!
و أيضا،الاحتجاب عن الشيء يستلزم المحدوديّة بأن يكون هو في مرتبة و درجة و ذلك الشيء في درجة أخرى،تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا!
و أيضا،أيّ شيء يصير حجابا لنوره و ذلك الحجاب أيضا من نوره.و في المقام أسرار لا تحصى،طوبى لمن فاز بها!و كأنّا في طيّ ما تلونا قد أشرنا إلى لمعات منها، فاقتبس إن كنت من أهلها!
[وجه انّ له تعالى معنى الربوبيّة و الإلهية و العالم و الخالق و البارئ] له معنى الرّبوبيّة اذ لا مربوب،و حقيقة الإلهيّة اذ لا مألوه،و معنى العالم و لا معلوم،و معنى الخالق و لا مخلوق،و تأويل السّمع و لا مسموع
هذه الأحكام ليست ثابتة للّه عزّ و جلّ قبل صدور الأشياء عنه فحسب كما قد توهّم،بل تلك ثابتة له أزلا و أبدا كما يشعر بذلك إيراده عليه السلام الجمل الاسميّة الدّالة على الثّبوت الاستمراريّ و كذا إيراد بعض تلك الأحكام بالواو الحالية مع الجملة الاسميّة المنفيّة ب‍«لا»التبرئة ؛و ذلك لأنّ الأشياء بالنّظر إلى جبروت شأنه و ملكوت عزّه و سلطانه،إنّما هي على الهلاك الذّاتيّ و البطلان الحقيقيّ،و ليس في الوجود إلاّ نوره،و لا شيء في الشّهود يقابل ظهوره؛فللرّبوبية و الألوهيّة و نظائرهما جهتان:معنى و حقيقة،و صورة و ظاهر :
فإذا نظر إلى الحقيقة و المعنى،فلا مربوب و لا مألوه و لا مخلوق و لا مسموع بل هو الرّبّ الإله العالم الخالق السّميع أي هو مالك الأشياء و مستحقّ لجميع الأسماء،فما وقع اسم الاّ على وجود الحقّ،و الأعيان ثابتة على أصلها لا استحقاق لها،إنّما المسمّى بكلّ اسم من الأسماء الحسنى و الموصوف بكلّ صفة من الصّفات العليا و المنعوت بكلّ نعت من النعوت العظمى،هو اللّه وحده لا شريك له في الأسماء كما لا شريك له في الذّات و الأفعال كما في أدعية اللّيالى: (و الخلق مطيع لك خاشع من خوفك و لا يرى نور إلاّ نورك و لا يسمع صوت إلاّ صوتك) و ذلك لأنّ الألوهيّة،هي استجماعيّة الكمالات العليا و الصّفات الحسنى؛و ذلك له سبحانه بذاته في مرتبة علمه بذاته الّذي هو مبدأ كلّ كمال و منتهى كلّ جلال و جمال.و ربوبيّته هي مالكيّته و سلطانه و قهر كلّ شيء لديه عزّ شأنه و مالك الأشياء محيط‍ بها و خالقيّته إنّما هو باقتداره على كلّ شيء و حصولها له بنفس ذاته القيّومة الممسك للسّماوات و الأرض.و سامعيّته بأن لا سامع فوقه لا يسمع الاّ قوله و خضعت الأصوات له فكيف يوجد معه ما يضاف إليه أو يتقابل شيء ما لديه.
و إذا نظر إلى الصّورة و الظاهر،فهاهنا ذات هو الرّب و شيء هو المربوب لضرورة لزوم الإضافة تحقّق المضافين لكن شيئيّة ذلك المربوب و كلّ شيء دونه، فهو من الرّبّ فالمربوب في نفسه لا شيء.فإذا نظرت بكلتى العينين وجدت المربوب لا شيئا محضا،و عدما صرفا،لا هويّة له الاّ باللّه،و لا وجود له الاّ عن اللّه،
و لا حول و لا قوّة الاّ باللّه.و بهذا ظهر ما قال الصّادق جعفر بن محمد صلوات اللّه عليه في مصباح الشريعة:«العبودية جوهرة كنهها الرّبوبيّة» فاحتفظ‍ بذلك فان ذلك ممّا يختصّ بهذا الكتاب.
ليس منذ خلق،استحقّ معنى الخالق و لا بإحداثه البرايا،استفاد معنى البرائية
و قد عرفت انّ معنى الخالق،و هو حقيقة هذا الاسم،ثابت للّه سبحانه و كذا معنى البرائيّة،و هو حقيقة الاسم البارئ في عالم الألوهيّة.و إنّما الخلق مظاهر لأحكام تلك الأسماء و مرايا هذه الكمالات.فالوجه الحسن الجميل ثابت له الحسن و الجمال و إن لم يكن في الوجود مرآة فليس هو سبحانه بخلقه الخلق، استحقّ معنى الخالق و لا بإحداثه البرايا،استفاد معنى البارئ،بل ذلك ثابت له أزلا و أبدا؛ليس على معنى أنّ له سبحانه إضافة واحدة هي كونه علّة لجميع ما تحته فإنّ ذلك مما يقوله علماء الرّسوم و ليس لذلك في التحقيق مقام معلوم و أمّا أهل الحقّ،فانّهم يقولون في كلّ صفة من الصّفات الإضافية انّها ليست مستفادة من المخلوق و لا حاجة إلى رجوعها إلى صفة واحدة كما سنبيّن.
نعم،إنّما يصحّ عندنا إطلاق هذه الأسماء،عند إحداثه البرايا؛إذ نحن إنّما علمنا أنّ له معنى الخالق حيث وجدنا مخلوقاته لا انّه استفاد ذلك المعنى بسبب خلقه.فتلك النسب و الإضافات إنّما هي بالنظر إلينا حيث استدللنا على كل صفة من صفاته الحسنى بظهور أحكام تلك الصفة؛و كذا يحدث هذه الإضافات بالنظر إلى الكلمات الفواعل و المدبّرة بإذن اللّه،في إظهار أحكام هذه الحقائق الأسمائية لا بالنّظر إليه عزّ شأنه؛إذ لم يسبق له حال حالا فيكون خالقا بعد أن لم
يكن خالقا؛و لأنّه سبحانه مقدّس عن ملابسة الزّمان و الزّمانيّات فليس بالنسبة إليه ماض و حال و استقبال؛فخلق زيد السّاعة لم يجعل خالقيّته من ابتداء هذه السّاعة إذ ليس هو في الزّمان و ليس فعله في الزّمان،بل مخلوقه في الزّمان و لا يتفاوت عند الأزمنة بل الزّمان عنده كآن فكون مخلوقه زمانيّا لا يصير سببا لكون فعله زمانيّا إذ فعله إنّما ينزل من سماء الأزل إلى أرض الزّمان.و ليس في الأزل تقدّم حال و تأخّر أخرى و سبق وجود هذا و تأخّر ذلك كما لا يخفى على من تجرّد بعقله إلى فضاء اللاّزمان و شاهد أنوار هذا العالم بعين العيان.
فإن قيل:أ ليس الخالق و البارئ من المضاف؟!-و من خواصّ المضافين انّه لا يتقدّم أحدهما على الآخر من حيث هما مضافان-فكيف يوافق ذلك ما ذكرت؟و أيضا،قد تحقّق في العلوم العقلية عند أربابها أنّ أيّ واحد من المضافين يكون متحرّكا،فانّه السّبب في حصول الإضافة،فعلى هذا يكون هو سبحانه مستفيدا من خلقه.
قلنا:أمّا القول بالإضافة فذلك افتراء إذ الإضافة من المقولات و اللّه سبحانه لا يوصف بخلقه فليس عنده إضافة و لا نسبة.نعم،قد قلنا:انّ تلك الصفات و النّسب بالنظر إلينا و الى الكلمات الفواعل الّتي هي خدّام أسماء اللّه من الحقائق الموجودة في سلسلة الأسباب؛و أمّا القول بانّ المتحرّك هو سبب الإضافة فهو أيضا قول من غير علم.نعم،إنّما يصحّ ذلك في الإضافات الّتي ليست بين العلل و المعلولات،و أمّا فيها،فالعلّة لمّا كانت سبب المعلول،فهو أيضا سبب لتلك الإضافة إذ هو محرّك هذا المتحرّك المعلول فالمتحرّك في المعلوليّة لم يتحرّك من قبل نفسه حتّى يكون هو سببا للإضافة بل من أجل علّته و بسببها،فهي علّة المعلول
و علّة الإضافة الواقعة بينهما.
[وجه انّه لا يصحّ فيه تعالى قول«مذ»،«قد»،«لعلّ»و«متى»]
كيف و لا تغيّبه«مذ»!
«غيّاه»،جعل له غاية.و كلمة«مذ»لابتداء الغاية أي لا تجعل كلمة«مذ»له سبحانه غاية بمعنى انه يستحيل أن يتجدّد له حال فيكون لها ابتداء حتّى يصحّ أن يقال:مذ فعل كذا،كان على صفة كذا.و ذلك استدلال على انّه تعالى ليس منذ خلق،استحقّ معنى الخالق.و وجه الاستدلال قد عرفت من انّه لا يجرى عليه الأزمنة و الأحوال و لم يسبق له حال على حال،إذ«ليس عند ربّك صباح و لا مساء»،و لا يتغيّر بانغيار الأشياء.
و لا تدنيه«قد»
«أدناه»قرّبه.و كلمة«قد»للتقريب أو التوقّع.و المعنى:لا يجعله كلمة«قد» قريبا من حال أو صفة أي ليس هو سبحانه يقرب من شيء و يبعد عن آخر حتّى يصحّ أن يطلق عليه كلمة«قد»بأن يقال:قد كان كذا فصار كذا.
و لا تحجبه«لعلّ»
كلمة«لعلّ»،للترجّي إلى جلب محبوب أو دفع مكروه.و الرّجاء،إنّما يكون لمن لم يصل إلى شيء لا محالة و ذلك إنّما يكون لوجود مانع عن ذلك أيّاما كان فإطلاق الحجاب على كلمة«لعلّ»من قبيل إطلاق اسم السبب على المسبّب أي ليس له سبحانه حالة منتظرة حتّى يتوقّع حصوله و يترجّى وقوعه لكونه ممنوعا منه محجوبا عنه.
و لا توقّته متى و لا تشمله حين و لا تقارنه مع
أي لا يصحّ عليه جلّ مجده قول«متى»بأن يقال:متى كان؟لبراءته عن الزّمان فليس له وقت و لا هو في وقت حتى يقال عليه«متى»و كذا لا يشمله«حين»بالبناء على الفتح،إذ الأحيان انما يحيط‍ بالزّمانيّات و يشملها و أمّا ما ليس وجوده في زمان فلا يشمله«حين»و لا يقال عليه:«هو كذا حين كان كذا و يكون كذا» و الفرق بين«متى»و«حين»،أنّ متى لزمان الوجود و حين لزمان الوصف.و كلمة «مع»للمقارنة و لا يقارنه سبحانه شيء حتى يقارنه كلمة«مع»أي يجعله قرينا لشيء أو يقرن تلك الكلمة به سبحانه.و بالجملة،هو لا يوصف بالزّمان و المكان و لا يقال عليه الكلمات الدّالة على الزّمان.
انّما تحدّ الأدوات أنفسها و تشير الآلة الى نظائرها
«اللاّم»،في«الأدوات»و«الآلة»،للعهد،أي هذه الحروف إنّما تستلزم التحديد و الإشارة لأنّها تجعل الشيء المقول عليه محدودا بالزّمان أو المكان أو المرتبة مشارا إليه بالإشارة الحسّيّة أو العقليّة،و اللّه سبحانه يستحيل عليه الحدّ و الإشارة مطلقا.فالأدوات المذكورة إنّما تحدّ أنفسها من الأشياء المخلوقة و تشير تلك الآلات إلى نظائرها من الأمور المحدودة و تحكم عليها و تخبر عنها و تستعمل فيها و أمّا اللّه سبحانه فهو مقدّس عن أن تشير إليه هذه الأدوات و تستعمل فيه تلك الآلات كما بيّنّا.
و في الأشياء توجد فعالها
أي في الأشياء الممكنة الموجودة يتحقق آثار تلك الأدوات و يتصحّح إطلاق هذه الآلات.و ليس لها في جبروت مجده سبحانه من سبيل،و لا لها إلى تلك الحضرة من دليل.
منعتها«منذ»القدمة و حمتها«قد»الأزليّة و جنّبتها«لو لا»التكملة
جملة«منعتها»،للبيان أي تحقّق آثار تلك الآلات في الأشياء هو انّها«منعتها»- إلى آخره.و تأنيث الأفعال الثّلاثة لكون فواعلها الكلمات الثّلاث و ضمير مفاعيلها الأول،يرجع إلى الأشياء؛و القدمة و الأزليّة و التّكملة،مفعولاتها الثّواني.و«جنّبتها»على صيغة التفعيل.و التجنيب:جعل الشيء في جانب و المعنى:
منعت كلمة«منذ»-أي إطلاقها عليها-عن أن تكون الأشياء قديمة إذ «منذ»يدلّ على الابتداء و القدم ينافي الابتداء و«حمت»أي دفعت كلمة«قد» التقريبيّة الأشياء عن الأزلية،بمعنى انّ إطلاق«قد»على الأشياء دعتها عن مرتبة الأزل إذ التقريب إنّما هو بالنّسبة إلى الزّمان.و«جنّبتها»أي جعلت الأشياء في جانب عن الكمال.كلمة«لو لا»التّحضيضيّة،إذ التحريض على شيء إنّما يكون لفاقده،أو كلمة«لو لا»الامتناعيّة حيث يطلق على الأشياء بأنّه لو لا ذلك المانع لوصل هذا الشيء إلى كماله.و بالجملة،لمّا صحّ إطلاق هذه الأدوات على الأشياء الممكنة أزالتها عن المراتب العالية من القدمة و الأزليّة و الكمال و التّماميّة.
افترقت فدلّت على مفرّقها و تباينت فاعربت عن مباينها
«أعربت»،أي أفصحت.و المباين(على صيغة الفاعل من المفاعلة) و هو
جاعل البينونة و موجد المباينة كما سبق في«المفاوت»و قد عرفت وجه تلك الدّلالة و هذا الإفصاح.
[انّ الأشياء مجاليه تعالى] بها تجلّى صانعها للعقول
أي بوساطة خلق الأشياء تجلّى صانعها للعقول،حيث ترى العقول تلك الأشياء مظاهر صنع اللّه و مرايا نوره و جلايا ظهور أسمائه و صفاته،فتستدلّ بها على اللّه و صفاته و أسمائه إذ بالآثار و الأعلام إنّما يستدلّ عليه تعالى و على أسمائه الحسنى و هؤلاء القوم أشير إليهم بقوله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيٰاتِنٰا فِي اَلْآفٰاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ اَلْحَقُّ .
و أمّا العارفون بنور اللّه عزّ شأنه،الفائزون ب‍«المحبوبيّة التّامة» فيقولون كما ورد في دعاء عرفة عن سيّد الشّهداء-عليه ألف سلام و تحيّة و ثناء-:«كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر أليك؟!أ لغيرك من الظّهور ما ليس لك حتّى يكون هو المظهر لك؟!» فهؤلاء لم يروا في الوجود الاّ اللّه،و ما رأوا شيئا الاّ و رأوا اللّه قبله؛إذ الأعيان إنّما هي في خفائها و استتارها و إنّما المظهر لها و الدّليل عليها،هو اللّه الّذي هو نور السّماوات و الأرض و زين السّماوات و الأرض و جمال السّماوات و الأرض و عماد السّماوات و الأرض. و الى هؤلاء الطائفة،صدر الخطاب بقوله: أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ
شَهِيدٌ .و لذا غيّر الأسلوب عن الغيبة إلى الخطاب فهو سبحانه شهيد على التجلّى فيه و الظّهور،و ليس في قوّة العالم أن يدفع عن نفسه هذا الظاهر فيه، و لا أن يكون مظهرا،إذ هذا هو معنى الإمكان على التحقيق التّام،فلو دفع لكان مسلوبا عن نفسه و لو لم يكن حقيقة العالم الإمكان لما قبل نور الحقّ و ظهور آثاره.
و في النّسخ:«لما تجلّى»-باللاّم الجارّة و ما المصدرية-فيكون متعلّقا بقوله «دلّت»و«أعربت»و المعنى أفصحت عن اللّه لأجل تجلّي صانعها للعقول بواسطة هذه الأشياء،إذ هي مرايا ظهوره.
و بها احتجب عن الرّؤية
كما انّه جلّ جلاله ظهر بالأشياء و في الأشياء،كذلك اختفى بها عنها و ليس ذلك الاّ اعتبار الأشياء و لذا قيل:«بطن بعين ما ظهر»و عن أمير المؤمنين عليه السلام: «لا يجنّه البطون عن الظّهور و لا يقطعه الظهور عن البطون»و عن بعض العرفاء: «العجب كلّ العجب انّه تعالى ما ظهر بشيء من مظاهر أفعاله الاّ و قد احتجب به!فسبحان من احتجب بنور ظهوره و ظهر بإسدال ستره!»-انتهى.و قيل في الشعر: بدت باحتجاب و اختفت بمظاهر
و قيل أيضا:
لقد ظهرت فلا تخفي على أحد الاّ على أكمه لا يعرف القمرا
لكن بطنت بما أظهرت محتجبا و كيف يعرف من بالعرف استترا هذا الّذي قلنا،إنّما هو على تقدير أن يكون الضمير في«بها»راجعا إلى الأشياء و يحتمل أن يكون راجعا إلى«العقول»و المعنى:انّ الله تعالى احتجب عن الرّؤية بسبب العقول؛إذ ما دام الإنسان يعقل نفسه و يثبت وجودا و شيئية لذاته،فهو بعيد عن رؤية اللّه بل عن رؤية ذكر اللّه كما قال عزّ شأنه: وَ اُذْكُرْ رَبَّكَ إِذٰا نَسِيتَ أي إذا نسيت نفسك.
و إليها تحاكم الأوهام
أي إنّ تحاكم الأوهام و تنازعها إنّما ينتهي إلى الأشياء و لا يصل إلى اللّه سبحانه؛ إذ الأوهام إنّما تحكم على ما تتصوّره من الأشياء المعروفة عندها،و اللّه أعظم من أن يوصف بها«فكلّ ما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود إليكم»فالقائل بالعينيّة مع امتناعها في نفسها ،إنّما يحكم حسب ما يتصوّره؛و كذا القائل بالزيادة،إنّما يثبت له ما يثبت لنفسه فَتَعٰالَى اَللّٰهُ عَمّٰا يُشْرِكُونَ .
و يحتمل أيضا أن يعود الضّمير إلى العقول و المعنى:انّ تنازع الأوهام و المتخيّلات انما ينتهي إلى العقول إذ الوهم إنّما يكون في حكم العقل و تحت
سلطانه فكلّ ما يدركه الوهم من الأشياء فانّما يوصلها إلى العقل و العقل عاجز عن إدراكه سبحانه فكيف حال الوهم؟!.
و فيها اثبت غيره
أي في الأشياء يدّعى إثبات غير اللّه،حيث يزعمون أنّها على شيء و ليسوا يدرون أنّها لا شيء محض و أعدام صرفة،و إنّما هي مظاهر أنوار ألوهيته و مجالى أحكام ربوبيّته و لاٰ يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَ لاٰ نَفْعاً وَ لاٰ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَ لاٰ حَيٰاةً وَ لاٰ نُشُوراً . فإثبات الغير هو استناد أمر من الأمور إلى شيء غير اللّه و غير حوله و قوّته و لا حول و لا قوّة الاّ باللّه.
و يمكن أن يكون المراد،أنّ في النظر إلى الأشياء و تنقّلات أحوالها و تطوّرات أوضاعها أثبت انّها غير اللّه؛إذ خالقها منزّه عن أوصافها و لا يكون مثلها.و هذه العبارة كنظائرها،يحتمل أن يكون ضمير«فيها»يرجع إلى«العقول»فالمعنى:انّ في العقول أثبت غير اللّه و ذلك يحتمل وجهين:
أحدهما،انّ كلّ ما يحصل في العقل و يتوهّم انّه هو اللّه فهو غير اللّه كما في الخبر:«كلّ ما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه فهو مخلوق مثلكم»
و الثاني،انّ في العقول يثبت أنّ هاهنا أشياء غير اللّه و مخلوقاته.
و منها أنيط‍ الدّليل
في القاموس: «كلّ ما اظهر بعد خفاء فقد أنبط‍ و استنبط‍ مجهولين»-انتهى. أي و من الأشياء استخرج الدليل على وجوده سبحانه و وحدته و سائر صفاته الحسنى و تقدّسه عمّا لا يليق بجناب الكبرياء.
ففي كلّ شيء له آية #تدلّ على أنّه واحد
قيل:هذه«الآية» ،هي أحديّة كلّ موجود سواء كان واحدا أو كثيرا،فانّ للكثير أحديّة الكثرة التي بها يتميّز عن غيره سواء كان ثمة ما به اشتراك أو لا. و هذه الأحديّة،عبارة عن نسبة كون الشيء متعيّنا في علم الحق أزلا.فلمّا كشف للعبد بنور الإيمان أحديّة كلّ موجود علم قطعا بأنّ اللّه تعالى له أحديّة محضة لا كأحدية غيره،بل أحدية غير عدديّة،كما ستقف إن شاء اللّه.و إذا كان ضمير «منها»يرجع إلى«العقول»فالمعنى:انّ من العقول السليمة استخرج الدّليل على اللّه و صفاته الحسنى و اسمائه العليا.و بالجملة،فكما أنّ بالعقول يثبت غيره أي الأشياء،كذلك من العقول يستخرج الدّليل على أن لا إله غيره و لا موجود في الحقيقة سواه.
و بها عرفه الإقرار
و في أكثر النّسخ«عرفها»و كأنّه من النّساخ أي و بالأشياء عرف اللّه سبحانه عباده معرفة إقرار.أسند المعرفة إلى الإقرار و المراد به العباد،تنبيها على انّ معرفتهم إقرارية ليس الاّ،فكأنّه يعرفه الإقرار.و الإقرار هو أن يقرّ انّ للعالم مبدئا، و للطبيعة الممكنة التي هي بالقوة المحضة مخرجا إلى الفعل و لا يشبه شيئا و لا يشبهه شيء.
قال بعض أهل المعرفة : و أمّا إثبات وجوده فمدرك بضرورة العقل لوجود ترجيح الممكن بأحد الوجهين .و أمّا أحديّة الذات فلا يعرف لها ماهيّة حتى يحكم
عليها،لأنّها لا تشبه شيئا من العالم و لا يشبهها شيء فلا يتعرّض العاقل إلى الكلام في ذاته إلاّ بخبر من عنده و مع إتيان الخبر فانّا نجهل نسبة ذلك الحكم إليه لجهلنا به،بل نؤمن على ما قاله و على ما يعلّمه هو فانّ الدليل لا يقوم الاّ على نفي التّشبيه شرعا و عقلا-انتهى و أمّا على نسخة الأصل ،فهو انّما يصحّ إذا كان الضمير في«بها»راجعا إلى العقول كما هو أحد الاحتمالين،و ضمير«عرفها»إلى الأشياء أي و بالعقول يعرف الأشياء معرفة إقرار.اسند المعرفة إلى الإقرار إشعارا بانّ غاية ما يتصوّر من معرفة حقايق الأشياء هو الإقرار بأنّ هاهنا أشياء ممكنة و الاّ فالظّاهر و الباطن و الأوّل و الآخر هو اللّه لا شيء غيره .
و بالعقول يعتقد التّصديق باللّه
أي انّ عقد«التّصديق»بألوهيته و وحدانيّته و استجماعه الكمالات الذاتية و الصفاتية،إنّما هو بالعقل حسب ما فطره اللّه عليه.و«التّصديق»هو أن يعتقد بانّ للعالم مبدأ و لكلّ شيء مبتدأ و هذا هو الإقرار به سبحانه كما أشار بقوله عليه السلام: و بالإقرار يكمل الإيمان به
أي بذلك التصديق الّذي قلنا انّه الإقرار المحض و المقايسة الصرفة يحصل الإيمان الكامل به تعالى ،و يصير المعتقد بهذا الإقرار مؤمنا حقيقيّا كاملا في الإيمان.رزقنا
اللّه الوصول إليه.
و لا ديانة الاّ بعد معرفة و لا معرفة الاّ بإخلاص و لا إخلاص مع التّشبيه
أي إنّ التديّن بدين اللّه لا يمكن الاّ بعد معرفته سبحانه،و لا تحصل المعرفة الكاملة إلاّ بالإخلاص في التّوحيد-أي حصول التوحيد الخالص المنزّه عن شوائب الشّرك و التركيب و التشبيه-و لا يحصل التوحيد الخالص الاّ بنفي التشبيه؛ إذ التشبيه في معنى من المعاني إنّما هو تشريك للغير مع اللّه،و هو سبحانه لا يشبه شيئا و لا يشبهه شيء.
و لا نفي مع إثبات الصّفة للتّشبيه
يحتمل أن يكون«للتّشبيه»متعلّقا«بالنفي»،و أن يكون للتعليل و معمول «النفي»محذوف فعلى الأول،معناه:و لا نفي للتشبيه مع اثبات الصفة و على الثاني،لا نفي للتّشبيه مع إثبات الصفة لوجود التشبيه بالصفة الثبوتية فالحكم بثبوت الصفة له سبحانه-سواء كانت عينا أو زايدة-يستلزم التشبيه؛إذ التشبيه إنّما هو في المعاني حيث يصدق طبيعة تلك الصفة على الخالق و المخلوق فصفات اللّه تعالى كلّها راجعة إلى سلوب الأضداد و النّقائض،لا انّها معاني ثبوتية له إمّا عينيّة أو قائمة به.فقسمة الصفات بالثبوتية و السلبية،إنّما هو باعتبار الألفاظ‍ فقط‍، فإنّ بعضها ألفاظ‍ ثبوتية كالعلم و القدرة و بعضها ألفاظ‍ سلبيّة كليس بجسم و لا جوهر و لا عرض،و إلاّ فالكلّ سلوب إمّا على انّها مسلوب أنفسها كما في الصّفات السلبيّة أو مسلوب نقائضها كالصّفات الثّبوتية.
فكلّ ما في الخلق لا يوجد في خالقه و كلّ ما يمكن فيه يمتنع من صانعه
هذا تفريع على أنّ إثبات الصفة تشبيه فكلّ ما في الخلق من الأمور الصّادقة عليه-اعتبارية كانت أو خارجيّة-لا يوجد في خالقه؛اذ لو وجد فيه سبحانه لكان يشترك هو تعالى مع خلقه في كونه مصداقا لذلك المفهوم،و ما به الاشتراك يستدعي ما به الامتياز و إن كان بالحيثيّات،فيتركّب هو عزّ شأنه و إن كان بالجهات.
و أيضا،كلّ ما اشتراكه عرضيّ-سواء كان اعتباريّا أو حقيقيّا-يستدعي مشتركا ذاتيّا؛إذ كون أشياء متكثّرة مصداقا لحمل مفهوم واحد،لا محالة يستلزم اشتراكها في ذاتيّ؛فكما انّ العرضي المختص يستدعي ذاتيّا مختصّا،فكذا العرضي المشترك يستند إلى الذاتي المشترك.و الحكم بذلك قريب من البداهة، فيتركّب ذاته سبحانه.
و كذا،كلّ ما يمكن في الخلق من الأمور الممكنة له يمتنع من الصّانع سبحانه لأنّ كلّ ما يمكن في الخلق يكون طبيعته ممكنة لأنّك تقول انّها يمكن للخلق، و الواجب بذاته يستحيل أن يمكن له شيء بذاته.
و أيضا،كلّ ما يمكن للخلق فحصوله يحتاج إلى علّة لأنّ الممكن لا بدّ له من علّة.فإذا ثبت ذلك الشيء للواجب جلّ مجده فعلّته لا بدّ و أن يكون هو سبحانه،فيلزم أن يكون فاعلا و قابلا تعالى عن ذلك علوّا كبيرا.و لعمري انّ هذا الحكم يشمل الوجود العام و غيره من الأحكام!.
[وجه انّه لا يجري عليه تعالى الحركة و السكون] لا يجري عليه الحركة و السّكون.و كيف يجري عليه ما هو اجراه،او يعود إليه ما هو ابتداه؟!
حقيقة الحركة،هو التغيّر،و السكون عدمه عمّا من شأنه ذلك،و استعمال الجريان الّذي هو بمعنى السّيلان مع الحركة من كمال البلاغة.و استدلّ على ذلك بوجوه: الأوّل، انّه سبحانه فاعل الحركة و مجريها إذ الحركة لا بدّ لها من محرّك و قد ثبت انتهاء المحرّكات إلى محرّك لا محرّك فوقه،فكيف يجري عليه الحركة لاستلزام كون شيء واحد بسيط‍ فاعلا و قابلا و أنّى يوصف هو عزّ شأنه بخلقه؟!.
الثاني، انّه قد ثبت انّ الحركة ابتدأت منه سبحانه،فهو مبدأ الحركة،و هي ممّا لا بدّ لها من موضوع يقوم به،و من نهاية ينتهي إليها،فالموضوع بمنزلة الوسط‍ لصورة الحركة فلو عادت إليه الحركة بأن يصير موضوعا لها،لكان لا يتميّز المبدأ من الوسط‍ و هو شنيع.
إذا لتفاوتت ذاته و لتجزّأ كنهه
هذا إشارة إلى الدّليل الثالث و الرّابع:
بيان الثالث،إنّ الحركة،هو التغيّر و السّيلان و المتحرّك لا بدّ و أن يتغيّر من حال إلى حال فيختلف عليه الأحوال فيتفاوت الذات بحسب توارد الصّفات.
و بيان الرابع:إنّ المتحرّك لا بدّ أن يكون بالفعل من وجه و بالقوّة من جهة اخرى؛إذ الحركة كمال أوّل لما بالقوّة من جهة ما بالقوّة،فيلزم التجزّي من شيء بالفعل و من شيء بالقوّة.
و لامتنع من الأزل معناه
هذا هو الدليل الخامس و تقريره:إنّ الحركة هو التغيّر و التجدّد و ذلك يستلزم الحدوث إذ الحركة لا بدّ لها من فاعل و موضوع،فهي مسبوقة بهما،و الحدوث هو المسبوقيّة بالغير.
و لما كان للبارئ معنى غير المبروء
هذا هو الدّليل السّادس و تقريره:إنّ المخلوق هو المتحرّك؛إذ هو الذي خرج من قوّة الإمكان إلى فعليّة الوجوب،و من فقر النّقصان إلى غنى الكمال،فلو كان اللّه سبحانه يجري عليه الحركة بوجه من الوجوه لما كان فرق بينه و بين المخلوق.
و لو حدّ له وراء اذا،حدّ له امام.و لو التمس له التّمام اذا، لزمه النّقصان
يمكن أن تكون هاتان الفقرتان من وجوه التّنزيه و التقديس،و أن يكونا إشارتين إلى الدليل السّابع و الثّامن لنفي الحركة و هذا اظهر:
تقرير الاوّل: إنّ المتحرك لا بدّ له في حركته من أن يتخلّف ورائه شيئا، و يتوجّه إلى ما هو أمامه و مقصوده فكلّ ما يوجد له وراء يجب أن يوجد له حدّ آخر هو أمامه و إلاّ لزم وجود أحد المتقابلين بدون الآخر.و اللّه تعالى منزّه عن الحدود إذ الحدّ يستلزم التّركيب المشعر بالإمكان.
و تقرير الثاني: إنّ الحركة انما هي لتحصيل كمال و طلب منزلة لا يصل إليها الاّ بالحركة و كلّ طالب كمال يلزمه النقصان عن ذلك الكمال الّذي يطلبه و يلتمسه بالحركة،و النّقصان من لوازم الإمكان.
كيف يستحقّ الأزل من لا يمتنع من الحدث
هذا و ما بعده تأكيدات لما قبلها؛لأنه قد ظهر أن الحركة تستلزم الحدوث فكيف يكون الشيء الّذي لا يأبى من الحدوث مستحقّا للأزليّة؛إذ الحدوث
و الأزليّة ممّا لا يجتمعان لأنّهما نقيضان إذ الحدوث هو المسبوقيّة بالغير و الأزل هو اللاّمسبوقيّة.
و كيف ينشئ الأشياء من لا يمتنع الإنشاء
أي من إنشاء الغير إيّاه.و ذلك لأنّ الحركة بالمعنى الأعمّ-أي باصطلاح الإلهيّات هي الخروج من القوّة إلى الفعل سواء كان من العدم إلى الوجود أو من نقص إلى كمال-إنّما يكون بإنشاء الغير،لامتناع اتّحاد مبدأ الحركة و موضوعها؛فالإنشاء أيضا أعمّ من الإنشاء الابتدائي و الإنشاء الثانوي كما في قوله تعالى: ثُمَّ أَنْشَأْنٰاهُ خَلْقاً آخَرَ .و الذي يجري عليه الحركة،لا يأبى عن الإنشاء مطلقا فكيف هو ينشئ الأشياء؟!و ذلك لأنّه إنّما نشأ تذوّته و قوامه و وجوده من غيره فكلّ ما يفعل فانّما يفعل إمّا بذاته أو بصفة فيه،و كلّه من غيره، فكيف هو ينشئ شيئا؟!و بالجملة،فالمعلول إنّما هو كلّه من علّته على ما هو الحقّ في معنى العليّة،فلو فعل شيئا أو اقتضى أمرا فانّما ذلك من مذوّته و علّته التي هي محيطة به و قيّوم ذاته؛و هذا هو معنى«توحيد الأفعال».
اذا،لقامت فيه آية المصنوع و لتحوّل دليلا بعد ما كان مدلولا عليه
أي لو كان لا يمتنع من إنشاء الغير إيّاه و لو بوجه،لقامت فيه علامة المصنوعيّة ، فيصير دليلا على صانع؛و قد فرض أنّه مدلول عليه بكلّ دليل لتناهي العلل إليه و انتهاء الأسباب إلى ما لديه.
ليس في مجال القول حجّة
و«المجال»:محل الجولان.«الحجة»و«المحجّة»:جادّة الطريق.و إضافة«المجال» إلى«القول»،إمّا«لاميّة»،فيكون المراد به اللّسان أو«بيانيّة»فيكون المراد أنّ القول هو محلّ جولان المعاني؛أو المجال مصدر ميميّ،أي ليس في جولان القول طريقة يوصل إلى اللّه سبحانه،إذ القول إنّما ينبئ عن المعنى الّذي هو في النفس و لا يسع هو سبحانه في عقل و لا نفس حتّى يمكن أن يعبّر عنه تعالى.
[وجه انّ السؤال عنه لايجاب الاّ بمصنوعاته] و لا فى المسألة عنه جواب
قد عرفت انّ السّؤال عنه«بكيف؟»و«لم؟»و أمثالهما،يوجب التّشبيه و التّعليل و غيرهما.و أمّا السّؤال ب‍«ما»الحقيقيّة،فهو سؤال عن ذات الشيء و ذاتيّاته و اللّه سبحانه لا ذاتيّ له و لا يوصل إلى ذاته فكيف يجاب عنه.فالجواب عنه إنّما هو بمصنوعاته كما سلك الخليل و الكليم على نبيّنا و آله و عليهما الصّلاة و السّلام حيث قال الخليل عليه السلام حين سئل عنه: رَبِّيَ اَلَّذِي يُحْيِي وَ يُمِيتُ و فَإِنَّ اَللّٰهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ اَلْمَشْرِقِ و قال الكليم عليه السلام حين سئل عنه فرعون: وَ مٰا رَبُّ اَلْعٰالَمِينَ `قٰالَ رَبُّ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ مٰا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ `قٰالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لاٰ تَسْتَمِعُونَ `قٰالَ رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبٰائِكُمُ اَلْأَوَّلِينَ `قٰالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ اَلَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ `قٰالَ رَبُّ اَلْمَشْرِقِ وَ اَلْمَغْرِبِ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ قيل:انّ فرعون كان عارفا بالمنطق فلمّا سئل عن الحقيقة و اجيب بالأفعال،حكم بالجنون لعدم مطابقة الجواب السّؤال على زعمه و غفل انّ موسى عليه السّلام،إنّما نبّه بذلك على أن لا وصول إلى معرفته ،و لا مطمح للعقول إلى إدراكه ،سوى انّه
ربّ العالمين و مبدأ الخلائق أجمعين.
و لا في معناه للّه تعظيم
أي لو قيل فيه كلّ قول شريف عظيم المرام،و اجيب عنه بكلّ جواب لطيف يليق بالكرام،فليس في معنى هذا القول و لا في مغزى ذلك الجواب للّه تعظيم؛إذ هو سبحانه أعظم من كلّ ما يتصوّر بلا نهاية و أجلّ من أن يحيط‍ به العقول الناقصة.
[وجه انّه ليس في إبانته تعالى عن الخلق ظلم] و لا في إبانته عن الخلق ضيم إلاّ بامتناع الأزليّ ان يثنّى و لا بدء له ان يبدأ
«الضّيم»:الظّلم و ضامه حقّه:نقصه.كذا في القاموس.أي ليس في إبانته سبحانه عن الخلق بكونه أزليّا،ظلم من اللّه سبحانه على خلقه و تنقيص إيّاه عن حقّه؛إذ الظّلم إنّما يمكن لو قبل طباع الإمكان الأزليّة و ذلك مستحيل إذ الإمكان هو القوّة على قبول الأنوار الإلهية و ذلك يستلزم المسبوقية.
و أيضا،نفس الأزليّة تأبى عن الأثنوة إذ الواحد متقدّم بالطّبع على الاثنين؛هذا من جانب الممكن و ظرف الأزل؛و أمّا من جهته سبحانه فهو أيضا لا يمكن أن يكون هو في مرتبة الخلق إذ قد فرض انّه مبدأ المبادئ و لا بدء له قبله.فكيف يمكن أن يكون هو في مرتبة الخلق بأن لا يكون أزليّا،فليس في تلك الإبانة-بأن صار هو أزليّا لا شيء معه في ديمومته ،و صار الخلق حادثا مسبوقا بعدم نفسه-
وقوع ظلم و إيقاع للشيء غير موقعه و ليس ذلك إلاّ بامتناع الأزليّة عن التثنية. و لأجل انّ اللّه الّذي لا بدء له يمتنع أن يكون له مبدأ فالاستثناء مفرّغ و قوله«لا بدء» عطف على«الأزليّ»أي بامتناع الشيء الّذي لا بدء له ان يبدأ أي أن يكون له مبدأ.و في بعض النسخ بدل«لا»،لفظة«لما»فيكون«يبدئ»بمعنى يصير مبدأ فحينئذ إشارة إلى انّ الممكن الّذي له بدء يمتنع أن يكون مبدأ ليس له ابتداء إذ طباع الإمكان كما قلنا يأبى عن المبدئية و الأزليّة.و ظنّي أنّ«لما»(المجرورة)، ينبغي أن يكون نسخة جمع مع«لا» ؛فتدبّر.
لا إله الاّ اللّه العليّ العظيم كذب العادلون باللّه و ضلّوا ضلالا بعيدا و خسروا خسرانا مبينا و صلّى اللّه على محمّد النّبيّ و آله الطّيبين الطّاهرين
لمّا ذكر الدّليل على تقدّس الأحديّة عن اتّخاذ الشريك و السهيم في شيء من الأشياء ناسب ذلك التهليل؛ثم أشار إلى انّ حقّ معرفة اللّه هو ما أفاده عليه السّلام في تلك الخطبة الرّفيعة و كلّ من عدل عن ذلك فهو عادل باللّه ربّ العالمين و كان من الضّالّين الخاسرين.و الحمد للّه على إنعامه و له الشّكر على إكرامه.

divider