شناسه حدیث :  ۱۱۹۲۸۴

  |  

نشانی :  الکافي  ,  جلد۸  ,  صفحه۳۸۶  

عنوان باب :   الجزء الثامن كِتَابُ اَلرَّوْضَةِ خُطْبَةٌ لِأَمِيرِ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ

معصوم :   امیرالمؤمنین (علیه السلام)

أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ اَلْمُنْذِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ اَلْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ [وَ رَوَاهَا غَيْرُهُ بِغَيْرِ هَذَا اَلْإِسْنَادِ وَ ذَكَرَ أَنَّهُ خَطَبَ بِذِي قَارٍ ] فَحَمِدَ اَللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اَللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّداً صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ بِالْحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ عِبَادِهِ إِلَى عِبَادَتِهِ وَ مِنْ عُهُودِ عِبَادِهِ إِلَى عُهُودِهِ وَ مِنْ طَاعَةِ عِبَادِهِ إِلَى طَاعَتِهِ وَ مِنْ وَلاَيَةِ عِبَادِهِ إِلَى وَلاَيَتِهِ «بَشِيراً وَ نَذِيراً» «وَ دٰاعِياً إِلَى اَللّٰهِ بِإِذْنِهِ وَ سِرٰاجاً مُنِيراً» عَوْداً وَ بَدْءاً وَ عُذْراً وَ نُذْراً بِحُكْمٍ قَدْ فَصَّلَهُ وَ تَفْصِيلٍ قَدْ أَحْكَمَهُ وَ فُرْقَانٍ قَدْ فَرَقَهُ وَ قُرْآنٍ قَدْ بَيَّنَهُ لِيَعْلَمَ اَلْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ وَ لِيُقِرُّوا بِهِ إِذْ جَحَدُوهُ وَ لِيُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ فَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ فَأَرَاهُمْ حِلْمَهُ كَيْفَ حَلُمَ وَ أَرَاهُمْ عَفْوَهُ كَيْفَ عَفَا وَ أَرَاهُمْ قُدْرَتَهُ كَيْفَ قَدَرَ وَ خَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ وَ كَيْفَ خَلَقَ مَا خَلَقَ مِنَ اَلْآيَاتِ وَ كَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ مِنَ اَلْعُصَاةِ بِالْمَثُلاَتِ وَ اِحْتَصَدَ مَنِ اِحْتَصَدَ بِالنَّقِمَاتِ وَ كَيْفَ رَزَقَ وَ هَدَى وَ أَعْطَى وَ أَرَاهُمْ حُكْمَهُ كَيْفَ حَكَمَ وَ صَبَرَ حَتَّى يَسْمَعَ مَا يَسْمَعُ وَ يَرَى فَبَعَثَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مُحَمَّداً صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ بِذَلِكَ ثُمَّ إِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي زَمَانٌ لَيْسَ فِي ذَلِكَ اَلزَّمَانِ شَيْءٌ أَخْفَى مِنَ اَلْحَقِّ وَ لاَ أَظْهَرَ مِنَ اَلْبَاطِلِ وَ لاَ أَكْثَرَ مِنَ اَلْكَذِبِ عَلَى اَللَّهِ تَعَالَى وَ رَسُولِهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ اَلزَّمَانِ سِلْعَةٌ أَبْوَرَ مِنَ اَلْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلاَوَتِهِ وَ لاَ سِلْعَةٌ أَنْفَقَ بَيْعاً وَ لاَ أَغْلَى ثَمَناً مِنَ اَلْكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَ لَيْسَ فِي اَلْعِبَادِ وَ لاَ فِي اَلْبِلاَدِ شَيْءٌ هُوَ أَنْكَرَ مِنَ اَلْمَعْرُوفِ وَ لاَ أَعْرَفَ مِنَ اَلْمُنْكَرِ وَ لَيْسَ فِيهَا فَاحِشَةٌ أَنْكَرَ وَ لاَ عُقُوبَةٌ أَنْكَى مِنَ اَلْهُدَى عِنْدَ اَلضَّلاَلِ فِي ذَلِكَ اَلزَّمَانِ فَقَدْ نَبَذَ اَلْكِتَابَ حَمَلَتُهُ وَ تَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ حَتَّى تَمَالَتْ بِهِمُ اَلْأَهْوَاءُ وَ تَوَارَثُوا ذَلِكَ مِنَ اَلْآبَاءِ وَ عَمِلُوا بِتَحْرِيفِ اَلْكِتَابِ كَذِباً وَ تَكْذِيباً فَبَاعُوهُ بِالْبَخْسِ «وَ كٰانُوا فِيهِ مِنَ اَلزّٰاهِدِينَ » ، - فَالْكِتَابُ وَ أَهْلُ اَلْكِتَابِ فِي ذَلِكَ اَلزَّمَانِ طَرِيدَانِ مَنْفِيَّانِ وَ صَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ لاَ يَأْوِيهِمَا مُؤْوٍ فَحَبَّذَا ذَانِكَ اَلصَّاحِبَانِ وَاهاً لَهُمَا وَ لِمَا يَعْمَلاَنِ لَهُ فَالْكِتَابُ وَ أَهْلُ اَلْكِتَابِ فِي ذَلِكَ اَلزَّمَانِ فِي اَلنَّاسِ وَ لَيْسُوا فِيهِمْ وَ مَعَهُمْ وَ لَيْسُوا مَعَهُمْ وَ ذَلِكَ لِأَنَّ اَلضَّلاَلَةَ لاَ تُوَافِقُ اَلْهُدَى وَ إِنِ اِجْتَمَعَا وَ قَدِ اِجْتَمَعَ اَلْقَوْمُ عَلَى اَلْفُرْقَةِ وَ اِفْتَرَقُوا عَنِ اَلْجَمَاعَةِ قَدْ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ وَ أَمْرَ دِينِهِمْ مَنْ يَعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَكْرِ وَ اَلْمُنْكَرِ وَ اَلرِّشَا وَ اَلْقَتْلِ كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ اَلْكِتَابِ وَ لَيْسَ اَلْكِتَابُ إِمَامَهُمْ لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنَ اَلْحَقِّ إِلاَّ اِسْمُهُ وَ لَمْ يَعْرِفُوا مِنَ اَلْكِتَابِ إِلاَّ خَطَّهُ وَ زَبْرَهُ يَدْخُلُ اَلدَّاخِلُ لِمَا يَسْمَعُ مِنْ حِكَمِ اَلْقُرْآنِ فَلاَ يَطْمَئِنُّ جَالِساً حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ اَلدِّينِ يَنْتَقِلُ مِنْ دِينِ مَلِكٍ إِلَى دِينِ مَلِكٍ وَ مِنْ وَلاَيَةِ مَلِكٍ إِلَى وَلاَيَةِ مَلِكٍ وَ مِنْ طَاعَةِ مَلِكٍ إِلَى طَاعَةِ مَلِكٍ وَ مِنْ عُهُودِ مَلِكٍ إِلَى عُهُودِ مَلِكٍ فَاسْتَدْرَجَهُمُ اَللَّهُ تَعَالَى «مِنْ حَيْثُ لاٰ يَعْلَمُونَ » وَ إِنَّ كَيْدَهُ مَتِينٌ بِالْأَمَلِ وَ اَلرَّجَاءِ حَتَّى تَوَالَدُوا فِي اَلْمَعْصِيَةِ وَ دَانُوا بِالْجَوْرِ وَ اَلْكِتَابُ لَمْ يَضْرِبْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ صَفْحاً ضُلاَّلاً تَائِهِينَ قَدْ دَانُوا بِغَيْرِ دِينِ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَدَانُوا لِغَيْرِ اَللَّهِ مَسَاجِدُهُمْ فِي ذَلِكَ اَلزَّمَانِ عَامِرَةٌ مِنَ اَلضَّلاَلَةِ خَرِبَةٌ مِنَ اَلْهُدَى قَدْ بُدِّلَ فِيهَا مِنَ اَلْهُدَى فَقُرَّاؤُهَا وَ عُمَّارُهَا أَخَائِبُ خَلْقِ اَللَّهِ وَ خَلِيقَتِهِ مِنْ عِنْدِهِمْ جَرَتِ اَلضَّلاَلَةُ وَ إِلَيْهِمْ تَعُودُ فَحُضُورُ مَسَاجِدِهِمْ وَ اَلْمَشْيُ إِلَيْهَا كُفْرٌ بِاللَّهِ اَلْعَظِيمِ إِلاَّ مَنْ مَشَى إِلَيْهَا وَ هُوَ عَارِفٌ بِضَلاَلِهِمْ فَصَارَتْ مَسَاجِدُهُمْ مِنْ فِعَالِهِمْ عَلَى ذَلِكَ اَلنَّحْوِ خَرِبَةً مِنَ اَلْهُدَى عَامِرَةً مِنَ اَلضَّلاَلَةِ قَدْ بُدِّلَتْ سُنَّةُ اَللَّهِ وَ تُعُدِّيَتْ حُدُودُهُ وَ لاَ يَدْعُونَ إِلَى اَلْهُدَى وَ لاَ يَقْسِمُونَ اَلْفَيْءَ وَ لاَ يُوفُونَ بِذِمَّةٍ يَدْعُونَ اَلْقَتِيلَ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ شَهِيداً قَدْ أَتَوُا اَللَّهَ بِالاِفْتِرَاءِ وَ اَلْجُحُودِ وَ اِسْتَغْنَوْا بِالْجَهْلِ عَنِ اَلْعِلْمِ وَ مِنْ قَبْلُ مَا مَثَّلُوا بِالصَّالِحِينَ كُلَّ مُثْلَةٍ وَ سَمَّوْا صِدْقَهُمْ عَلَى اَللَّهِ فِرْيَةً وَ جَعَلُوا فِي اَلْحَسَنَةِ اَلْعُقُوبَةَ اَلسَّيِّئَةَ وَ قَدْ بَعَثَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْكُمْ رَسُولاً «مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مٰا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ » صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَاباً عَزِيزاً «لاٰ يَأْتِيهِ اَلْبٰاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاٰ مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ » «قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ » «لِيُنْذِرَ مَنْ كٰانَ حَيًّا وَ يَحِقَّ اَلْقَوْلُ عَلَى اَلْكٰافِرِينَ » فَلاَ يُلْهِيَنَّكُمُ اَلْأَمَلُ وَ لاَ يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ اَلْأَجَلُ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَمَدُ أَمَلِهِمْ وَ تَغْطِيَةُ اَلْآجَالِ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِهِمُ اَلْمَوْعُودُ اَلَّذِي تُرَدُّ عَنْهُ اَلْمَعْذِرَةُ وَ تُرْفَعُ عَنْهُ اَلتَّوْبَةُ وَ تَحُلُّ مَعَهُ اَلْقَارِعَةُ وَ اَلنَّقِمَةُ وَ قَدْ أَبْلَغَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْكُمْ بِالْوَعْدِ وَ فَصَّلَ لَكُمُ اَلْقَوْلَ وَ عَلَّمَكُمُ اَلسُّنَّةَ وَ شَرَحَ لَكُمُ اَلْمَنَاهِجَ لِيُزِيحَ اَلْعِلَّةَ وَ حَثَّ عَلَى اَلذِّكْرِ وَ دَلَّ عَلَى اَلنَّجَاةِ وَ إِنَّهُ مَنِ اِنْتَصَحَ لِلَّهِ وَ اِتَّخَذَ قَوْلَهُ دَلِيلاً هَدَاهُ «لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ » وَ وَفَّقَهُ لِلرَّشَادِ وَ سَدَّدَهُ وَ يَسَّرَهُ لِلْحُسْنَى فَإِنَّ جَارَ اَللَّهِ آمِنٌ مَحْفُوظٌ وَ عَدُوَّهُ خَائِفٌ مَغْرُورٌ فَاحْتَرِسُوا مِنَ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِكَثْرَةِ اَلذِّكْرِ وَ اِخْشَوْا مِنْهُ بِالتُّقَى وَ تَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ فَإِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ قَالَ اَللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: «وَ إِذٰا سَأَلَكَ عِبٰادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ اَلدّٰاعِ إِذٰا دَعٰانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ » فَاسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ آمِنُوا بِهِ وَ عَظِّمُوا اَللَّهَ اَلَّذِي لاَ يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اَللَّهِ أَنْ يَتَعَظَّمَ فَإِنَّ رِفْعَةَ اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا عَظَمَةُ اَللَّهِ أَنْ يَتَوَاضَعُوا لَهُ وَ عِزَّ اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا جَلاَلُ اَللَّهِ أَنْ يَذِلُّوا لَهُ وَ سَلاَمَةَ اَلَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا قُدْرَةُ اَللَّهِ أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لَهُ فَلاَ يُنْكِرُونَ أَنْفُسَهُمْ بَعْدَ حَدِّ اَلْمَعْرِفَةِ وَ لاَ يَضِلُّونَ بَعْدَ اَلْهُدَى فَلاَ تَنْفِرُوا مِنَ اَلْحَقِّ نِفَارَ اَلصَّحِيحِ مِنَ اَلْأَجْرَبِ وَ اَلْبَارِئِ مِنْ ذِي اَلسُّقْمِ وَ اِعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا اَلرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا اَلَّذِي تَرَكَهُ وَ لَمْ تَأْخُذُوا بِمِيثَاقِ اَلْكِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا اَلَّذِي نَقَضَهُ وَ لَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا اَلَّذِي نَبَذَهُ وَ لَنْ تَتْلُوا اَلْكِتَابَ حَقَّ تِلاَوَتِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا اَلَّذِي حَرَّفَهُ وَ لَنْ تَعْرِفُوا اَلضَّلاَلَةَ حَتَّى تَعْرِفُوا اَلْهُدَى وَ لَنْ تَعْرِفُوا اَلتَّقْوَى حَتَّى تَعْرِفُوا اَلَّذِي تَعَدَّى فَإِذَا عَرَفْتُمْ ذَلِكَ عَرَفْتُمُ اَلْبِدَعَ وَ اَلتَّكَلُّفَ وَ رَأَيْتُمُ اَلْفِرْيَةَ عَلَى اَللَّهِ وَ عَلَى رَسُولِهِ وَ اَلتَّحْرِيفَ لِكِتَابِهِ وَ رَأَيْتُمْ كَيْفَ هَدَى اَللَّهُ مَنْ هَدَى فَلاَ يُجْهِلَنَّكُمُ اَلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّ عِلْمَ اَلْقُرْآنِ لَيْسَ يَعْلَمُ مَا هُوَ إِلاَّ مَنْ ذَاقَ طَعْمَهُ فَعُلِّمَ بِالْعِلْمِ جَهْلَهُ وَ بُصِّرَ بِهِ عَمَاهُ وَ سُمِّعَ بِهِ صَمَمَهُ وَ أَدْرَكَ بِهِ عِلْمَ مَا فَاتَ وَ حَيِيَ بِهِ بَعْدَ إِذْ مَاتَ وَ أَثْبَتَ عِنْدَ اَللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ اَلْحَسَنَاتِ وَ مَحَا بِهِ اَلسَّيِّئَاتِ وَ أَدْرَكَ بِهِ رِضْوَاناً مِنَ اَللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَاطْلُبُوا ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ خَاصَّةً فَإِنَّهُمْ خَاصَّةً نُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ وَ أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِهِمْ وَ هُمْ عَيْشُ اَلْعِلْمِ وَ مَوْتُ اَلْجَهْلِ هُمُ اَلَّذِينَ يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ وَ صَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ وَ ظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ لاَ يُخَالِفُونَ اَلدِّينَ وَ لاَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ وَ صَامِتٌ نَاطِقٌ فَهُمْ مِنْ شَأْنِهِمْ شُهَدَاءُ بِالْحَقِّ وَ مُخْبِرٌ صَادِقٌ لاَ يُخَالِفُونَ اَلْحَقَّ وَ لاَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ قَدْ خَلَتْ لَهُمْ مِنَ اَللَّهِ اَلسَّابِقَةُ وَ مَضَى فِيهِمْ مِنَ اَللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حُكْمٌ صَادِقٌ وَ فِي ذَلِكَ «ذِكْرىٰ لِلذّٰاكِرِينَ » فَاعْقِلُوا اَلْحَقَّ إِذَا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَةٍ وَ لاَ تَعْقِلُوهُ عَقْلَ رِوَايَةٍ فَإِنَّ رُوَاةَ اَلْكِتَابِ كَثِيرٌ وَ رُعَاتَهُ قَلِيلٌ «وَ اَللّٰهُ اَلْمُسْتَعٰانُ» .
زبان شرح:

البضاعة المزجاة ; ج ۴  ص ۴۱۳

شرح
السند مجهول.
قوله:(بذي قار) .
في القاموس:«ذو قار:اسم موضع بين الكوفة وواسط‍» . و قوله:(بالحقّ) هو كلّ ما اُوحي إليه وجاء به، أو القرآن، أو هداية الخلق وإرشادهم.
(ليخرج عباده من عبادة عباده إلى عبادته) .
المستتر في«يخرج» راجع إلى اللّٰه تعالى، أو إلى محمّد صلى الله عليه و آله. والأوّل أنسب بالسياق، والفرض أنّ الخلق قبل بعثته صلى الله عليه و آله كانوا يعبدون غيره تعالى كعزير وعيسى والملائكة والشمس والقمر والأصنام أيضاً تغليباً، أو يتّبعون الشياطين والطواغيت، كقوله عزّ وجلّ: «لاٰ تَعْبُدُوا اَلشَّيْطٰانَ ».
وفي النهج:«من عبادة الأوثان إلى عبادته، ومن طاعة الشيطان إلى طاعته» .
(ومن عهود عباده إلى عهوده) .
العهد:الوصيّة، والأمان، والذمّة، والحفاظ‍، ورعاية الحرمة. ولعلّ المراد بعهود العباد ما قرّروه بينهم وتعاهدوا عليه ممّا فيه سخط‍ الربّ - تبارك وتعالى - كعهود الاُمراء والسلاطين من أهل الجور، أو الشياطين، أو المضلّين، ويعهد اللّٰه - عزّ وجلّ - كلّ ما قرّره عليهم ممّا فيه رضاه تعالى.
(ومن طاعة عباده إلى طاعته) .
قيل:لعلّ المراد بطاعة العباد الانقياد لهم فيما لا يجوز عقلاً [ونقلاً]، وبطاعته تعالى الانقياد والتسليم له في كلّ ما أراد منهم .
(ومن ولاية عباده إلى ولايته) .
لعلّ المراد بولاية العباد محبّة الكفّار والفاسقين من حيث الكفر والفسق أو نصرتهم، وبولايته تعالى محبّته ومحبّة أوليائه أو نصرتهم؛ فإنّ الشرع نهى عن بعض الولايات وأمر ببعضها.
(وداعياً إلى اللّٰه) أي إلى الإقرار به، وبتوحيده، وما يجب الإيمان به من صفاته.
(بإذنه) .
الإذن:العلم، والإباحة، وقد فسّر بالأمر والوحي والتيسير.
(وسراجاً منيراً) أي مضيئاً مستضاء به عن ظلمات الجهالة.
وهذه الفقرات إشارة إلى قوله عزّ وجلّ: «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِنّٰا أَرْسَلْنٰاكَ شٰاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً * `وَ دٰاعِياً إِلَى اَللّٰهِ بِإِذْنِهِ وَ سِرٰاجاً مُنِيراً» .
(عوداً وبدءاً) منصوبان على الظرفيّة، أو الحاليّة، أو التميز.
وعلى التقادير يحتمل تعلّقهما بكلّ من البشارة والإنذار والدعوة إلى اللّٰه وكونه سراجاً منيراً، أو بالجميع، أي هو كذلك أوّلاً وآخراً وفي جميع الأحوال، أو بادئاً وعائذاً.
قال الفيروزآبادي:«رجع عوده على بدئه، وفي عوده وبدئه، وفي عودته وبدأته، وعوداً وبدءاً، أي في الطريق الذي جاء منه» انتهى.
وقيل:معناه أنّه صلى الله عليه و آله كان بهذين الوصفين في حال عوده إلى اللّٰه، وابتداء وجوده من اللّٰه، فبنوره اهتدى من اهتدى في الدُّنيا، ونجا من نجا في العقبى . وقيل:أي قبل هجرته عن مكّة وبعد عوده إليها .
وقيل:يعني عوده إلى الدعوة بعدما بدأ فيها، والمراد تكرير الدعوة .
(عُذراً ونذراً) .
قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى: «عُذْراً أَوْ نُذْراً» :
مصدران لعذر إذا محا الإساءة، وأنذر إذا خوّف، أو جمعان لعذير بمعنى المعذرة ونذير بمعنى الإنذار، أو بمعنى العاذر والمنذر، ونصبهما على الأوّلين بالعلّيّة، أي عذراً للمحقّين أو نذراً للمبطلين، أو البدليّة من ذكراً، وعلى الثالث بالحاليّة . أقول:يحتمل هنا نصبهما على العلّيّة من قوله:بعث، أو الحاليّة من فاعله، ويمكن أن يُراد بالأوّل أنّه بعثه لأجل أن يكون له عذراً في عقوبتهم وتعذيبهم، قال اللّٰه عزّ وجلّ: «وَ مٰا كُنّٰا مُعَذِّبِينَ حَتّٰى نَبْعَثَ رَسُولاً» .
و قوله عليه السلام:(بحكم قد فصّله) متعلّق بالبعث.
والمراد بالحكم ما يعمّ الشرعيّة والوضعيّة، وبتفصيله بيانه وإيضاحه بحيث يكون رافعاً للاشتباه. والحاصل أنّه تعالى بعثه مع أحكام مفصّلة بيّنة.
(وتفصيل قد أحكمه) أي أتقنه على وجه لا يجوز تبديله، ولا أن يقال:خلافه أحسن منه.
وقيل:لعلّ التفصيل إشارة إلى أنواع الفقه مثل العبادات والعقود وغيرها .
(وفرقان قد فرقه) .
الفرقان في الأصل مصدر فرق بين الشيئين:إذا فصل بينهما، سمّي به القرآن لفصله بين الحقّ والباطل بتقريره، أو المحقّ والمبطل بإعجازه، أو لكونه مفصولاً بعضه عن بعض في الإنزال.
(ولعلّ) معنى«فرقه» بالتخفيف أنّه تعالى نزّله منجّماً، أو فرق فيه الحقّ من الباطل، أو بالتشديد مبالغة في كثرة نجومه؛ فإنّه نزل في تضاعيف عشرين سنة ليكون أيسر للحفظ‍ وأعون في الفهم، ويحتمل أن يُراد بالتفريق تعليقه بالأحكام المتفرّقة.
(وقرآن قد بيّنه) أي أوضح ظاهره، بل باطنه أيضاً لأهله، وعرّف محكمه ومتشابهه ومطلقه ومقيّده وعامّه وخاصّه وسائر ما فيه.
(ليعلم العباد ربّهم إذ جهلوه) تعليل للبعث.
وقيل:في ذكر الربّ توبيخ لهم على الغفلة؛ إذ جهل المربوب بربّه دليل واضح على حمقه .
(وليقرّوا به إذ جحدوه) .
قال الفيروزآبادي:«الإقرار:الإذعان للحقّ» . وقال:«جحده حقّه وبحقّه - كمنعه - جحداً وجحوداً:أنكره مع علمه» .
(وليثبتوه بعد إذ أنكروه) .
في القاموس:«أثبته:عرفه حقّ المعرفة» . وفيه:«أنكره، أي جهله» . وقيل:الظاهر أنّ المراد بالعلم هنا العلم التصوّري، وبالإقرار التصديق بوجوده، وبالإثبات الإقرار بوجوده لساناً، ففيه إشعار بأنّ العباد قبل البعثة لكونهم داخلين في الجهالة لم يدخل في قلوبهم تصوّر الصانع فضلاً عن الآخرين.
ويحتمل أن يُراد بالعلم العلم لصفاته، وبالإقرار التصديق بوجود ذاته، وبالإثبات إثباتهما على نحو ما نطقت به [السنّة و] الشرع؛ إذ بمجرّد معرفة الذات والصفات بدون معرفة وجه الارتباط‍ بينهما لا يتحقّق معرفة الصانع والتوحيد المطلق .
(فتجلّى لهم سبحانه في كتابه) أي ظهر وانكشف لهم في القرآن.
(من غير أن يكونوا رأوه) بالبصر، بل بما ينبّههم عليه في كتابه من قصص الأوّلين وما حلَّ بهم من النقمات بمخالفة الرسل ومن يحذو حذوهم، كما سينبّه عليه، وتحقيقه ما ذكره بعض المحقّقين من أنّ معناه انكشف لهم في كتابه عن الحجب المظلمة الطبيعيّة
من غير أن يروه بالرؤية العينيّة؛ لأنّها عليه محال، بل ظهر فيه بسبب إظهار عظمته المطلقة وقدرته الكاملة وحكمته البالغة بذكر إيجاد الكائنات بعبارات شريفة ومعاني لطيفة متّصفة بالإيجاز والإعجاز . والحاصل:أنّه عليه السلام أشار إلى ظهوره تعالى لهم في تذكيره إيّاهم في كتابه ما أراهم من عجائب مصنوعاته، وبما خوّفهم به من وعيده، وبتذكيرهم أنّه كيف محق القرون الماضية بالنقمات واحتصدهم بالعقوبات، كلّ ذلك عبارة عن ظهوره وجلائه تعالى لخلقه من غير رؤية له بإدراك الحواسّ.
ونقل عن بعض الفضلاء أنّه قال:يحتمل أن يريد بتجلّيه في كتابه ظهوره في عجائب مصنوعاته ومكوّناته، ويكون لفظ‍ الكتاب استعارة في العالم .
(فأراهم حلمه كيف حلم) .
الفاء لتفصيل مراتب تجلّياته تعالى في كتابه. والحِلم - بالكسر -:الأناة، والعقل. وقد حلم ككرم.
وقيل:حلمه تعالى عن عقوبة العبد مع استحقاقه لها إمّا لعلمه بأنّه سيرجع، أو بأنّه سيولد منه مؤمن، أو لاستدراجه .
(وأراهم عفوه كيف عفا) عن ذنوبهم بالتوبة، أو الدعاء، أو الشفاعة، أو بدونها تفضّلاً في الجملة.
(وأراهم قدرته) أي آثارها.
(كيف قدر) على الممكنات وإيجادها وإبقاءها وإفنائها بمجرّد إرادة من غير رؤية وآلة.
(وخوّفهم من سطوته) عطف على«أراهم»، وعطفه على«قدر» بعيد.
قال الفيروزآبادي:«سطا عليه وبه سطواً وسطوة:صال، أو قهر بالبطش» .
(وكيف محق من محق من العصاة) كقوم نوح وعاد وثمود.
وقال الجوهري:«محقه يمحقه محقاً، أي أبطله ومحاه» .
(بالمثلات) .
قال الجوهري:«المثلة - بفتح الميم وضمّ الثاء -:العقوبة، الجمع:المثلات» .
(واحتصد من احتصد) أي أهلكهم واستأصلهم.
قال الفيروزآبادي:«حصد الزرع والنبات حصداً وحصاداً:قطعه بالمنجل، كاحتصده» .
(بالنقمات) .
قال الجوهري:
انتقم اللّٰه منه، أي عاقبه. والاسم منه:النقمة، والجمع:نقمات. ونقم مثل كلمة وكلمات وكلم، وإن شئت سكّنت القاف ونقلت حركتها إلى النون، فقلت:نقمة، والجمع:نقم، مثل نعمة ونِعَمْ .
(وكيف رزق وهدى) إلى سبيل الرزق، أو طريق الحقّ أيضاً.
(وأعطى) كلّ شيء خلقه وكماله اللّائق به.
(وأراهم حكمه، كيف حكم) .
في بعض النسخ القديمة:«حلمه كيف حلم» هنا، وفي السابق:«حكمه كيف حكم»، أي أراهم بما ركز فيهم من البصيرة العقليّة أنّ حكمه في كلّ شيء نافذ بلا مانع بمجرّد الإرادة والقضاء، فلا يشكل عليه شيء من حيث الإيجاد والإفناء.
(وصبر حتّى يسمع ما يسمع ويرى) من الأقوال الكاذبة، والأعمال الخاطئة القبيحة، والأخلاق الذميمة، ونحوها.
(فبعث اللّٰه - عزّ وجلّ - محمّداً صلى الله عليه و آله بذلك) .
هذا كالتأكيد للسابق، وذلك إشارة إلى الحقّ.
(ثمّ إنّه سيأتي عليكم من بعدي زمان) كزمان استيلاء بني اُميّة وبني العبّاس وأضرابهم.
(وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور) ؛ على صيغة أفعل التفضيل من البَور والبوار، وهو
كساد السوق. والسِلعة - بالكسر -:المتاع ما يتّجر به.
(من الكتاب إذا تُليَ حقّ تلاوته) .
لعلّ المراد بحقّ التلاوة رعاية لفظه ومعناه جميعاً، والعمل بأحكامه، والاتّعاظ‍ بمواعظه، والانزجار عن زواجره.
(ولا سلعة أنفق بيعاً) .
قال الجوهري:«نفق البيع نفاقاً - بالفتح - أي راج» .
(ولا أغلى ثمناً) أي أعلى قيمة.
(من الكتاب إذا حرّف من مواضعه) .
تحريف الكلام عن مواضعه تغييره وصرفه.
ونكيت العدوّ - كرميت - نكايةً بالكسر:إذا أكثرت فيهم الجراح أو القتل، فوهنوا لذلك، أو من النكاء بالهمز واللّام؛ يُقال:نكأ القرحة - كمنع -:قشرها قبل أن تبرأ، فنديت، والعدوّ نكاهم.
وعلى أيّ تقدير المراد أنّ الهدى في ذلك الزمان أشدّ عقوبة مؤلمة.
والظاهر أنّ قوله عليه السلام: (عند الضلال) بالضمّ وتشديد اللّام جمع الضالّ، ويحتمل أن يكون بالفتح والتخفيف على صيغة المصدر.
(فقد نبذ الكتاب حملته) جمع الحامل، أي ألقوه من أيديهم.
(وتناساه حفظته) .
قال الجوهري:«تناساه:أرى من نفسه أنّه نسيه» .
(حتّى تمالت بهم الأهواء) .
في بعض النسخ القديمة:«تمايلت» وهو أظهر، أي أمالتهم الأهواء والشهوات إلى الباطل.
وفي بعضها:«غالت» بالغين المعجمة أي أهلكت.
وفي بعضها بالعين المهملة، يقال:عال في الحكم، أي جار ومال. وعالني الشيء، أي
غلبني، وثقُل عليّ. وعال الأمر، أي اشتدّ وتفاقم.
ولعلّه على نسخة الأصل من التملية، أو التملّي.
قال الجوهري في الناقص:«ملّاك اللّٰه حبيبك، أي متّعك به، وأعاشك معه طويلاً. وتملّيت عمري:استمتعت منه» . أو من الملو، قال الفيروزآبادي:«ملا يملو مَلْواً، أي سار شديداً أو عدا» . والباء للتعدية، أي سيّرتهم الأهواء، وسارعت بهم إلى الضلالة.
وقيل:كأنّ«تمالت» أصله تمايلت بالنقل، كما في شاكي السلاح، ثمّ بالقلب والحذف، أو تمالأت بتخفيف الهمزة بمعنى تعاونت وتساعدت.
وقيل:يحتمل أن يكون بتشديد اللّام تفاعلاً من الملال، أي بالغوا في متابعة الأهواء حتّى كأنّها ملّت بهم.
(وتوارثوا ذلك من الآباء) أي أنّ ذلك المذكور من الخصال الذميمة والفِعال الكريهة شنشنةٌ اتّخذها الأبناء من الآباء، واستمرّ بهم أزمنة متطاولة.
(وعملوا بتحريف الكتاب كذباً) على اللّٰه ورسوله، وفي ادّعاء العلم به.
(وتكذيباً) للراسخين في العلم ومَن يحذو حذوهم من حَمَلَة الكتاب وحَفَظته.
(فباعوه بالبخس) أي بزخارف الدُّنيا الفانية الزائلة.
قال الجوهري:«البخس:الناقص. ومصدر بخسه حقّه، أي نقصه» .
(وكانوا فيه) أي في الكتاب.
(من الزاهدين) أي الراغبين عنه؛ لجهلهم بقدره ومنزلته.
والزهد:خلاف الرغبة، يُقال:زهد في الشيء وعن الشيء. فقوله:«فيه» متعلّق بالزاهدين؛ لأنّ متعلّق الصلة يتقدّم على الموصول، والظاهر أنّ الظرف ممّا يكفيه رائحة من الفعل، فلا مانع من تعلّقه به مطلقاً.
(فالكتاب وأهل الكتاب) أي حملته وحفظته، وهم أهل بيت العصمة عليهم السلام وشيعتهم.
(في ذلك الزمان) المذكور.
(طريدان منفيّان) .
الطرد:الإبعاد. والنفي:التنحية. ولعلّ المراد بالأوّل التنزّه عن المعاشرة، وبالثاني الانتفاء عن البلد، أو بالعكس. ويحتمل التأكيد، وقس عليه قوله: (وصاحبان مصطحبان) ؛ فإنّ الثاني إمّا تأكيد للأوّل، أو هو المعاشرة، والثاني المرافقة أو المحافظة؛ لأنّ كلّاً منهما يحفظ‍ الآخر عن الهلاك والضياع.
قال الفيروزآبادي:
صحبه - كسمعه - صحابة ويكسر، وصُحْبة:عاشره. وأصحبته الشيء:جعلته له صاحباً. وفلاناً:حفظه، كاصطحبه، ومنعه. والرجل:صار ذا صاحب .
(في طريق واحد) أي في طريق الحقّ، وهما على وتيرة واحدة في كونهما طريدين منفيّين.
(لا يأويهما مؤوٍ) أي لا ينزلهما أحد في منزله، أو لا يرقّ لهما ذو رقّة.
قال الجوهري:«آويته أنا إيواءاً:إذا أنزلته بك. وأويت لفلان، أي أرثى له وأرقّ» . وفي بعض النسخ:«لا يؤدّيهما مؤدّ».
وعلى التقديرين يكون كناية عن عدم الاهتمام بهما، وعدم الرجوع إليهما، وعدم المبالاة بتضييعهما.
(فحبّذا ذانك الصاحبان) .
قال الجوهري:
ولقد حببت - بالكسر - أي صرت حبيباً الأصمعي قولهم:حبّ بفلان معناه:ما أحبّه إليّ. قال الفرّاء:معناه:حُبُبَ بضمّ الباء، ثمّ اُسكنت واُدغمت في الثانية. ومنه قولهم: حبّذا زيد فحبّ، فعل ماض لا يتصرّف، وأصله:حبب، على ما قال الفرّاء، وذا فاعله، وهو اسم مبهم من أسماء الإشارة، جعلا شيئاً واحداً فصارا بمنزلة اسم يرفع ما بعده، وموضعه رفع بالابتداء، وزيد خبره، فلا يجوز أن يكون بدلاً من ذا؛ لأنّك
تقول:حبّذا امرأة، ولو كان بدلاً لقلت:حبّذة المرأة .
(واهاً لهما) .
قال الفيروزآبادي:«واهاً له - وبترك تنوينه -:كلمة تعجّب من كلّ شيء، وكلمة تلهّف» . وقال الجزري:
فيه:من ابتلي [فصبر] واهاً واهاً. قيل:معنى هذه الكلمة التلهّف، وقد توضع موضع الإعجاب بالشيء. يُقال:واهاً له. وقد ترِد بمعنى التوجّع، يُقال:فيه آهاً. ومنه إن يكن خيراً فواهاً واهاً، وإن يكن شرّاً فآهاً آهاً .
(ولما يعملان له) .
الموصول عبارة عن قرب الحقّ ومحبّته، والوصول إلى دار كرامته.
وفي كثير من النسخ المصحّحة:«لما يعمدان».
قال الجوهري:
عمدت للشيء، أعمد عمداً:قصدت له، أي تعمّدت، وهو نقيض الخط‍ء، وفعلت ذلك عمداً على عين وعمد عَين، أي بجدّ ويقين. وعمدت الشيء فانعمد، أي أقمته بعماد يعتمد عليه .
(فالكتاب وأهل الكتاب في ذلك الزمان في الناس) بحسب الشخص والجسم.
(وليسوا فيهم) بحسب القلب والعمل، والاتّصاف بالكمالات الروحانيّة. وقس عليه قوله عليه السلام:
(ومعهم وليسوا معهم) ؛ فإنّ المعيّة من حيث الخلطة والمعاشرة الظاهرة، ونفيها من حيث الاُلفة القلبيّة والاُنسة الباطنة، والإثبات في الموضعين من جهة والسلب من جهة اُخرى.
ثمّ أشار عليه السلام إلى دليل السّلب فقط‍؛ لاستغناء الإثبات عنه لظهوره، فقال: (وذلك لأنّ الضلالة لا توافق الهدى) يعني في الواقع.
(وإن اجتمعا) على الوجه المذكور؛ لامتناع اجتماع الضدّين، وكذا المتّصف بأحدهما مع الاتّصاف بالآخر.
و قوله:(قد اجتمع القوم على الفرقة) إشارة إلى بعض الخصال الذميمة لأهل ذلك الزمان.
والفُرقة - بالضمّ -:الاسم من فارقته مفارقةً وفِراقاً، والمراد هنا مفارقة الحقّ وأهله من أئمّة العدل والمؤتمّين بهم.
(وافترقوا على الجماعة) .
لعلّ كلمة«على» بمعنى«عن»، أو بتضمين معنى الاستيلاء والغلبة.
وعلى التقديرين معناه:أنّهم لم يكتفوا بالفرقة من أهل الحقّ وحدها، بل فرّقوا في أنفسهم فرقاً مختلفة؛ فمنهم أشاعرة، ومنهم معتزلة، ومنهم مشبّهة، إلى غير ذلك من الفرق الضالّة.
وفي بعض النسخ المصحّحة:«عن الجماعة» وهو أظهر.
(قد ولّوا) أي أهل ذلك الزمان من الفرق الضالّة المضلّة.
(أمرهم) أي أمر نظام دنياهم.
(وأمر دينهم) المطلوب منهم.
واحتمال عود ضمائر الجمع إلى أهل الكتاب - وهم الفرقة المحقّة - بعيد.
و قوله:(من يعمل فيهم بالمكر والمنكر والرشا والقتل) مفعول ولّوا، أي جعلوه والياً لاُمورهم.
قال الجوهري:«الرشوة:معروفة. والرشوة - بالضمّ - مثله. والجمع:رِشىً ورُشى» . وقال الفيروزآبادي:«الرشوة - مثلّثة -:الجعل» .
(كأنّهم أئمّة الكتاب) .
ضمير الجمع لأهل الضلالة. وأئمّة الكتاب الراسخين في العلم العالمون ظاهره وباطنه والعاملون بأحكامه. وبالجملة يكون الكتاب إمامهم ومُقتداهم في الاُمور كلّها، ولذا صاروا أئمّة لمَن يأتمّ بهم، فالإضافة من قبيل إضافة المسبّب إلى السبب.
(وليس الكتاب إمامهم) ؛ لأنّهم نبذوه وراء ظهورهم.
(لم يبق عندهم من الحقّ إلّااسمه) ؛ إذ تركوا مدلوله ومسمّاه، وأجروا اسمه على ما هو ضدّه ونقيضه.
(ولم يعرفوا من الكتاب إلّاخطّه وزبره) بسكون الباء، أو بضمّتين، جمع زبور.
قال الفيروزآبادي:«الخطّ‍:الكتب بالقلم وغيره» . وقال:«الزبر - بالفتح -:الكتابة. وبالكسر:المكتوب. والزبور:الكتاب بمعنى المزبور، الجمع:زبر» .
(يدخل الداخل) يعني في الدِّين.
(لما يسمع) بتخفيف الميم وكسر اللّام، أو بتشديدها وفتح اللّام.
و قوله:(من حكم القرآن) بيان للموصول على الأوّل.
وكلمة«من» للتبعيض، أو زائدة على الثاني. ولعلّ المراد بحكم القرآن الداعي إلى الدخول فيه، ويحتمل الأعمّ.
(فلا يطمئن جالساً) أي لا يتمّ جلوسه بعد، وهذا كناية عن زمان الدخول.
(حتّى يخرج من الدِّين) فيكون دخوله فيه مقارناً لخروجه عنه؛ لما يرى من عدم عمل أهله به، وجورهم وبدعهم وإنكارهم لأعظم اُصوله.
(ينتقل من دين ملك إلى دين ملك) .
فاعل«ينتقل» الداخل في الدِّين. وفيه إيماء إلى ما اشتهر من أنّ الناس على دين ملوكهم.
(فاستدرجهم اللّٰه [تعالى] من حيث لا يعلمون) .
يُقال:استدرجه، أي أدناه منه على التدريج، أي أدناهم اللّٰه وقرّبهم من العذاب درجة درجة بالإمهال وإدامة الصحّة وازدياد النعمة من حيث لا يعلمون أنّه استدراج؛ لأنّهم حسبوه تفضيلاً لهم على المؤمنين.
(وإنّ كيده) أي مكره، والمراد جزاؤه لوقوعه في صحبته، من باب المشاكلة.
(متين) أي صلب مستحكم لا يدفع بشيء.
وقيل:إنّما سمّي إنعامه استدراجه بالكيد؛ لأنّه في صورته .
ثمّ أشار إلى متعلّق الاستدراج بقوله: (بالأمل والرجاء) ؛ العطف للتفسير، أي بأن أعطاهم ما يأملون ويرجون من أمتعة الدُّنيا وزخارفها.
وقال [بعض] الفضلاء:يحتمل أن يكون المراد أنّه تعالى وكَلَهم إلى أملهم ورجائهم، ولم يعذّبهم، ولم يبتليهم؛ لينصرفوا عنهما. قال:ويحتمل أن يكون بالأمل حالاً عن ضمير المفعول في استدراجهم، أو خبراً لمبتدأ محذوف، أي هم مشغولون بهما .
(حتّى توالدوا بالمعصية) والكفر، فصارت جبليّاً لأولادهم غالباً، كما يشاهد في أولاد سائر الكفّار.
(ودانوا بالجور) أي جعلوه دينهم.
والدين - بالكسر -:العادة، والعبادة، والشأن.
(والكتاب لم يضرب عن شيء منه صفحاً) .
الواو للحال، و«يضرب» على البناء للفاعل من الإضراب، وهو الإعراض. وضمير«منه» راجع إلى الجور. و«صفحاً» مصدر، أو، حال، أو مفعول له؛ أي والحال أنّ الكتاب لم يعرض عن بيان شيء من الجور إعراضاً أو معرضاً.
ويجوز قراءة«لم يضرب» على بناء المجرّد؛ يُقال:ضربت عنه صفحاً:إذا أعرضت عنه، وتركته، أي لم يدفع البيان عن شيء منه، كما قال عزّ وجلّ: «أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ اَلذِّكْرَ صَفْحاً» .
وقال بعض الشارحين في شرح هذا الكتاب:أي الكتاب لم يصرفهم عن شيء من أفراد الجور صرفاً لتماديهم في الغيّ وعدم انتفاعهم به .
(ضُلّالاً) جمع ضالّ.
(تائهين) أي متحيّرين في طريق الضلالة. يُقال:تاه في الأرض يتيه تيهاً:إذا ذهب متحيّراً.
(قد دانوا بغير دين اللّٰه) أي اتّخذوا غير دين اللّٰه ديناً.
(وأدانوا لغير اللّٰه) .
«أدانوا» من باب الافعال، أو الافتعال. قال الجوهري:«أدان فلان إدانة:إذا باع إلى أجل فصار له عليهم دينٌ. يُقال :أدني عشرة دراهم، وأدّان:استقرض، وهو افتعل» . ولعلّ المراد هنا أنّهم عبدوا غيره تعالى، أو أمروا بطاعة غيره؛ فإنّ من عمل للّٰهوأطاعه أو أمر غيره بطاعة اللّٰه فهو دين عليه تعالى يؤدّيه إليه وقت الحاجة، ومن عمل لغيره وكَلَه إلى ذلك الغير. ولا يبعد إرادة الحقيقة، أي معاملتهم في الإقراض والاستقراض ليس لطاعة اللّٰه، بل لغرض آخر، كما يشاهد من أبناء هذا الزمان.
وفي بعض النسخ العتيقة:«وكانوا لغير اللّٰه».
و قوله:(خربة من الهدى) بفتح الخاء وكسر الراء.
قال الجوهري:«الخراب:ضدّ العمارة. وقد خرب الموضع [بالكسر] فهو خرب، ودار خربة» .
(فقرّاؤها وعمّارها) جمع القارئ والعامر، والضمير لمساجد، والإضافة في الأوّل لأدنى ملابسة.
وقال الفيروزآبادي:«عَمَر اللّٰه منزلك عمارة، وأعمره:جعله آهلاً. والرجل ماله وبيته عمارة وعموراً:لزمه» انتهى.
وقيل:لعلّ المراد بالقرّاء العلماء، وبالعمّار العبّاد، أو أعمّ منهم وممّن سعى في عمارة المساجد وترويجها .
(أخائب خلق اللّٰه وخليقته) .
«أخائب» جمع أخيب. والخلق في الأصل مصدر، ثمّ استعمل بمعنى الناس. والخليقة: الطبيعة، والخلائق. ولعلّ المراد بهما هنا غير الناس، أو البهائم.
(من عندهم جرت الضلالة) أي خرجت وصدرت.
(وإليهم تعود) وزرها؛ لعود الفروع إلى الاُصول، ورجوع كلّ بدعة إلى مبدعها ومخترعها من غير أن ينقص شيء من أوزار من عمل بهما وسلك سبيلهما.
(فحضور مساجدهم والمشي إليها كفرٌ باللّٰه العظيم) .
الباء صلة للكفر، وكونه للقسم بعيد. ولعلّ المراد بالكفر هنا الكفر في الفروع.
(إلّا من مشى إليها وهو عارف بضلالتهم) ؛ لابدّ من ارتكاب تجوّز في المستثنى منه، أو تقدير في المستثنى ليصحّ الاستثناء.
(فصارت مساجدهم من فعالهم على ذلك النحو) المذكور.
والظاهر أنّ الظرف حال من الفعال.
و قوله:(ولا يقسمون الفيء) ؛ يعني على الوجه المعهود في الشرع.
قال الجوهري:«الفيء:الخراج، والغنيمة» .
(ولا يوفون بذمّة) أي عهد للّٰهولرسوله وللمؤمنين.
و قوله:(يدعون القتيل منهم) من الدّعاء بمعنى التسمية، وكونه من الادّعاء محتمل بعيد.
(على ذلك) أي على تلك العقائد المذكورة الباطلة، والأعمال القبيحة الفاسدة، من عدم القسمة للفيء، وعدم الوفاء بالعهد، ونحوها.
(شهيداً) مصادفاً درجة الشهادة.
(قد أتوا اللّٰه بالافتراء) عليه وعلى رسوله.
وفي بعض النسخ:«فدانوا اللّٰه».
(والجحود) أي الإنكار للحقّ وأهله.
(ومن قبل) بالبناء على الضمّ، أي من قبل هذا.
(ما مثّلوا بالصالحين) هو من قبيل قوله تعالى: «وَ مِنْ قَبْلُ مٰا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ» ، فيحتمل أن تكون كلمة«ما» مزيدة، أو مصدريّة في موضع النصب عطفاً على مفعول«أتوا».
وقيل:متعلّق بالتمثيل .
ولا بأس بالفصل بين العاطف والمعطوف بالظرف، أو في موضع الرفع بالابتداء وخبره «من قبل»، أو موصولة في موضع الجرّ عطفاً على الافتراء.
(كلّ مثلة) .
قال الجزري:
مثلّث بالحيوان، أمثل به مثلاً:إذا قطعت أطرافه، وشوّهت به. ومثّلت بالقتيل:إذا جدعت أنفه، أو اُذنه، أو مذاكيره، أو شيئاً من أطرافه. والاسم:المُثْلة بالضمّ. فأمّا مثّل بالتشديد فهو للمبالغة، انتهى . واحتمال كون«مَثُلة» هنا بفتح الميم وضمّ الثاء بمعنى العقوبة بعيد. حاصل المعنى على ما ذكره بعض الفضلاء:
أنّ هؤلاء الأشقياء الذين يفعلون بعدي تلك الأفعال الشنيعة قد فعل آباؤهم وأسلافهم مثل ذلك بالصالحين في زمن الرسول صلى الله عليه و آله كمحاربة أبي سفيان وأضرابه وتمثيلهم بحمزة وغيره، وإنّما نسب إليهم لرضاهم بفعال هؤلاء، وكونهم على دينهم وطريقتهم، كما نسب اللّٰه تعالى إلى اليهود فِعال آبائهم في مواضع من القرآن. ويحتمل أن يكون المراد فعال هؤلاء في بدو أمرهم حتّى غلبوا بذلك على الناس واستقرّ أمرهم، انتهى . وقيل:كأنّه إشارة إلى ما فعلوا به عليه السلام وبسلمان وأبي ذرّ والمقداد وأضرابهم من الصالحين بعد قبض الرسول صلى الله عليه و آله . وقال ابن ميثم:«هو إشارة إلى زمن بني اُميّة الكائن قبل زمن [من] يخبر عنهم» .
(وسمّوا صدقهم على اللّٰه فرية) .
ضمير«صدقهم» للصالحين. والفِرية - بالكسر -:الكذب. وقال الجوهري:«هم اسم من قولك:افتراه، إذا اختلقه» .
وقال ابن أبي الحديد:
قوله:«على اللّٰه» متعلّق ب‍«فِرية» لا ب‍«صدقهم»؛ أي سمّوا صدقهم فرية على اللّٰه، فإن امتنع أن يتعلّق حرف الجرّ به لتقدّمه [عليه] وهو مصدر فليتعلّق بفعل مقدّر دلّ عليه هذا المصدر . أقول:لعلّ الباعث على هذا التكلّف عدم تعدية الصدق ب‍«على»، وأنت خبير بأنّ باب التضمين واسع، فليضمّن مثل معنى المعاهدة واللّزوم.
(وجعلوا في الحسنة) من العقائد والأعمال.
(العقوبة السيّئة) وهو ظاهر لمن نظر في معاملتهم بالشيعة من القتل والنهب وسائر أنواع العذيب والاستخفاف. وقوله:«السيّئة» صفة للعقوبة. وفي بعض الروايات:«عقوبة السيّئة» بالإضافة.
(وقد بعث اللّٰه - عزّ وجلّ - إليكم رسولاً من أنفسكم) أي من جنسكم عربيّ مثلكم.
وقرئ:«من أنفسكم» بفتح الفاء، أي أشرفكم.
«عَزِيزٌ عَلَيْهِ » :شديد شاقّ.
«مٰا عَنِتُّمْ » أي عنتكم ولقاءكم المكروه.
«حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ » أي على إيمانكم وصلاح شأنكم.
«بِالْمُؤْمِنِينَ » منكم ومن غيركم.
«رَؤُفٌ رَحِيمٌ » قدّم الأبلغ منهما، وهو رؤوف لأنّ الرأفة شدّة الرحمة محافظة على الفواصل.
(وأنزل عليه كتاباً عزيزاً) .
قيل:أي كثير النفع عديم النظير، أو منيع لا يتأتّى إبطاله وتحريفه.
«لاٰ يَأْتِيهِ اَلْبٰاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاٰ مِنْ خَلْفِهِ » أي لا يتطرّق إليه الباطل من جهة من الجهات.
وإنّما خصّ هاتين الجهتين بالذِّكر؛ لأنّ الآتي يأتي منهما غالباً، أو ممّا فيه من الاُمور الماضية والاُمور الآتية.
«تَنْزِيلٌ » رفع على المدح.
«مِنْ حَكِيمٍ » :ذي حكمة يعلم الأشياء كما هي، أو يضع كلّ شيء موضعه، أو لا يجوز في حكمه، أو لا يعجل في عقوبة العاصي.
«حَمِيدٍ» يحمده كلّ مخلوق بما ظهر عليه من نعمه، أو يحمد هو ذاته بذاته كما هو أهله.
«قُرْآناً» بدل من«كتاباً»، أو عطف بيان له، أو منصور بتقدير أعني.
«غَيْرَ ذِي عِوَجٍ» :لا اختلال فيه بوجه.
وقيل:بالشكّّ . قال الجوهري:
العَوَج - بالتحريك - مصدر قولك:عِوَج الشيء بالكسر، فهو أعوج، والاسم:العِوَج، بكسر العين.
قال ابن السكّيت:وكلّ ما كان ينتصب كالحائط‍ والعود قيل فيه العوج بالفتح. والعوج بالكسر:ما كان في أرض، أو دين، أو معاش. يقال:في دينه عوج .
«لِيُنْذِرَ» أي القرآن، أو الرسول.
«مَنْ كٰانَ حَيًّا» أي عاقِلاً فَهِماً قابلاً للإنذار مستعدّاً لقبوله؛ فإنّ الغافل كالميّت، أو هو مؤمناً في علم اللّٰه؛ فإنّ الحياة الأبديّة بالإيمان وتخصيص الإنذار به، لأنّه المنتفع به.
«وَ يُحِقُّ اَلْحَقَّ » ويجب كلمة العذاب.
قال الجوهري:«حقّ الشيء يحقّ - بالكسر - أي وجب» .
(على الكافرين) المصرّين على الكفر.
وجعلُهم في مقابلة من كان حيّاً إشعار بأنّهم لكفرهم وسقوط‍ حجّتهم وعدم تأمّلهم أموات بالحقيقة.
وقيل:في ذكر الكتاب ووصفه بما ذكر ترغيب في الاقتداء به، وعدم المخالفة له،
وعدم الغفلة من أمر الآخرة بالأمل في الدُّنيا، ولذلك فرّع عليه قوله: (فلا يلهينّكم) أي لا يشغلنّكم .
(الأمل) :الرجاء في زخارف الدُّنيا وحطامها.
(ولا يطولنّ عليكم الأجل) هو بالتحريك غاية الوقت في الموت، ومدّة عمر الشيء.
ولما كان الأمل ولوقع طول الأجل تابعين لحبّ الدُّنيا الذي هو رأس كلّ خطيئة وموجبين للغفلة عن الآخرة، قال: (فإنّما أهلك من كان قبلكم) من الاُمم السالفة والقرون الماضية.
(أمد أملهم) أي غاية رجائهم حيث جعلوه بعيداً.
والأمد - محرّكة -:الغاية، والمُنتهى.
(وتغطمة الآجال عنهم) أي أملوا اُموراً طويلة المدى تقصر عنها آجالهم، أو كناية عن الغفلة عنها.
(حتّى نزل بهم الموعود الذي تردّ) على البناء للمفعول.
(عنه المعذرة) .
المراد بالموعود الموت؛ أي لا تقبل فيه معذرة معتذر. والمعذرة - بكسر الذال - مصدر عذره يعذره عذراً، وبتثلّثها اسم من الإعذار.
(وترفع) بضمّ التاء.
(عنه التوبة) أي تنسدّ بابها عند نزوله.
(وتحلّ معه القارعة والنقمة) .
«تحلّ» من الحلول، وهو النزول، وفعله كنصر. والقارعة:الداهية، وهي الشديدة من شدائد الدهر.
وقيل:المصيبة التي تقرع، أي تلقى بشدّة وقوّة . والنقمة:العقوبة. والظاهر أنّ الضمائر للموصول، وكلمة«عن» للمجاوزة، أو للتعليل، أو
مرادفة«بعد» كما قيل في قوله تعالى: «عَمّٰا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نٰادِمِينَ » .
(وقد أبلغ اللّٰه - عزّ وجلّ - إليكم بالوعد).
الإبلاغ:الإيصال، والباء زائدة، أو للتبعيض، كما قيل في قوله تعالى: «عَيْناً يَشْرَبُ بِهٰا عِبٰادُ اَللّٰهِ » .
وفي بعض النسخ:«بالوعيد». قال الجوهري:«الوعد يستعمل في الخير والشرّ. يُقال:وعده خير، أو وعده شرّاً، وإذا اُسقط‍ الخير والشرّ قالوا في الخير وعد وعِدة، وفي الشرّ إيعاد ووعيد» .
(وفصّل لكم القول) في المبدأ والمعاد والحلال والحرام وغيرها.
و«فصّل» من التفصيل، وهو الإظهار، والتمييز، والتقطيع، أو من الفصل.
(وعلّمكم السنّة) وهي الطريقة الشرعيّة والسيرة النبويّة الداعية إلى كلّ خير والزاجرة عن كلّ شرّ.
(وشرّع لكم المناهج) أي سنَّ وبيّن السّبل الواضحة والطرق المستقيمة. ويحتمل أن يُراد بالمناهج أهل البيت عليهم السلام.
(ليزيح العلّة) تعليل للأفعال السابقة؛ أي ليزيل عذر العباد في المعصية.
قال الجوهري:«زاح الشيء يزيح زَيْحاً، أي بَعُدَ، وذهب. وأزاحه غيره» .
(وحثّ) أي رغّب.
(على الذِّكر) بالقلب واللِّسان في جميع الأحوال، سيما في موارد الأمر والنهي.
(ودلَّ على النجاة) ؛ أي طريق النجاة من شدائد الآخرة وعقوباتها.
(وإنّه من انتصح للّٰه) ؛ الظاهر كسر«إنّ» على الابتداء، والضمير للشأن. ويحتمل فتحها عطفاً على النجاة.
قال الجوهري:«انتصح فلان، أي قبِلَ النصيحة. يُقال:انتصحني، فإنّي لك ناصح» . وقيل:نصيحة اللّٰه عبارة عن إرادة الخير للعباد، وطلبه منهم، وقبول تلك النصيحة هو
القيام بوظائف الطاعات والخيرات . والحاصل:أنّه من أطاع اللّٰه فيما أمره به ونهاه عنه، وعلم أنّه تعالى إنّما يهديه إلى مصالحه ويردّه عن مفاسده.
(واتّخذ قوله دليلاً) على ما يُنجيه، صارفاً عمّا يرديه، مُعرضاً عن الآراء النفسانيّة والأهواء الشهوانيّة والتخيّلات الشيطانيّة.
(هداه) اللّٰه - عزّ وجلّ - أو اتّخاذ قوله دليلاً.
(للّتي هي أقوم) أي للطريقة، أو الحالة، أو الملّة التي هي أقوم الطرق، أو الحالات، أو الملل، أو اتّباعها وسلوكها أقوم.
(ووفّقه للرّشاد) .
قال الجوهري:«الرّشاد:خلاف الغيّ» . والمراد به هنا سنن النبويّة الموصلة إلى السعادة الأبديّة.
(وسدّده) .
التسديد:التوفيق للسّداد، وهو الصواب، والقصد من القول والعمل.
(ويسّره للحُسنى) أي وفّقه وهيّأه لتحصيل كلمة الحسنى، وهي الكلمة الدالّة على الحقّ تعالى، أو التوحيد، أو المثوبة الحسنى، أو الخصلة الحسنى.
و قوله:(فإنّ جار اللّٰه آمن محفوظ‍) تعليل لما قبله.
قال الفيروزآبادي:«الجار:المجاور، والذي أجرته من أن يُظلم» انتهى.
وقيل:المراد بجار اللّٰه هنا القريب إلى اللّٰه بالطاعة، أو من آجره اللّٰه من عذابه . وقيل:من لجأ إليه، وتضرّع بين يديه، واعتمد في كلّ الاُمور عليه. ومَن كان كذلك فهو آمن من الآفات، أو الضلالة وموجباتها، محفوظٌ‍ من الغواية وثمراتها .
(وعدوّه خائف مغرور) أي عدوّ اللّٰه، وهو من نكبَ عن منهج القويم، وتشبّث برأيه
السقيم، خائف من كشف سريرته، أو من فوات منفعته، مغرورٌ بالدّنيا وزهراتها بجهالة النفس ومموّهاتها.
والغرّ - بالكسر -:الخدعة.
(فاحترسوا من اللّٰه عزّ وجلّ) .
الاحتراس:التحفّظ‍، أي تحفّظوا من موجبات عقوبته وخذلانه واستدراجه.
(بكثرة الذِّكر) والدّعاء. قال اللّٰه تعالى: «وَ اُذْكُرُوا اَللّٰهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ » .
(واخشوا منه) أي بأسه وتنكيله.
(بالتّقى) :بالتوقّي والتحرّز عن مخالفته.
قال الفيروزآبادي:«اتّقيت الشيء وتقيته تقى وتقيّة وتقاء ككساء:حذرته، والاسم:التقوى» . ولعلّ فيه إيماء إلى أنّ الخشية إنّما تحصل بالتّقى.
(وتقرّبوا إليه بالطاعة) ولرسوله ولاُولي الأمر.
وقيل:قد أشار عليه السلام إلى أمرين لابدّ منهما؛ أحدهما التقوى للنجاة من العقوبة الاُخرويّة، والآخر الطاعة للدخول في الرحمة والجنّة .
(فإنّه قريبٌ مجيب) كأنّه تعليل لما سبق، وحثّ على القيام به؛ فإنّ العبد إذا علم أنّه تعالى قريبٌ يسمع ويرى، وأنّه مجيبٌ يقابل الدّعاء بالإجابة، والسؤال بالعطاء، والطاعة بالقبول والثواب، يبعثه ذلك على ملازمة الذكر والتقوى والطاعة.
ثمّ استشهد لذلك بقوله: (قال اللّٰه عزّ وجلّ: «وَ إِذٰا سَأَلَكَ عِبٰادِي عَنِّي» ) أقريبٌ أنا أم بعيد؟
«فَإِنِّي قَرِيبٌ ».
قال البيضاوي:
أي فقُل لهم:إنّي قريب، وهو تمثيل لكمال علمه بأفعال العباد وأقوالهم، واطّلاعه بأحوالهم بحال من قرب مكانه منهم.
روي أنّ أعرابيّاً قال لرسول اللّٰه صلى الله عليه و آله:أقريبٌ ربّنا فنناجيه، أم بعيد فنُناديه؟! فنزلت:
«أُجِيبُ دَعْوَةَ اَلدّٰاعِ إِذٰا دَعٰانِ » تقرير للقُرب، ووعدٌ للداعي بالإجابة.
«فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي» إذا دعوتهم للإيمان والطاعة، كما أجبتهم إذا دعوني لمهمّاتهم.
«وَ لْيُؤْمِنُوا بِي» أمر بالثبات والمداومة عليه.
«لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ » :راجين إصابة الرشد، وهو إصابة الحقّ. وقرئ بفتح الشين وكسرها ، انتهى.
وقال الفيروزآبادي:«رشد - كنصر وفرح - رشداً ورشَدَاً ورشاداً:اهتدى» .
(فاستجيبوا للّٰه) فيما أمركم به من الدّعاء، أو مطلقاً.
(وآمنوا به) أي بوعده الاستجابة، أو مطلقاً.
(وعظّموا اللّٰه الذي لا ينبغي لمن عرف عظمة اللّٰه) وضع الظاهر موضع الضمير دلالة على كمال العظمة.
(أن يتعظّم) أي يتكبّر.
و قوله:(فإنّ رفعة الذين يعلمون) إلى قوله: (يستسلموا له) تعليل لنفي التعظيم عمّن عرف عظمته تعالى.
قال الفيروزآبادي:«رفع - ككرم - رفاعة:صار رفيع الصوت. ورفعة - بالكسر -:شرف وعلا قدره، فهو رفيع» . وقال:«عزّ يعزّ عزّاً وعِزّةً - بكسرهما -:صار عزيزاً، وقوي بعد ذلّة» انتهى.
والتواضع للّٰهتعالى شامل للتواضع لأوليائه، والجلال والعظمة متقاربان، ولعلّ الأوّل باعتبار التنزّه عن صفات النقص، والثاني باعتبار الاتّصاف بصفات الكمال، أو يُراد بالأوّل العظمة باعتبار الصفات، وبالثاني باعتبار الذات، والذلّة له تعالى إنّما يكون بالعبوديّة وإظهار العجز والمسكنة لديه، والمراد بالسلامة السلامة من الآفات والمكاره في الدارين ، وبالاستسلام الإذعان والانقياد له في الاُمور كلّها للعلم بأنّ قدرته قاهرة غالبة لا رادّ لها في الإثابة والتعذيب.
والحاصل:أنّ من عرف عظمة اللّٰه وجلاله فينبغي له أن يعدّ حقيراً فيما ظهر من عظمته تعالى، أو يعلم أنّ العظمة مختصّة به تعالى، وأمّا غيره فإنّما يعدّ عظيماً بما أعاره اللّٰه - عزّ وجلّ - من العظمة، فلا يجوز تعظيم أحد عليه، أو يُقال:إنّ غيره تعالى إنّما يكتسب العظمة بالتذلّل له والتواضع بين يديه والتقرّب إليه، فغاية العظمة والعزّة في العباد منوطة بنهاية التواضع والتذلّل منهم، ومن عرف قدرة اللّٰه علم أنّه لا تكون السلامة إلّابالانقياد له في جميع الاُمور.
(فلا ينكرون أنفسهم بعد حدّ المعرفة) .
قال الفيروزآبادي:«نكر الأمر - كفرح - وأنكره:جهله» . وقال:«الحدّ:منتهى الشيء، وتمييّز الشيء عن الشيء» . ولعلّ المراد لا يجهلون أنفسهم ومعايبها وعجزها بعدما عرفوها، أو لا يجهلون أنّ اللّائق بحالهم التواضع والمذلّة والاستسلام بعد معرفة عظمة اللّٰه وجلاله وقدرته.
وفي بعض النسخ:«فلا يتذكّرون أنفسهم بعد حدّ المعرفة» ولعلّ المراد بالتذكّر التزكّي.
(فلا تنفروا) بضمّ الفاء وكسرها، من النفار - بالكسر - والنفور، وهو الاستكراه، والتباعد عن الحقّ.
(نفار الصحيح من الأجرب) أي من به علّة الجرب.
(والبارئ) بهمز اللّام.
(من ذي السقم) .
قال الفيروزآبادي:«برأ المريض بُرءاً - بالضمّ - ككرم وفرح:نَقَه. وأبرأه اللّٰه فهو بارئ وبرئ» . وقال:«السقم - كجبل وقفل -:المرض» . ولمّا كانت هناك اُمور مطلوبة يتحقّق وجودها واستقرارها باُمور مطلوبة اُخر وبها يتمّ
نظام الدِّين والدنيا، وأشار عليه السلام إليها وحثّ عليها بقوله: (واعلموا أنّكم لن تعرفوا الرُّشد) بالضمّ وبالتحريك (حتّى تعرفوا الذي تركه) ؛ الضمير للرشد، والموصول مفعول«تعرفوا».
قال بعض الشارحين:
لا يُقال:معرفة تارك الرشد متوقّف على معرفة الرشد، فلو انعكس لزم الدور؛ لأنّا نقول:المراد أنّ هاتين المعرفتين ينبغي أن تكونا معاً إذ انتفاء الثانية يؤدّي إلى متابعة تارك الرشد غالباً، وذلك يوجب انتفاء الاُولى أيضاً. أو نقول:معرفة الرشد كناية عن الثبات والاستمرار عليه، وهو متوقّف على معرفة تارك الرشد للتحرّز عن متابعته، وهذه المعرفة تتوقّف على معرفة الرشد لا على الثبات عليه، فلا دور، وقس عليه البواقي .
(ولن تأخذوا بميثاق الكتاب حتّى تعرفوا الذي نقضه) ؛ الضمير للميثاق، ويدخل في ميثاق الكتاب العهد بالولاية ومتابعة أهلها.
(ولن تمسّكوا به حتّى تعرفوا الذي نبذه) ؛ الضمير في الموضعين للكتاب.
قال الجوهري:«أمسكت الشيء وتمسّكت به واستمسكت به كلّه بمعنى اعتصمت [به]، وكذلك مسّكت به تمسيكاً» . وقال:«نبذ ينبذ:ألقاه من يده. ونبّذه مبالغة» .
(ولن تعرفوا الضلالة) التي هي الضياع والهلاك بسبب التحيّر والخروج عن قصد السبيل.
(حتّى تعرفوا الهدى) أي الرشاد والاهتداء إلى الصراط‍ المستقيم؛ ضرورة أنّ الخروج عن الشيء لا يعرف بدون معرفة ذلك الشيء.
وإنّما غيّر الاُسلوب للإشعار بأنّ عكس الفقرات السابقة واللّاحقة أيضاً صحيح، وثمرة الإشعار إفادة التلازم بين المعرفتين.
(ولن تعرفوا التقوى حتّى تعرفوا الذي تعدّى) ؛ لأنّ عدم معرفة المتعدّي عن حدود اللّٰه تؤدّي غالباً إلى الاقتداء به، وهو ينافي معرفة التقوى والثبات عليها.
(فإذا عرفتم ذلك) المذكور الذي هو تارك الرُّشد وأشباهه.
(عرفتم البدع) بمعرفة من ترك الرشد؛ فإنّه أخذ بضدّه وهو البدع.
وعرفتم (التكلّف) بمعرفة ناقض الميثاق؛ فإنّه يتكلّف الوفاء بالميثاق ويتصنّع به، ويتعرّض لما لا يعنى وادّعى ما لا ينبغي، فإذا عرفته عرفت تكلّفه.
(ورأيتم الفرية على اللّٰه وعلى رسوله) بمعرفة من نبذ الكتاب؛ لأنّه من أهل الفرية عليهما، ورأيتم (التحريف لكتابه) بمعرفة مَن حرّفه؛ لأنّ معرفته بمعرفة تحريفه.
(ورأيتم كيف هدى اللّٰه مَن هدى) كأنّه ناظر إلى قوله:«ولن تعرفوا الضلالة» إلى قوله:«الذي تعدّى»، والمراد بمن هدى من هداه اللّٰه وأرشده إلى ما لابدّ له في نظامه وبقائه واستقامته، وبصّره بطريق معرفته ومعرفة أوليائه، ووفّقه للعمل بسنّته.
والحاصل:أنّه لا يعرف الكتاب، ولا يمكن العمل به وحفظه إلّابمعرفة حَمَلته ومعرفة مخالفيهم وأعدائهم المضيّعون له المتّصفون به، ولا تُعرف الهداية إلّابمعرفة أهلها ومعرفة الضلالة وأهلها؛ فإنّ الأشياء إنّما تُعرف بأضدادها، وعلامة معرفتها التمييز بينها وبين معارضاتها ومخالفاتها.
(فلا يجهلنّكم) على بناء النهي من التجهيل.
قال الجوهري:«التجهيل:أن تنسبه إلى الجهل» . ولعلّ المراد هنا:لا يجعلنّكم منسوباً إلى الجهل.
(الذين لا يعلمون) الكتاب والسنّة، أو الذين ليس لهم حقيقة العلم بجهلهم وضلالتهم.
(إنّ علم القرآن) .
قيل المراد علم القرآن والسنّة، ولم يذكرها؛ لأنّ علمها علم القرآن، وهي مفسّرة له في الحقيقة.
(ليس يعلم ما هو إلّامن ذاق طعمه) فعرف حقيقته وكيفيّته وأنواعه كما تعرف المذوقات وكيفيّاتها وأنواعها بالذوق.
وفيه استعارة تمثيليّة، أو مكنيّة وتخييليّة .
(فعلّم بالعلم جهله) .
قيل:أي جهله بالشيء قبل العلم به، أو مجهوله أو باطله، وهو ضدّ الحقّ المعلوم . وقيل:أي ما جهله ممّا يحتاج إليه في جميع الاُمور، أو كونه جاهلاً قبل ذلك، أو كمل علمه حتّى أقرّ بأنّه جاهل؛ فإنّ غاية كلّ كمال في المخلوق الإقرار بالعجز عن استكماله، والاعتراف بثبوته كما ينبغي للربّ تعالى. أو يُقال:إنّ الجاهل لتساوي نسبة الأشياء إليه؛ لجهله بجميعها يدّعي علم كلّ شيء، وأمّا العالم فهو مميّز بين ما يعلمه وبين ما لا يعلمه، فبالعلم عرف جهله. ولا يخفى جريان الاحتمالات في الفقرتين التاليتين، وأنّ الأوّل أظهر في الجميع بأن يكون المراد بقوله: (وبصّر به) أي بالعلم (عماه) ؛ أبصر به ما عمى عنه، أو تبدّلت عماه بصيرة . قال الفيروزآبادي:«بصر به - ككرم وفرح - بصراً وبصارة، ويكسر:صار مبصراً» . وقال:«عمى - كرضى - عمى:ذهب بصره كلّه» . أقول:المراد بالبصر الإدراك القلبي، وبالعمى الضلالة والجهالة.
(وسمّع به صممه) .
قال الفيروزآبادي:«الصمم - محرّكة -:انسداد الاُذن، وثقل السمع. صَمَّ يَصمُّ - بفتحهما - وصَمِمَ بالكسر نادر» . أقول:يحتمل قراءة«سمع» بالتخفيف، أي أدرك وأحسّ بالعلم الحاصل من جهة السماع ما كان صمّ عنه قبل حصول ذلك العلم، أو بالتشديد أي بدّل بسبب العلم صَمَمه بكونه سميعاً.
قال الجوهري:«سمّع به:إذا رفعه من الخمول، ونشر ذكره. وسمّعه الصوت وأسمعه» .
(وأدرك به علم ما فات) أي علم ما جهل به قبل فتداركه.
(وحَيي به بعد إذ مات) أي مات قبله بالجهل. أو المراد الموت المعروف؛ فإنّ العلم سبب
للحياة الأبديّة، والمؤمن حيّ في الدارين، ووجه تخصيص ما بعد الموت بالحياة ظاهر.
وفي بعض النسخ:«حيّ» بالإدغام.
(وأثبت) على البناء للفاعل بقرينة الفقرات السابقة واللّاحقة.
(عند اللّٰه - عزّ ذكره - به الحسنات) ؛ ضمير«به» راجع إلى علم القرآن، وفيه دلالة على أنّ ثبوت الحسنات إنّما هو مع العلم بها، لا ما وقع اتّفاقاً، ولا ما عدّه الجاهل حسنة.
وقيل:المراد هنا بالحسنات ما يوجب القرب منه تعالى والثواب عليه . وقال الجوهري:«الحسنة:خلاف السيّئة» .
(ومحى به السيّئات) ؛ لأنّ العلم بأنّها سيّئات وموجبة لمقته تعالى سبب لمحوها، أي تركها، وإن اُريد بالمحو إزالة الأثر وإسقاط‍ الثابت فالعلم بها سبب للتوبة الماحية لها على أنّ العلم سبب للحسنات وهي سبب لمحو السيّئات؛ لأنّ الحسنات يذهبن السيّات، فالعلم سبب لمحو السيّئات.
(وأدرك به رضواناً من اللّٰه تبارك وتعالى) .
الرضوان - بالكسر ويضمّ - مصدر رضى عنه، ورضيه، ضدّ سخط‍، والعلم سبب لحصوله أوّلاً وبالذات، أو بتوسّط‍ الصالحات.
(فاطلبوا ذلك) أي علم القرآن.
(من عند أهله خاصّة) .
أراد بأهله نفسه القدسيّة ومَنْ يحذو حذوه من أولاده أهل بيت العصمة؛ يعني اطلبوا ذلك العلم من عندهم لا من عند المتكلّفين المتصنّعين من أعدائهم ومخالفيهم.
(فإنّهم خاصّة) دون غيرهم.
(نورٌ يُستضاء به) أي بذلك النور.
ولعلّ إتيان النور بلفظ‍ الوحدة للإشعار بأنّهم نورٌ واحد، وأراد به الجنس، وإطلاق النور عليهم إمّا من قبيل الاستعارة والتشبيه في ظهوره بنفسه وإظهاره لغيره، أو حقيقته؛ فإنّهم في الحقيقة أنوارٌ إلهيّة.
(هم الذين يخبركم حكمهم) بضمّ الحاء وسكون الكاف (عن علمهم) .
الخطاب للعلماء؛ لأنّهم يعلمون أنّ حكمهم لكونه في غاية المتانة والإحكام، لا يمكن دفعه في مقام المناظرة، وبذلك يحصل لهم العلم الإجمالي بأنّ علومهم في غاية الكمال لا يبلغها عقول غيرهم، وذلك - كما يعلم الفصحاء - إعجاز القرآن، ولا يقدرون على العلم بتفاصيله، ولا على الإتيان بمثله.
(وصمتهم عن منطقهم) أي يخبرهم سكوتهم عن اللغو والباطل عن حسن منطقهم؛ فإنّ لصمتهم وقتاً وهيئة وحالة تكون قرائن دالّة على حسن منطقهم إذا نطقوا، وعلى أنّ سكوتهم ليس إلّالمصلحة دعتهم إليه.
وقيل:إنّما يخبر صمتهم عن منطقهم لأنّ صمت العارف أبلغ من نطق غيره . وقيل:أي يخبركم عن نطقهم وإدراكهم للحقّ، كما روي أنّ الصمت من علامات التفقّه، وأنّه باب من أبواب الحكمة، وذلك لأنّ الفقه والحكمة لا يتمّان إلّابالتفكّر وهو لا يتمّ إلّا بالصمت، ويحتمل أن يُراد بالنطق التكلّم بالحقّ باعتبار أنّ الصامت عن اللّغو محترز عن الإفراط‍ والتفريط‍ طالب للتوسّط‍ - وهو التكلّم بالحقّ - أو عمّا لا ينفع، ويلزمه عادةً التعرّض لما ينفع .
(وظاهرهم عن باطنهم) إذ استقامة الباطن وتخلّقه بالأخلاق الفاضلة والعقائد الحقّة موجب لاستقامة الظاهر، فالثاني دليل على الأوّل دلاله الأثر على المؤثّر.
(لا يخالفون الدِّين) أي في أمرٍ من اُموره، وحكمٍ من أحكامه؛ لأنّهم أربابه وقوّامه.
(ولا يختلفون فيه) أي لا يخالف بعضهم بعضاً في شيء من اُموره، فحكم الأوّل وقوله مثل حكم الآخر وقوله، وبالعكس.
(فهو بينهم شاهد صادق) .
ويحتمل عود الضمير إلى عدم المخالفة والاختلاف في الدِّين، أو إلى القرآن، أو إلى الدِّين، وكل منهما شاهد صدق للّٰه- عزّ وجلّ - بما أنزله على رسوله، وأنّ الحاكم في الدِّين
أهل العلم عليهم السلام، أو أنّهم يأخذون بحكم الدِّين كما يؤخذ بحكم الشاهد الصادق.
(وصامت ناطق) .
قيل:صامت بالنسبة إلى من لم يعرفه، حيث إنّ النطق معه عبث ناطق بالنسبة إلى من عرفه أعني أهل الذِّكر عليهم السلام. وقد روي عن الصادق عليه السلام في حديث طويل أنّه قال بعد وصف القرآن بما وصف:«ذلك القرآن فاستنطقوه فلن ينطق لكم أخبركم عنه، وفيه علم ما مضى وعلم ما يأتي إلى يوم القيامة، وحكم ما بينكم، وبيان ما أصبحتم فيه تختلفون، فلو سألتموني عنه لعلّمتكم» . وقيل:كونه صامتاً ناطقاً لأنّه لا ينطق بنفسه، بل لابدّ له من مترجم، فهو صامت في الصورة، [هو] وفي المعنى أنطق الناطقين؛ لأنّ الأوامر والنواهي والآداب كلّها مبنيّة عليه ومتفرّعة [عنه] .
(فهم من شأنهم شهداء بالحقّ) .
الشأن:الخطب، والأمر، والحال. ولعلّ كلمة«من» للتعليل والسببيّة، أي أنّهم لأجل شأنهم الرفيع شهداء للّٰهتعالى على الناس بالحقّ الذي أنزله إليهم.
وقيل:يعني أنّهم بسبب أطوارهم الحسنة وأخلاقهم الجميلة شهداء بالحقّ، أي على الحقّ، أو على الدين الذي يدعون إليه، والحاصل أنّ شؤونهم وأعمالهم وأخلاقهم تشهد بحقّيّة أقوالهم .
(ومخبر صادق) .
قيل:هو عطف على الحقّ، والمراد به الرسول أو اللّٰه عزّ وجلّ، وفيه إيماء إلى أنّ من خالفهم فهو منكر للرسالة أو الاُلوهيّة، ويعضده روايات اُخر . أقول:يمكن أن يتكلّف ويُقال:إنّه معطوف على قوله:«بالحقّ» بأن يُراد من يصدر منه الإخبار والصدق مع قطع النظر عن الوحدة.
وفي بعض النسخ:«ويخبر» على صيغة الفعل، وكأنّه حينئذٍ عطف على قوله:«بالحقّ» بتقدير العايد، أي يخبر لهم صادق بكونهم شهداء.
(لا يخالفون ولا يختلفون فيه) ؛ كأنّه تكرير للسابق تأكيد [له].
وقيل:يحتمل أن يكون هذا في الشهادة وذلك في الإخبار، أو التفاوت باعتبار اختلاف المشهود به ولو بحسب الاعتبار، أو هذا باعتبار العمل وذلك باعتبار الحكم .
(قد خلت) أي مضت (لهم من اللّٰه) أي في علمه تعالى وتقديره.
(سابقة) أي نعمة سابقة، وهي العصمه والحكمة والهداية والرئاسة العامّة ولوازمها.
(ومضى فيهم من اللّٰه - عزّ وجلّ - حكمٌ صادق) مطابق لما هو في الخارج؛ لوقوع المقدّر على طبق التقدير.
ولعلّ المراد بذلك الحكم ظفرهم ونصرتهم وحفظهم، أو ما ذكر من نعمة سابقة.
(وفي ذلك) أي فيما ذكر من جعل علم القرآن عند أهله وكونهم نوراً وأئمّة إلى آخر ما ذكر من الأوصاف.
(ذكرى) أي تذكرة وعبرة.
(للذاكرين) .
قال الفيروزآبادي:
تذكره، وأذكره إيّاه، وذكّره، والاسم:الذكرى. تقول:ذكرته ذكرى [غير مجراة]، وقوله تعالى: «ذِكْرىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ » اسم للتذكير «وَ ذِكْرىٰ لِأُولِي اَلْأَلْبٰابِ » : عبرة لهم .
(فاعقلوا الحقّ إذا سمعتموه عقل رعاية) أي حفظ‍ وتعاهد بالاعتقاد والإذعان به إن كان اعتقاديّاً، وبالعمل إن كان عمليّاً.
(ولا تعقلوه عقل رواية) ؛ إذ الرواية بدون الرعاية غير نافعة، بل توجب زيادة الحسرة والندامة.
(فإنّ رواة الكتاب كثير، ورعاته قليل) ؛ كأنّه تعليل للأمر والنهي، وتنبيه على أنّ ترك الرواية لا يضرّ كثيراً؛ لكثرة أهلها الحافظين لألفاظه وعباراته، وإنّما الأصل والأهمّ هو الرعاية لئلّا يندرس المقصود لقلّة أهلها.
(واللّٰه المستعان) في جميع الاُمور.

divider

مرآة العقول ; ج ۲۶  ص ۶۰۰

مجهول. قوله: بذي قار موضع بين الكوفة و واسط‍. قوله عليه السلام: من عبادة عباده كعيسى و عزير و الملائكة أو الأصنام أيضا تغليبا أو إطاعة الشياطين، و الطواغيت كما قال تعالى: أَنْ لاٰ تَعْبُدُوا اَلشَّيْطٰانَ و قد أورد في النهج بعض تلك الخطبة مختصرا و فيه من عبادة الأوثان إلى عبادته و من طاعة الشيطان إلى طاعته . قوله عليه السلام: و من عهود عباده كالأمراء و السلاطين و الشياطين و المضلين أيضا. قوله عليه السلام: و من ولاية عباده أي محبتهم أو نصرتهم أو طاعتهم. قوله عليه السلام: عودا و بدءا منصوبان بالظرفية أو بالحالية أو بالتميز، و على التقادير يحتمل تعلقهما ب‍ قوله عليه السلام: سِرٰاجاً مُنِيراً و بقوله عليه السلام: دٰاعِياً أي كان سراجا منيرا أو داعيا أولا و آخرا و قيل: الهجرة عن مكة و بعد الرجوع إليها، أو في جميع الأحوال، أو باديا و عاديا. قوله عليه السلام: عُذْراً أَوْ نُذْراً كل منهما مفعول له لقوله - بعث - أي عذرا للمحقين و نذرا للمبطلين، أو حال أي عاذرا و منذرا. قوله عليه السلام: بحكم المراد به الجنس، أي بعثه مع أحكام مفصلة مبنية و تفصيل في الأحكام قد أحكمه و أتقنه. قوله عليه السلام: و فرقان هو بالضم القرآن، و كل ما فرق بين الحق و الباطل و المراد بتفريقه إنزاله متفرقا أو تعلقه بالأحكام المتفرقة. قوله عليه السلام: فتجلى سبحانه قال ابن ميثم: أشار بتجليه سبحانه في كتابه إلى ظهوره لهم في تذكيرهم فيه ما أراهم من عجائب مصنوعاته، و بما خوفهم به من وعيده، و بتذكيرهم أنه كيف محق من القرون الماضية بالعقوبات، و احتصد من احتصد منهم بالنقمات، كل ذلك الظهور و الجلاء من غير رؤية له تعالى عن إدراك الحواس. و قال بعض الفضلاء: يحتمل أن يريد بتجليه في كتابه ظهوره في عجائب مصنوعاته و مكوناته، و يكون لفظ‍ الكتاب استعارة في العالم انتهى. قوله عليه السلام: بالمثلات بفتح الميم و ضم الثاء أي العقوبات. قوله عليه السلام: و احتصد الاحتصاد قطع الزرع و النبات بالمنجد أي أهلكهم. قوله عليه السلام: حكمه كيف حكم و في النسخة القديمة [حلمه كيف حلم] و في الأول حكمه كيف حكم و هو أظهر. قوله عليه السلام: من بعدي زمان أي زمن بني أمية و بني العباس لعنهم الله. قوله عليه السلام: أبور البوار الكساد. قوله عليه السلام: أنكى قال الجزري: يقال نكيت في العدو، أنكى نكاية إذا كثرت فيهم الجراح و القتل فوهنوا لذلك . قوله: و تناساه قال الجوهري تناساه آوى من نفسه أنه نسيه . قوله عليه السلام: حتى تمالت بهم الأهواء كذا في أكثر النسخ فيحتمل أن يكون بتشديد اللام تفاعلا من الملال، أي بالغوا في متابعة الأهواء حتى كأنها ملت بهم أو بتخفيف اللام من قولهم تمالؤوا عليه أي تعاونوا أو اجتمعوا فخفف الهمزة و يكون الباء بمعنى على، و الأظهر ما في النسخة المصححة القديمة و هو [تمايلت] أي أمالتهم الأهواء و الشهوات عن الحق إلى الباطل، و في بعض النسخ [غالت] بالغين المعجمة من قولهم غاله أي أهلكه. قوله عليه السلام: و أهل الكتاب أي الأئمة عليهم السلام. قوله عليه السلام: لا يؤويهما مؤو كناية عن عدم الرجوع إليهما و الأخذ بما يأمران به. قوله عليه السلام: واها لهما قال الجزري: فيه من ابتلي فصبر فواها واها قيل: معنى هذه الكلمة التلهف، و قد توضع موضع الإعجاب بالشيء يقال: واها له . قوله عليه السلام: و لما يعمدان أي يقصدان، و في بعض النسخ [يعملان]. قوله عليه السلام: عن الجماعة أهل الحق و هم أهل البيت عليهم السلام كما وردت به الأخبار الكثيرة، و قد أوردناها في البحار . قوله عليه السلام: و زبره بسكون الباء أي كتابته. قوله عليه السلام: يدخل الداخل أي في الدين، و خروجه لما يرى من عدم عمل أهله به، و بدعهم و جورهم. قوله عليه السلام: بالأمل و الرجاء متعلق بقوله فاستدرجهم، أي استدرجهم بأن أعطاهم ما يأملون و يرجون، إذ وكلهم إلى أملهم و رجائهم، و لم يعذبهم و لم يبتلهم لينصرفوا عنهما، و يحتمل أن يكون حالا عن ضمير المفعول أو خبرا لمبتدء محذوف أي هم مشغولون بهما، قوله عليه السلام: و الكتاب لم يضرب عن شيء منه أي من الجور و الواو للحال أي لم يعرض الكتاب عن بيان شيء من الجور، و قوله صفحا مفعول مطلق من غير اللفظ‍ أو مفعول له أو حال يقال صفحت عن الأمر أي أعرضت منه و تركته، و يمكن أن يقرأ يضرب على بناء المجرد أي لم يدفع البيان عن شيء منه كما قال تعالى: أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ اَلذِّكْرَ صَفْحاً و أن يقرأ على بناء الأفعال قال الجوهري أضرب عنه أعرض. قوله عليه السلام: و دانوا لغير الله أي أمروا بطاعة غيره تعالى، و لم يرد هذا البناء فيما عندنا من كتب اللغة، و في النسخة القديمة [و كانوا لغير الله]. قوله على ذلك أي على تلك العقائد الباطلة، و الأعمال القبيحة من عدم قسمة الفيء و عدم الوفاء بالذمة و غيرها قوله عليه السلام: و من قبل ما مثلوا هذا من قبيل قوله تعالى وَ مِنْ قَبْلُ مٰا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ و يحتمل وجهين. الأول: أن تكون ما زائدة، أي، من قبل ذلك مثلوا بالصالحين. و الثاني: أن تكون مصدرية على أن محل المصدر الرفع بالابتداء و خبره الظرف، أي وقع من قبيل تمثيلهم بالصالحين. قال الجزري: مثلت بالحيوان أمثل به مثلا إذا قطعت أطرافه و شوهت به، و مثلت بالقتيل، إذا جدعت أنفه أو أذنه و مذاكيره، أو شيئا من أطرافه، و الاسم المثلة، فأما مثل بالتشديد فهو للمبالغة انتهى. و الحاصل: أن المراد أن هؤلاء الأشقياء الذين يفعلون بعدي تلك الأفعال الشنيعة قد فعل آباؤهم و أسلافهم مثل ذلك بالصالحين في زمن الرسول، كمحاربة أبي سفيان و أضرابه لعنهم الله، و تمثيلهم بحمزة و غيره، و إنما نسب إليهم لرضاهم بفعال هؤلاء و كونهم على دينهم و على طريقتهم كما نسب الله إلى اليهود فعال آبائهم في مواضع من القرآن. و يحتمل أن يكون المراد فعال هؤلاء في بدو أمرهم حتى غلبوا بذلك على الناس و استقر أمرهم. و قال ابن ميثم و قوله: و من قبل ما مثل إشارة إلى زمن بني أمية الكائن قبل زمن من يخبر عنهم و لا يخفى أن ما ذكرنا من الوجهين أظهر. قوله عليه السلام: و سموا صدقهم أي الصالحين قال ابن أبي الحديد قوله على الله متعلق بفرية، و لا بصدقهم، أي سموا صدقهم فرية على الله، فإن امتنع أن يتعلق حرف الجر به لتقدمه عليه، و هو مصدر فليتعلق بفعل مقدر دل عليه هذا المصدر انتهى. أقول: لعل الذي دعاه إلى هذا التكلف عدم تعدي الصدق بعلى، و سبيل التضمين واسع كما لا يخفى. قوله: مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي من جنسه [جنسكم] و نسبكم و قرئ من أنفسكم بفتح الفاء أي من أشرفكم و أفضلكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ مٰا عَنِتُّمْ أي شديد عليه، شاق عنتكم و لقاؤكم المكروه فهو يخاف عليكم سوء العاقبة، و الوقوع في العذاب حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ حتى لا يخرج أحد منكم عن أتباعه بِالْمُؤْمِنِينَ منكم و من غيركم. قوله عليه السلام: كتابا عزيزا أي كثير النفع، عديم النظير أو منيع لا يتأتى إبطاله و تحريفه لاٰ يَأْتِيهِ اَلْبٰاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاٰ مِنْ خَلْفِهِ أي لا يتطرق إليه الباطل من جهة من الجهات، أو مما فيه من الأمور الماضية و الأمور الآتية تَنْزِيلٌ رفع على المدح مِنْ حَكِيمٍ ذي حكمة حَمِيدٍ يحمده كل مخلوق بما ظهر عليه من نعمه. قوله عليه السلام: غَيْرَ ذِي عِوَجٍ أي لا اختلال فيه بوجه. و قيل: بالشك لِيُنْذِرَ أي القرآن و يحتمل الرسول صلى الله عليه و آله مَنْ كٰانَ حَيًّا أي عاقلا فهما، فإن الغافل كالميت أو مؤمنا في علم الله، فإن الحياة الأبدية بالإيمان، و تخصيص الإنذار به لأنه المنتفع. وَ يَحِقَّ اَلْقَوْلُ أي و تجب كلمة العذاب عَلَى اَلْكٰافِرِينَ المصرين على الكفر، و جعلهم في مقابلة من كان حيا إشعار بأنهم لكفرهم و سقوط‍ حجتهم و عدم تأملهم أموات في الحقيقة. قوله عليه السلام: أمد أملهم الأمد: الغاية، و المنتهى، أي إنما أهلك من كان قبلكم غايات آمالهم، حيث جعلوها بعيدة لتغطية الآجال عنهم، أي أملوا أمورا طويلة المدى تقصر عنها آجالهم. قوله عليه السلام: ترد عنه المعذرة أي لا تقبل فيه معذرة معتذر. قوله: و ترفع عنه التوبة أي تنسد بابها عند نزوله كما قال تعالى: وَ لَيْسَتِ اَلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئٰاتِ حَتّٰى إِذٰا حَضَرَ أَحَدَهُمُ اَلْمَوْتُ قٰالَ إِنِّي تُبْتُ اَلْآنَ وَ لاَ اَلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفّٰارٌ . قوله عليه السلام: و تحل معه القارعة أي المصيبة التي تقرع أي تلقى بشدة و قوة. قوله عليه السلام: ليزيح العلة أي ليزيل الغدر. قوله عليه السلام: و حث على الذكر أي على ذكر الله كثيرا عند الطاعة و المعصية و النعمة و البلية: و بالقلب و اللسان بقوله اذكروا الله ذكرا كثيرا. قوله عليه السلام: و إنه من انتصح الله أي قبل نصحه تعالى له فيما أمره و نهاه عنه و اتخذه ناصحا، و علم أنه تعالى لا يأمره إلا بما ينجيه و لا ينهاه إلا عما يرديه. قال الفيروزآبادي: انتصح: قبل النصح . قوله عليه السلام: هي أقوم أي للحالة و الطريقة التي اتباعها و سلوكها أقوم. قوله عليه السلام: للحسنى أي للطريقة أو العاقبة الحسنى. قوله عليه السلام: فإن جار الله أي القريب إلى الله بالطاعة أو من آجره الله من عذابه، أو من الشدائد مطلقا. قال الفيروزآبادي الجار و المجاور: الذي أجرته من أن يظلم. قوله عليه السلام: فليستجيبوا الله أي فيما أمركم به من الدعاء أو مطلقا و آمنوا به أي بوعده الاستجابة أو مطلقا. قوله عليه السلام: أن يتعظم أي يدعي العظمة، و الحاصل أن من عرف عظمة الله و جلاله فينبغي له أن يعد نفسه حقيرا فيما ظهر له من عظمته تعالى أو يعلم أن العظمة مختصة به تعالى و أما غيره فإنما يعد عظيما بما أعاره الله من العظمة فلا يجوز تعظيم أحد عليه، أو يقال: إن غيره إنما يكتسب العظمة بالتذلل له، و التواضع عنده، و التقرب إليه، فغاية العظمة و العزة في المخلوقين منوطة بنهاية التواضع و التذلل منهم، و من عرف قدرة الله علم أنه لا تكون السلامة في الدنيا و الآخرة إلا بالاستسلام و الانقياد، له في جميع الأمور. قوله عليه السلام: فلا ينكرون أنفسهم الإنكار ضد المعرفة، أي لا يجهلون أنفسهم و معائبها و عجزها بعد ما عرفوها أو بعد ما عرفوا الله تعالى بالجلال و العظمة و القدرة. قوله عليه السلام: الذي نقضه ميثاق الكتاب. قوله عليه السلام: و لن تمسكوا به أي بالكتاب. قوله عليه السلام: و التكلف هو التعرض لما لا يعني، و ادعاء ما لا ينبغي، و الحاصل أنه لا يعرف الكتاب و لا يمكن العمل به و حفظه إلا بمعرفة حملته، و أعدائهم المضيعين له و لا تعرف الهداية إلا بمعرفة أهلها و الضلالة و أهلها، فإن الأشياء إنما تعرف بأضدادها، و علامة معرفتها التميز بينها و بين معارضتها و مخالفاتها. قوله عليه السلام: فلا يجهلنكم الذين لا يعلمون على بناء الأفعال أي لا يوقعنكم في الجهل و الضلالة بادعاء علم الكتاب و السنة، لأن علم القرآن ليس يعلم ما هو إلا من عمل به، و اتصف بصفاته و ذاق طعمه. قوله عليه السلام: فعلم بالعلم جهله أي ما جهله مما يحتاج إليه في جميع الأمور، أو كونه جاهلا قبل ذلك، أو كمل علمه حتى أقر بأنه جاهل، فإن غاية كل كمال في المخلوق الإقرار بالعجز عن استكماله، و الاعتراف بثبوته كما ينبغي للرب تعالى، أو يقال: إن الجاهل لتساوي نسبة الأشياء إليه لجهله بجميعها يدعي علم كل شيء، و أما العالم فهو يميز بين ما يعلمه و ما لا يعلمه، فبالعلم عرف جهله، و لا يخفى جريان الاحتمالات في الفقرتين التاليتين، و أن الأول أظهر في الجميع، بأن يكون المراد. ب‍ قوله عليه السلام: و بصر به عماه أبصر به ما عمي عنه، أو تبدلت عماه بصيرة. قوله عليه السلام: و سمع به يمكن أن يقرأ بالتخفيف أي سمع ما كان صم عنه أو بالتشديد أي بدل بالعلم صممه بكونه سميعا. قوله عليه السلام: و أثبت أي بعلم القرآن قوله نور إنما لم يجمع عليه السلام للإشعار بأنهم نور واحد، كما وردت به الأخبار و المراد به الجنس. قوله عليه السلام: و صممتم عن منطقهم فإن لصمتهم وقتا و هيئة و حاله تكون قرائن دالة على حسن منطقهم لو نطقوا، و على أن سكوتهم ليس إلا لحكمة و مصلحة دعتهم إليه. قوله عليه السلام: فهو بينهم أي القرآن أو الدين. قوله عليه السلام: فهم من شأنهم شهداء بالحق أي إنهم شهداء أو هم بسبب أطوارهم الحسنة و أخلاقهم الجميلة شهداء بالحق، أي على الحق أو على الدين الذي يدعون إليه. و الحاصل إن شؤونهم و أعمالهم و أخلاقهم تشهد بحقية أقوالهم. قوله عليه السلام: و يخبر عطف على قوله بالحق كقوله مخبر كما في بعض النسخ و المراد به حينئذ الرسول صلى الله عليه و آله. قوله عليه السلام: قد خلت أي مضت لهم من الله سابقه أي نعمة سابقه من عصمتهم و جعلهم خلفاء الرسول و إخباره و إخبار رسوله صلى الله عليه و آله بشرفهم و فضلهم و وجوب اتباعهم. قوله عليه السلام: حكم صادق أي من ظفرهم و نصرهم و حفظهم و رد الأمر إليهم أو وجوب طاعتهم.

divider