شناسه حدیث :  ۱۰۵۴۲۵

  |  

نشانی :  الکافي  ,  جلد۲  ,  صفحه۳۹  

عنوان باب :   الجزء الثاني كتاب الإيمان و الكفر بَابٌ فِي أَنَّ اَلْإِيمَانَ مَبْثُوثٌ لِجَوَارِحِ اَلْبَدَنِ كُلِّهَا

معصوم :   امام صادق (علیه السلام)

مُحَمَّدُ بْنُ اَلْحَسَنِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنِ اَلْأَشْعَثِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصِ بْنِ خَارِجَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ يَقُولُ وَ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ قَوْلِ اَلْمُرْجِئَةِ فِي اَلْكُفْرِ وَ اَلْإِيمَانِ وَ قَالَ إِنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ عَلَيْنَا وَ يَقُولُونَ كَمَا أَنَّ اَلْكَافِرَ عِنْدَنَا هُوَ اَلْكَافِرُ عِنْدَ اَللَّهِ فَكَذَلِكَ نَجِدُ اَلْمُؤْمِنَ إِذَا أَقَرَّ بِإِيمَانِهِ أَنَّهُ عِنْدَ اَللَّهِ مُؤْمِنٌ فَقَالَ سُبْحَانَ اَللَّهِ وَ كَيْفَ يَسْتَوِي هَذَانِ وَ اَلْكُفْرُ إِقْرَارٌ مِنَ اَلْعَبْدِ فَلاَ يُكَلَّفُ بَعْدَ إِقْرَارِهِ بِبَيِّنَةٍ وَ اَلْإِيمَانُ دَعْوَى لاَ تَجُوزُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ وَ بَيِّنَتُهُ عَمَلُهُ وَ نِيَّتُهُ فَإِذَا اِتَّفَقَا فَالْعَبْدُ عِنْدَ اَللَّهِ مُؤْمِنٌ وَ اَلْكُفْرُ مَوْجُودٌ بِكُلِّ جِهَةٍ مِنْ هَذِهِ اَلْجِهَاتِ اَلثَّلاَثِ مِنْ نِيَّةٍ أَوْ قَوْلٍ أَوْ عَمَلٍ وَ اَلْأَحْكَامُ تَجْرِي عَلَى اَلْقَوْلِ وَ اَلْعَمَلِ فَمَا أَكْثَرَ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ اَلْمُؤْمِنُونَ بِالْإِيمَانِ وَ يَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ هُوَ عِنْدَ اَللَّهِ كَافِرٌ وَ قَدْ أَصَابَ مَنْ أَجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامَ اَلْمُؤْمِنِينَ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ وَ عَمَلِهِ .
زبان شرح:

مرآة العقول ; ج ۷  ص ۲۵۰

: مجهول. و مفعول يقول قوله: سبحان الله إلى آخر الكلام، و إعادة فقال للتأكيد لطول الفصل، و قد مر أن المرجئة قوم يقولون أنه لا يضر مع الأيمان معصية كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة، و يظهر من هذا الخبر أنهم كانوا يقولون بأن الإيمان هو الإقرار الظاهري و لا يشترط‍ فيه الاعتقاد القلبي، و كذا الكفر لكنه غير مشهور عنهم، قال في المواقف و شرحه: من كبار الفرق الإسلامية المرجئة لقبوا به لأنهم يرجئون العمل عن النية أي يؤخرونه، أو لأنهم يقولون لا يضر مع الأيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، فهم يعطون الرجاء و على هذا ينبغي أن لا يهمز لفظ‍ المرجئة و فرقهم خمس: اليونسية أصحاب يونس النميري، قالوا: الإيمان هو المعرفة بالله و الخضوع له و المحبة بالقلب، فمن اجتمعت فيه هذه الصفات فهو مؤمن و لا يضر معها ترك الطاعات و ارتكاب المعاصي، و لا يعاقب عليها، و العبيدية أصحاب عبيد المكذب زادوا على اليونسية أن علم الله لم يزل شيئا غيره، و أنه تعالى على صورة الإنسان، و الغسانية أصحاب غسان الكوفي قالوا: الإيمان هو المعرفة بالله و رسوله و بما جاء من عندهما إجمالا لا تفصيلا و هو يزيد و لا ينقص، و غسان كان يحكيه عن أبي حنيفة و هو افتراء عليه، فإنه لما قال الإيمان هو التصديق و لا يزيد و لا ينقص ظن به الإرجاء بتأخير العمل عن الإيمان، و الثوبانية أصحاب الثوبان المرجئي قالوا: الإيمان هو المعرفة و الإقرار بالله و رسوله و بكل ما لا يجوز في العقل أن يعقله، و أما ما جاز في العقل أن يعقله فليس الاعتقاد به من الإيمان و أخروا العمل كله من الإيمان، و الثومنية أصحاب أبي معاذ الثومني قالوا: الإيمان هو المعرفة و التصديق و المحبة و الإخلاص و الإقرار بما جاء به الرسول و ترك كله أو بعضه كفر، و ليس بعضه إيمانا و لا بعض إيمان، و كل معصية لم يجمع على أنه كفر فصاحبه يقال: إنه فسق و عصى و إنه فاسق، و من ترك الصلاة مستحلا كفر لتكذيبه لما جاء به النبي صلى الله عليه و آله و سلم و من تركها بنية القضاء لم يكفر، و قالوا السجود للصنم ليس كفرا بل هو علامة الكفر، فهذه هي المرجئة الخالصة، و منهم من جمع إلى الإرجاء القدر، انتهى. قوله: كما أن الكافر ، كأنه قاس الإيمان بالكفر فإن من أنكر ضروريا من ضروريات الدين ظاهرا من غير تقية فهو كافر و إن لم يعتقد ذلك، فإذا أقر بما جاء به النبي صلى الله عليه و آله و سلم يجب أن يكون مؤمنا غير معذب و إن لم يعتقد بقلبه شيئا من ذلك، و لم يضم إليه أفعال الجوارح من الطاعات و ترك المعاصي فأجاب عليه السلام بأنه مع بطلان القياس لا سيما في المسائل الأصولية فهو قياس مع الفارق، ثم شبه عليه السلام الأمرين بالإقرار و الإنكار ليظهر الفرق، فإن إنكار الضروري مستلزم لترك جزء من أجزاء الإيمان و هو الإقرار الظاهري فهو بمنزلة إقرار الإنسان على نفسه، فإنه لا يكلف بينة على إقراره بل يحكم بمحض الإقرار عليه و إن شهدت البينة على خلافه، بخلاف إظهار الإيمان و التكلم به، فإنه و إن أتى بجزء من الإيمان و هو الإقرار الظاهري لكن عمدة أجزائه التصديق القلبي و هو مع ذلك مدع لا بد له من شاهد من عمل الجوارح عند الناس و من النية و التصديق عند الله، فإذا اتفق الشاهدان و هما التصديق و العمل ثبت إيمانه عند الله، و لما كان التصديق القلبي أمرا لا يطلع عليه غير الله لم يكلف الناس في الحكم بإيمانه إلا بالإقرار الظاهري و العمل فإنهما شاهدان عدلان يحكم بهما ظاهرا و إن كانا كاذبين عند الله. و الحاصل أنه عليه السلام شبه الإقرار الظاهري بالدعوى في سائر الدعاوي، و كما أن الدعوى في سائر الدعاوي لا تقبل إلا ببينة فكذا جعل الله تعالى هذه الدعوى غير مقبولة إلا بشاهدين من قلبه و جوارحه فلا يثبت عنده إلا بهما، و أما عند الناس فيكفيهم في الحكم الإقرار و العمل الظاهري كما يكتفي عند الضرورة بالشاهد و اليمين، فالإيمان مركب من ثلاثة أجزاء و لا يثبت الإيمان الواقعي إلا بتحقق الجميع فهو من هذه الجهة يشبه سائر الدعاوي للزوم ثلاثة أشياء في تحققها الدعوى و الشاهدين. و يمكن أن يكون الأصل في الإيمان الأمر القلبي و لما لم يكن ظهوره للناس إلا بالإقرار و العمل، فجعلهما الله من أجزاء الإيمان أو من شرائطه و لوازمه. و قد أصاب أي حكم بالحق و الصواب. ثم اعلم أن أكثر المتكلمين من الخاصة و العامة اختلفوا في أن الإيمان هل يقبل الزيادة و النقصان كما يدل عليه بعض أخبار هذا الباب أم لا و منهم من جعل هذا الخلاف فرع الخلاف في أن الأعمال داخلة فيه أم لا، قال إمامهم الرازي في المحصل: الإيمان عندنا لا يزيد و لا ينقص لأنه لما كان اسما لتصديق الرسول في كل ما علم بالضرورة مجيئه به، و هذا لا يقبل التفاوت فسمي الإيمان لا يقبل الزيادة و النقصان، و عند المعتزلة لما كان اسما لأداء العبادات كان قابلا لهما، و عند السلف لما كان اسما للإقرار و الاعتقاد و العمل فكذلك، و البحث لغوي و لكل واحد من الفرق نصوص، و التوفيق أن يقال: الأعمال من ثمرات التصديق، فما دل على أن الإيمان لا يقبل الزيادة و النقصان كان مصروفا إلى أصل الإيمان، و ما دل على كونه قابلا لهما فهو مصروف إلى الإيمان الكامل، انتهى. و قال الشهيد الثاني قدس سره في رسالة العقائد: حقيقة الإيمان بعد الاتصاف بها بحيث يكون المتصف بها مؤمنا عند الله تعالى هل تقبل الزيادة أم لا، فقيل بالثاني لما تقدم من أنه التصديق القلبي الذي بلغ الجزم و الثبات، فلا تتصور فيه الزيادة عن ذلك، سواء أتى بالطاعات و ترك المعاصي أم لا، و كذا لا تعرض له النقيصة و إلا لما كان ثابتا و قد فرضناه كذلك هذا خلف و أيضا حقيقة الشيء لو قبلت الزيادة و النقصان لكانت حقائق متعددة، و قد فرضناها واحدة، هذا خلف، و إن قلت: حقيقة الإيمان من الأمور الاعتبارية للشارع و حينئذ فيجوز أن يعتبر الشارع للإيمان حقائق متعددة متفاوتة زيادة و نقصانا بحسب مراتب المكلفين في قوة الإدراك و ضعفه، فإنا نقطع بتفاوت المكلفين في العلم و الإدراك؟ قلت: لو جاز ذلك و كان واقعا لوجب علي الشارع بيان حقيقة إيمان كل فرقة يتفاوتون في قوة الإدراك، مع أنه لم يبين ما ورد من جهة الشارع فيما به يتحقق الإيمان من حديث جبرئيل للنبي صلى الله عليه و آله و سلم و غيره من الأحاديث قد مر ذكره، و ليس فيه شيء يدل على تعدد الحقائق بحسب تفاوت قوي المكلفين. و أما ما ورد في الكتاب العزيز و السنة المطهرة مما يشعر بقبوله الزيادة و النقصان كقوله تعالى: وَ إِذٰا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيٰاتُهُ زٰادَتْهُمْ إِيمٰاناً و قوله تعالى: لِيَزْدٰادُوا إِيمٰاناً مَعَ إِيمٰانِهِمْ و قوله تعالى: لَيْسَ عَلَى اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ جُنٰاحٌ فِيمٰا طَعِمُوا إِذٰا مَا اِتَّقَوْا وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ ثُمَّ اِتَّقَوْا وَ آمَنُوا ثُمَّ اِتَّقَوْا وَ أَحْسَنُوا وَ اَللّٰهُ يُحِبُّ اَلْمُحْسِنِينَ و كذا ما ورد من أمثال ذلك في القرآن العزيز فمحمول على زيادة الكمال و هو أمر خارج عن أصل الحقيقة الذي هو محل النزاع، و الآية الثانية صريحة في ذلك فإن قوله تعالى: مَعَ إِيمٰانِهِمْ يدل على أن أصل الإيمان ثابت، أو على من كان في عصر النبي حيث كانوا يسمعون فرضا بعد فرض منه عليه السلام فيزداد إيمانهم به لأنهم لم يكونوا مصدقين به قبل أن يسمعوه. و حاصله أن الحقيقة الشرعية للإيمان لم تكن حصلت بتمامها في ذلك الوقت، فكان كلما حصل منها شيء صدقوا به، و اعترض بأن من كان بعد عصر النبي صلى الله عليه و آله و سلم يمكن في حقه تجدد الاطلاع على تفاصيل الفرائض المتوقف عليها الإيمان فإنه يجب الاعتقاد إجمالا فيما عليم إجمالا و تفصيلا فيما علم تفصيلا، و لا ريب أن اعتقاد الأمور المتعددة تفصيلا أزيد و أظهر عند النفس من اعتقادها إجمالا فعلم من ذلك قبول حقيقة الإيمان الزيادة. أقول: فيه بحث فإن الجازم بحقيقة الجملة جازم بحقيقة كل جزء منها و إن لم يعلمه بعينه، أ لا ترى أنا بعد علمنا بصدق النبي صلى الله عليه و آله و سلم جازمون بصدق كل ما يخبر به و إن لم نعلم تفصيل ذلك جزءا جزءا، حتى لو فصل ذلك علينا واحدا واحدا لما ازداد ذلك الجزم، نعم الزائد في التفصيل إنما هو إدراك الصور المتعددة من حيث التعدد و التشخص و هو لا يوجب زيادة في التصديق الإجمالي الجازم، فإن هذه الصور قد كانت مجزوما بها على تقدير دخولها في الهيئة الإجمالية، و إنما الشاذ عن النفس إدراك خصوصياتها و هو أمر خارج عن تحقق الحقيقة المجزوم بها، نعم لا ريب في حصول الأكملية به و ليس الكلام فيها. و قد أجاب بعض المفسرين عن الآية الثالثة بأن تكرار الإيمان فيها ليس فيه دلالة على الزيادة، بل إما أن يكون باعتبار الأزمنة الثلاثة أو باعتبار الأحوال الثلاث، حال المؤمن مع نفسه، و حاله مع الناس، و حاله مع الله تعالى، و لذا بدل الإيمان بالإحسان كما يرشد إليه قوله صلى الله عليه و آله و سلم في تفسير الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، أو باعتبار المراتب الثلاث المبدأ و الوسط‍ و المنتهى، أو باعتبار ما ينبغي فإنه ينبغي ترك المحرمات حذرا عن العقاب، و ترك الشبهات تباعدا عن الوقوع في المحرمات و هو مرتبة الورع، و ترك بعض المباحات المؤذنة بالنقص حفظا للنفس عن الخسة، و تهذيبا لها عن دنس الطبيعة، أو يكون هذا التكرار كناية عن أنه ينبغي للمؤمن أن يجدد الإيمان في كل وقت بقلبه و لسانه و أعماله الصالحة، و عبر عنه على بقائه و الثبات عليه عند الذهول ليصير الإيمان ملكة للنفس فلا يزلزله عروض شبهة، انتهى. قيل: في بيان قبول الإيمان الزيادة أن الثبات و الدوام على الإيمان أمر زائد عليه في كل وقت و زمان، و حاصل ذلك يرجع إلى أن الإيمان عرض لأنه من الكيفيات النفسانية و العرض لا يبقى زمانين بل بقاؤه إنما يكون بتجدد الأمثال. أقول: و هذا مع بنائه على ما لم يثبت حقيته بل نفيه فليس من الزيادة في شيء، إذ لا يقال للمماثل الحاصل بعد انعدام مثله أنه زائد و هذا ظاهر، و قيل في توجيه قبوله الزيادة: أنه بمعنى زيادة ثمرته من الطاعات و إشراق نوره و ضيائه في القلب و أنه يزيد بالطاعات و ينقص بالمعاصي. أقول: هذا التوجيه وجيه لو كان النزاع في مطلق الزيادة لكنه ليس كذلك بل النزاع إنما هو في أصل حقيقته لا في كمالها. و استدل بعض المحققين على أن حقيقة التصديق الجازم الثابت تقبل الزيادة و النقصان بأنا نقطع أن تصديقنا ليس كتصديق النبي صلى الله عليه و آله و سلم. أقول: لا ريب في أنا قاطعون بأن تصديق النبي صلى الله عليه و آله و سلم أقوى من تصديقنا و أكمل، لكن هذا لا يدل على اختلاف أصل حقيقة الإيمان التي قدرها الشارع باعتقاد أمور مخصوصة على وجه الجزم و الثبات، فإن تلك الحقيقة إنما هي من اعتبارات الشارع، و لم يعهد من الشارع اختلاف حقيقة الإيمان باختلاف المكلفين في قوة الإدراك، بحيث يحكم بكفر قوي الإدراك لو كان جزمه بالمعارف الإلهية كجزم من هو أضعف إدراكا منه، نعم الذي تفاوت فيه المكلفون إنما هو مراتب كماله بعد تحقق أصل حقيقته التي يخاطب بتحصيلها كل مكلف و يعتبر بها مؤمنا عند الله تعالى و تستحق الثواب الدائم و بدونها العقاب الدائم، و أما تلك الكمالات الزائدة فإنما تكون باعتبار قرب المكلف إلى الله تعالى بسبب استشعاره لعظمة الله و كبريائه و شمول قدرته و علمه، و ذلك لإشراق نفسه و اطلاعها على ما في مصنوعات الله تعالى من الأحكام و الإتقان و الحكم و المصالح، فإن النفس إذا لاحظت هذه البدائع الغريبة العظيمة التي تحار في تعقلها مع علمها بأنها تشترك في الإمكان و الافتقار إلى صانع يبدعها و يبديها متوحد في ذاته بذاته انكشف عليها كبرياء ذلك الصانع و عظمته و جلاله و إحاطته بكل شيء، فيكثر خوفها و خشيتها و احترامها لذلك الصانع حتى كأنها لا تشاهد سواه و لا تخشى غيره، فتنقطع عن غيره إليه و تسلم أزمة أمورها إليه حيث علمت أن لا رب غيره و أن المبدأ منه و المعاد إليه، فلا تزال شاخصة منتظرة لأمره حتى تأتيها فتفر إليه من ضيق الجهالة إلى سعة معرفته و رحمته و لطفه، و في ذلك فليتنافس المتنافسون. و كذا ما ورد من السنة المطهرة مما يشعر بقبوله الزيادة و النقصان يمكن حمله على ما ذكرناه كحديث الجوارح، ذكره في الكافي بإسناده عن أبي عمرو الزبيري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت: صفه لي يعني الإيمان جعلت فداك حتى أفهمه، فقال: الإيمان حالات و درجات، إلى قوله: و بالنقصان دخل المفرطون النار، انتهى. ثم قال (ره): اعلم أن سند هذا الحديث ضعيف لأن في طريقه بكر بن صالح الرازي و هو ضعيف جدا كثير التفرد بالغرائب، و أبو عمرو الزبيري و هو مجهول فسقط‍ الاستدلال به، و لو سلم سنده فلا دلالة فيه على اختلاف نفس حقيقة الإيمان التي يترتب عليها النجاة، و جعل الناقص عنها يترتب عليه دخول النار، فلم يكن إيمانا و إلا لم يدخل صاحبه النار بقوله تعالى وَعَدَ اَللّٰهُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنٰاتِ جَنّٰاتٍ . و جعل الزيادة في الإيمان مما يوجب التفاضل في الدرجات، و لا ريب أن هذه الزيادة لو ترك و اقتصر المكلف على ما يحصل به التمام لم يعاقب على ترك هذه الزيادة، و لأنه عليه السلام جعل التمام موجبا للجنة فكيف يوجب العقاب ترك الزيادة مع أن ما دونه و هو التمام يوجب الجنة، و على هذا فتكون الزيادة غير مكلف بها فلم تكن داخلة في أصل حقيقة الإيمان لأنه مكلف به بالنص و الإجماع، فيكون من الكمال، فظهر بذلك كون الحديث دليلا على عدم قبول حقيقة الإيمان للزيادة و النقصان، لا دليلا على قبولهما، و هذا استخراج لم نسبق إليه، و بيان لم يعثره غيرنا عليه. على أن هذا الحديث لو قطعنا النظر عما ذكرنا و حملناه على ظاهره لكان معارضا بما سبق من حديث جبرئيل للنبي صلى الله عليه و آله و سلم حيث سأله عن الإيمان فقال: أن تؤمن بالله و رسله و اليوم الآخر، أي تصدق بذلك، و لو بقي من حقيقته شيء سوى ما ذكره له لبينه له، فدل على أن حقيقته تتم بما أجابه بالقياس إلى كل مكلف أما للنبي صلى الله عليه و آله و سلم فلأنه المجاب به حين سأله، و أما لغيره فللتأسي به و طريق الجمع بينهما حينئذ حمل ما في حديث الجوارح من الزيادة عن ذلك على مرتبة الكمال بيناه سابقا. و هيهنا بحث و هو أن حقيقة الإيمان لما كانت من الأمور الاعتبارية للشارع كان تحديدها إنما هو بجعل الشارع و تقريره لها، فلا يعلم حينئذ مقداره و حقيقته إلا منه، و حيث رأينا ما وصل إلينا من خطاباته تعالى غير قاطع في الدلالة على تعيين قدر مخصوص من أنواع الاعتقاد و الأعمال بحيث تشترك الكل في التكليف به من غير تفاوت بين قوي الإدراك و ضعيفة، بل رأيناها متفاوتة في الدلالة على ذلك يعلم ذلك من تتبع آيات الكتاب العزيز و السنة المطهرة و قد سبق نبذة من ذلك و لا يجوز الاختلاف في خطاباته، و لا أن يكلف عباده بأمر لا يبين لهم مراده تعالى منه، لاستحالة تكليف ما لا يطاق و إخلاله باللطف و رأينا الأكثر ورودا في كتابه بذلك الأمر بالاعتقاد القلبي من غير تعيين مقدار مخصوص منه بقاطع يوقفنا على اعتباره أمكن حينئذ أن يكون مراده منه مطلق الاعتقاد العلمي سواء كان علم الطمأنينة أو علم اليقين أو حق اليقين أو عين اليقين فتكون حقيقة واحدة و هو الإذعان القلبي و الاعتقاد العلمي، و التفاوت بالزيادة و النقصان إنما هو في أفراد تلك الحقيقة و من مشخصاتها فلا يكون داخلا في الحقيقة المذكورة، و ما ورد مما ظاهره الاختلاف في الدلالة على مراد الشارع منه يمكن تنزيله على تفاوت الأفراد المذكورة كعلم الطمأنينة و علم اليقين و غيرهما فيكون كل واحد منها مرادا و كافيا في امتثال أمر الشارع. و هذا هو المناسب لسهولة التكليف و اختلاف طبقات المكلفين في الإدراك كما لا يخفى، و بذلك يسهل الخطب في الحكم بإيمان أكثر العوالم الذين لا يتيسر لأنفسهم الاتصاف بالعلم الذي لا يقبل تشكيك المشكك، فإن علم الطمأنينة متيسر لكل واحد، و على هذا فيكون ما تشعر النفس به من الازدياد في التصديق و الاطمئنان عند ما تشاهده من برهان أو عيان، إنما هو انتقال في أفراد تلك الحقيقة و تبدل واحد بآخر، و الحقيقة واحدة. لا يقال: أفراد الحقيقة الواحدة لا تنافي الاجتماع في القوة العاقلة فإن أفراد الحيوان و الإنسان يصلح اجتماعها في القوة العاقلة و ما نحن فيه ليس كذلك، إذ لا يمكن اتصاف الحصول بنفس علم الطمأنينة و علم اليقين في حالة واحدة لتضادهما و بهذا يزول الأول بحصول الثاني فلا يكون ما ذكرت أفراد حقيقة واحدة بل حقائق. قلت: لا نسلم أن أفراد كل حقيقة يصح اجتماعها في الحصول عند القوة العاقلة، بل قد لا يصح ذلك لما بينها من التضاد كما في البياض و السواد فإنها فردان لحقيقة واحدة هي اللون مع عدم صحة اجتماعهما في محل واحد لا خارجا و لا ذهنا. بقي هيهنا شيء و هو أنه لا ريب في تحقق الإيمان الشرعي بالتصديق الجازم الثابت و إن أخل المتصف به ببعض الطاعات، و قارف بعض المنهيات عند من يكتفي في حصول الإيمان بإذعان الجنان، و إذا كان الأمر كذلك فلا معنى للنزاع عند هؤلاء في أن حقيقة الإيمان هل تقبل الزيادة و النقصان، إذ لو قبلت شيئا منهما لم تكن واحدة بل متعددة، لأن القابل غير المقبول، و العارض غير المعروض فإن دخل الزائد في مفهوم الحقيقة بحيث صار ذاتيا لها تعددت و تبدلت، و كذا الناقص إذا خرج عنها فلا تكون واحدة، و قد فرضناها كذلك، هذا خلف، و إن لم يدخل و لم يخرج شيء منهما كانت واحدة من غير نقصان و زيادة فيها بل هما راجعان إلى الكمال و عدمه و حينئذ فيبقى محل النزاع هل يقبل كما لها الزيادة و النقصان، و أنت خبير بأن هذا مما لا يختلف في صحته اثنان، و قد ذكر بعض العلماء أن هذا النزاع إنما يتمشى على قول من جعل الطاعات من الإيمان. و أقول: الذي يقتضيه النظر أنه لا يتمشى على قولهم أيضا، و ذلك أن ما اعتبروه في الإيمان من الطاعات إما أن يريدوا به توقف حصول الإيمان على جميع ما اعتبروه أو عليه في الجملة، و على الأول يلزم كون حقيقته واحدة، فإذا ترك فرضا من تلك الطاعات يخرج من الإيمان و على الثاني يلزم كون ما يتحقق به الإيمان من تلك الطاعات داخلا في حقيقته و ما زاد عليه خارجا فتكون واحدة على التقديرين، فليس الزيادة و النقصان إلا في الكمال على جميع الأقوال، انتهى كلامه رفع الله مقامه. و قال شارح المقاصد: ظاهر الكتاب و السنة و هو مذهب الأشاعرة و المعتزلة و المحكي عن الشافعي و كثير من العلماء أن الإيمان يزيد و ينقص، و عند أبي حنيفة و أصحابه و كثير من العلماء و هو اختيار إمام الحرمين أنه لا يزيد و لا ينقص لأنه اسم للتصديق البالغ حد الجزم و الإذعان و لا يتصور فيه الزيادة و النقصان، و المصدق إذا ضم الطاعات إليه أو ارتكب المعاصي فتصديقه بحاله لم يتغير أصلا و إنما يتفاوت إذا كان اسما للطاعات المتفاوتة قلة و كثرة، و لهذا قال الإمام الرازي و غيره: إن هذا الخلاف فرع تفسير الأيمان، فإن قلنا: هو التصديق فلا يتفاوت، و إن قلنا هو الأعمال فمتفاوت. و قال إمام الحرمين: إذا حملنا الإيمان على التصديق فلا يفضل تصديق تصديقا كما لا يفضل علم علما و من حمله على الطاعة سرا و علنا و قد مال إليه القلانسي فلا يبعد إطلاق القول بأنه يزيد بالطاعة و ينقص بالمعصية و نحن لا نؤثر هذا، ثم قال: و لقائل أن يقول: لا نسلم أن التصديق لا يتفاوت بل يتفاوت قوة و ضعفا كما في التصديق بطلوع الشمس و التصديق بحدوث العالم لأنه إما نفس الاعتقاد القابل للتفاوت أو مبني عليه قلة و كثرة كما في التصديق الإجمالي و التفصيلي الملاحظ‍ لبعض التفاصيل و أكثر، فإن ذلك من الإيمان لكونه تصديقا بما جاء به النبي صلى الله عليه و آله و سلم إجمالا فيما علم إجمالا، و تفصيلا فيما علم تفصيلا. لا يقال: الواجب تصديق يبلغ حد اليقين و هو لا يتفاوت، لأن التفاوت لا يتصور إلا باحتمال النقيض. لأنا نقول: اليقين من باب العلم و المعرفة، و قد سبق أنه غير التصديق، و لو سلم أنه التصديق و أن المراد به ما يبلغ حد الإذعان و القبول و يصدق عليه المعنى المسمى بگرويدن ليكون تصديقا قطعا فلا نسلم أنه لا يقبل التفاوت، بل لليقين مراتب من أجلى البديهيات إلى أخفى النظريات، و كون التفاوت راجعا إلى مجرد الجلاء و الخفاء غير مسلم بل عند الحصول و زوال التردد التفاوت بحاله، و كفاك قول الخليل: وَ لٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي و عن علي عليه السلام: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. على أن القول بأن المعتبر في حق الكل هو اليقين و أن ليس للظن الغالب الذي لا يخطر معه النقيض بالبال حكم اليقين محل نظر. احتج القائلون بالزيادة و النقصان بالعقل و النقل أما العقل فلأنه لو لم يتفاوت لكان إيمان آحاد الأمة بل المنهمك في الفسق مساويا لتصديق الأنبياء و اللازم باطل قطعا و أما النقل فلكثرة النصوص الواردة في هذا المعنى، قال الله: وَ إِذٰا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيٰاتُهُ زٰادَتْهُمْ إِيمٰاناً لِيَزْدٰادُوا إِيمٰاناً مَعَ إِيمٰانِهِمْ وَ يَزْدٰادَ اَلَّذِينَ آمَنُوا إِيمٰاناً وَ مٰا زٰادَهُمْ إِلاّٰ إِيمٰاناً وَ تَسْلِيماً فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا فَزٰادَتْهُمْ إِيمٰاناً و عن ابن عمر قلنا: يا رسول الله إن الإيمان يزيد و ينقص؟ قال: نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة و ينقص حتى يدخل صاحبه النار. و أجيب بوجوه: الأول: أن المراد الزيادة بحسب الدوام و الثبات و كثرة الأزمان و الساعات و هذا ما قال إمام الحرمين: النبي صلى الله عليه و آله و سلم يفضل من عداه باستمرار تصديقه و عصمة الله إياه من مخامرة الشكوك، و التصديق عرض لا يبقى، فيقع للنبي متواليا و لغيره على الفترات، فثبت للنبي صلى الله عليه و آله و سلم أعداد من الإيمان لا يثبت لغيره إلا بعضها، فيكون إيمانه أكثر، و الزيادة بهذا المعنى مما لا نزاع فيه. و ما يقال: من أن حصول المثل بعد انعدام الشيء لا يكون زيادة، مدفوع بأن المراد زيادة إعداد حصلت و عدم البقاء لا ينافي ذلك. الثاني: أن المراد الزيادة بحسب زيادة المؤمن به، و الصحابة كانوا آمنوا في الجملة و كان يأتي فرض بعد فرض، و كانوا يؤمنون بكل فرض خاص، و حاصله أن الإيمان واجب إجمالا فيما علم إجمالا و تفصيلا فيما علم تفصيلا، و الناس متفاوتون في ملاحظة التفاصيل كثرة و قلة، فيتفاوت إيمانهم زيادة و نقصانا و لا يختص ذلك بعصر النبي صلى الله عليه و آله و سلم على ما يتوهم. الثالث: أن المراد زيادة ثمرته و إشراق نوره في القلب فإنه يزيد بالطاعات و ينقص بالمعاصي، و هذا مما لا خفاء فيه، و هذه الوجوه جيدة في التأويل لو ثبت لهم أن التصديق في نفسه لا يقبل التفاوت و الكلام فيه، انتهى. و الحق أن الإيمان يقبل الزيادة و النقصان، سواء كانت الأعمال أجزاءه أو شرائطه أو آثاره الدالة عليه، فإن التصديق القلبي بأي معنى فسر لا ريب أنه يزيد، و كلما ازدادت آثاره على الأعضاء و الجوارح فهي كثرة و قلة تدل على مراتب الإيمان زيادة و نقصانا، و كل منهما يتفرع على الآخر، فإن كل مرتبة من مراتب الإيمان يصير سببا لقدر من الأعمال يناسبها، فإذا أتى بها قوي الإيمان القلبي، و حصلت مرتبة أعلى تقتضي عملا أكثر، و هكذا و سيأتي مزيد تأييد لذلك في الأخبار إنشاء الله تعالى.

divider